إيران و«الحرب الصامتة»: لن نمنح ترامب ورقة رابحة

سرّاً وعلانية، تستعر المعركة المفتوحة بين طهران وواشنطن. لا حدود للعداوة بين القوّتين الأهم في المنطقة. ضربات بقفازات وأخرى مباشرة، ولكن الصمت يخيّم على ضوضاء صاخبة تخفي عمق الصراع المتأجج والمتواري خلف حسابات رسمتها تكتيكات دقيقة منعاً لاستثمارها من أي طرف كان.
بغض النظر عن التعاطي الانتخابي الأميركي مع ملف إيران، والذي يقوده وزير الخارجية مايك بومبيو وفريقه، فإن الهجمة (بدأتها بضراوة عام 2011 إدارة الرئيس السابق باراك أوباما وأخذت استراحة محارب مع الاتفاق النووي عام 2015 ثم عادت بعد عام مع وصول الرئيس الحالي دونالد ترامب) لا تزال تشهد تصعيداً كبيراً، أقله العلني على المستوى الاقتصادي بفرض حصار شامل على إيران وكل من يتعامل معها. وهذا الأمر لا يخفي الحرب الأمنية والاستخبارية والتخريبية التي تقودها واشنطن ضد طهران، منذ إعلانها «الحرب» باغتيال قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، مطلع العام الحالي، على الأراضي العراقية.
إيران، التي كانت تدير «حرب تكتيك» في صراعها مع واشنطن وتل أبيب وفي مواجهة مختلف أشكال توريطها بالانسحاب من الاتفاق النووي والعودة إلى ما قبل الاتفاق من عقوبات وحصار وتهديد، ما زالت تفصل ملفاتها. هي خرجت عملياً من الاتفاق وحافظت على إطاره العام، ما دفع الترويكا الأوروبية إلى البقاء فيه، ليس حباً بإيران بل حفاظاً على مكتسباتها، ووجدت فيه الصين وروسيا ضالتهما لمواجهة الابتزاز الأميركي لهما. وهو موضوع يدركه صنّاع القرار في إيران، الذين ما زالوا يمشون على حافة الاتفاق تفادياً للسقوط في الفخ الأميركي، الذي يهدف إلى رد انفعالي وانسحاب إيراني من الاتفاق تعود إثره العقوبات الأممية إلى سابق عهدها. وهذا ما فشلت فيه واشنطن أخيراً في ملفي حظر التسلّح وإعادة العقوبات الدولية.
خرج ضجيج الحرب الأمنية الاستخبارية الصامتة إلى العلن مع اغتيال سليماني، ومن ثم تفجير نطنز، وأحداث أخرى في الداخل الإيراني لم يكشف عنها، كالهجمات السيبرانية ضد منشآت إيرانية (وهو أمر غير مستجد). الاغتيال، بطريقة التنفيذ والجرأة على المساس بالخطوط الحمر الإيرانية، قابلته طهران بالتأكيد أنها بدأت مرحلة الاستهداف المباشر لإخراج الولايات المتحدة من المنطقة. ولتثبيت النيات، كانت ضربة قاعدة عين الأسد، وتوعّد الحرس الثوري بأن الرد هو إخراج الأميركيين من المنطقة.
لا خلاف في طهران على أن الانتخابات الأميركية لن يكون لها أثر في نظرة العداء لواشنطن، ولن تكون شفيعة للمرشحَين ترامب وبايدن من الاقتصاص لدماء سليماني. لكن الرد المدروس، وبنفس طويل، ستكون له فاعلية كبرى. تدرك القيادة الإيرانية خطورة هذا الهدف وصعوبة تحقيقه، إلا أنها مصممة على تنفيذه. قبل أيام، وعلى لسان قائد «الحرس» اللواء حسين سلامي، أشارت المؤسسة العسكرية إلى أن إيران قادرة على احتلال القواعد الأميركية في المنطقة. يعدّ هذا التهديد الأقوى والأعنف ضد القوات الأميركية، إذ لم يشر إلى ضرب القواعد بالصواريخ بل تخطاه إلى مستوى العمل الميداني على الأرض (هذه القواعد غير موجودة على الأراضي الأميركية، ما يعني تهديداً للدول التي تحوي هذه القواعد). وبحسب الحرس الثوري، في أسوأ سيناريو للحرب الأميