بين المُنقِذ والمُنفّذ.. بقلم: رفعت إبراهيم البدوي

‏ما حصل في بلاد الحرية والديمقراطية ويمكن حصوله مستقبلاً ليس بالأمر المستغرب، فذلك هو نتاج طبيعي لحكم رئيس أو قاض مصاب برهاب الغياب عن دائرة الضوء أو الخروج من مركز القرار وفقدان السلطة حينها تتقدم المصلحة الشخصية على مصلحة الوطن من خلال اتباع أساليب وطرق ملتوية مشبوهة فيُقدِم الرئيس أو المسؤول الخائف من خسارة السلطة على ممارسة الفساد فيحلله ليصبح سبيلاً لإشباع شبق الاحتفاظ أو البقاء في السلطة ولو على حساب دماء المواطن والمجتمع فيتبخر الانتماء الوطني ليذهب بإجازة مفتوحة ويتفلت التماسك الاجتماعي من روابطه الوطنية، ويتحلل من أواصر القربى فيصاب المجتمع بالتشظي والتفكك لتفتك به العنصرية والأصولية والمناطقية وحتى الطائفية والمذهبية.
هذه هي الصورة التي خيّمت على بلد «الحرية والديمقراطية» واستهجن العالم تلك المشاهد الشائنة التي ستبقى عالقة في أذهان الأميركيين لفترات طويلة كعلامة فارقة في تاريخ أميركا.
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأميركية تشهد تحولاً غير عادي على صعيد الاتحاد ومن الممكن أن يعود بها التاريخ إلى ما قبل الاتحاد الفيدرالي.
البعض يرى أن ما شهدته أميركا أخيراً هو حدث عابر ولا يمكن البناء عليه لإحداث كوة في جدار النظام الأميركي ولن يؤدي إلى متغيرات في تركيبة المجتمع الأميركي المتنوع.
أما البعض الآخر فقد وصف المشهد الأميركي بأنه الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، لأن ما حصل كان صادماً للمجتمع الأميركي والعالم وسيترك ندوباً عميقة وظاهرة على جسد الديمقراطية في النظام الأميركي.
وفي مقارنة سريعة بين رئيس أميركي منتهية ولايته يعتلي منصة الخطاب من خلف ستار زجاجي مضاد للرصاص مطلقاً كلمات نابية لا تليق بمنصب رئيس دولة كبرى متهماً وسائل الإعلام الأميركية بالسوقية والانحراف، ويدعو نائبه لقلب نتائج الانتخابات بأي وسيلة كانت، ويحرض مؤيديه على الفتنة والانقلاب على مؤسسات التشريع ليس دفاعاً عن الديمقراطية بل لتنفيذ رغبته بالبقاء في مركز السلطة، وبين ‏رئيس أميركي منتخب أطل على الشعب بخطاب مسؤول هادئ ومتوازن يدعو إلى التكاتف واحترام الدستور وإلى عدم التفريط بنعمة الولايات المتحدة الأميركية وصون تماسك المجتمع الأميركي.
من أجل بقاء أميركا قوية استشعاراً منه بخطورة الأحداث وتأثيرها وخوفاً من طبع تلك الصورة الشائنة في أذهان أجيال ‏أميركا فإن التاريخ ومن دون شك سينصف الرئيس الذي تجنب الفتنة بين مكونات الشعب وتمسك بوحدة المجتمع والوطن.
أميركا تغيرت ولبست ثوباً جديداً لكنه يبدو مترهلاً ويصعب رتقه أو إصلاحه إلا إذا اتبعت أميركا الحمية في سياساتها الخارجية والتفتت إلى تحصين وحدتها الداخلية وغيرت من حجمها وحمت جلدها من تجاعيد الشيخوخة.
أمام هذا المشهد نستطيع القول إن أميركا بحاجة إلى عشرات السنين ولأجيال جديدة تحمل الفكر والعقيدة في الحفاظ على وحدتها وفي الانتماء الوطني من أجل إصلاح ما خلّفه حكم أربعة أعوام في ظل رئيس فاسد وأرعن يحرّض على الفتنة بين أبناء الوطن الواحد معرضاً السلم الأهلي للتهديد الجدي ضارباً بسلامة الوطن والمواطن وأمن المجتمع الأميركي عرض الحائط بعدما أطاح بالقوانين والدستور وحلّل المحرّم وحرّم المحلّل فقط من أجل البقاء في مركز السلطة.
ولأن إصلاح ما خلفته إدارة ذاك الحاكم الفاسد بحاجة لأجيال أميركية جديدة تقر بحقوق وحرية الشعوب في تقرير مصيرها، أجيال نابذة للعنصرية منخرطة في الانتماء الوطني الحقيقي القائم على مبدأ المساواة بين مختلف أطياف المجتمع الأميركي وإلى احترام الإنسان وحقوقه المدنية مهما كان لون بشرته أو طائفته أو دينه أو مذهبه.
وهنا لا بد لنا من سؤال: أو ليس ما جرى في أميركا يوم أمس هو صورة مطابقة عما جرى ويجري في بلادنا العربية ومنذ أكثر من نصف قرن؟!
إن معظم حكام بلادنا العربية تخلوا عن الإنسانية وطردوا الضمير من قصورهم بعدما باعوا كراماتهم لرئيس فاسد ينفذون أجندات أميركية، وحولوا شعوبهم ومجتمعاتهم إلى عشائر وطوائف ومذاهب وأعراق وحتى إلى فروع، ممنوع عليهم نبذ الطائفية والمذهبية والعشائرية، وممنوع عليهم الانصهار في الوحدة والانتماء العربي، ومن غير المسموح لهم الشعور بالانتماء الوطني الخالص وبذلك يصبح الشعب تحت حكم المنفّذ ذاك الذي ينفذ ما يطلب منه شرط الحفاظ على حياته وحماية حكمه وعرشه ولو على حساب مصلحة الشعب والوطن ومصلحة الانتماء للهوية القومية.
قلة قليلة من رؤساء دولنا العربية تمسكت بالضمير الإنساني، فانبثق منه الانتصار للإنسانية تجسّد برئيس مؤمن بهويته القومية العربية وبتحرير أرض وطنه العربي من الانتداب الأجنبي ومن الاحتلال الإسرائيلي ولم تثنه الإغراءات والضغوط والمؤامرات الدنيئة ولا الحروب الظالمة على بلده متخذاً القرار التاريخي بسلوك درب الدفاع عن كرامة وطنه وعن وحدة أرضه شعبه وصون وتماسك مجتمعه دفاعاً عن الحق العربي مهما بلغت التضحيات ليدخل التاريخ من أوسع أبوابه ويدون اسمه ودوره بصفة المنقذ للأجيال.
هؤلاء الرؤساء أفرد التاريخ المشرف لهم ولأسمائهم ولسجل حكمهم صفحاته الناصعة تحكي للأجيال عن تضحياتهم الجسام في سبيل إنقاذ أوطانهم وشعوبهم من أي ارتهان أو احتلال.
بين المُنقذ والمُنفّذ وفي لحظة تاريخية سقطت الولايات الأميركية في فخ التشظي والتحلل من الوحدة الاتحادية ليسقط معها حكام دول عربية جعلوا من أنفسهم مجرد نواطير لحماية الفساد يأتمرون بإمرة الفاسد وينفذون ما يطلب منهم ولو كان عكس مصالح الشعب والوطن، أولئك سيصنّفهم التاريخ في خانة الأجراء المنفذين للأوامر الأميركية الإسرائيلية.
أما جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وبشار الأسد وإميل لحود وسليم الحص هؤلاء القادة الذين مارسوا السلطة بضمير وطني وبتجرد وتعفف عن أي مصالح شخصية وأنكروا الذات وأنقذوا الإنسان والوطن والشعب من سطوة الانتداب أو الاحتلال رغم الضغوط والمغريات، أولئك سيفتح لهم التاريخ صفحاته المجيدة لتكتب أسماؤهم في خانة القادة الخالدين المنقذين لأوطانهم.
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2021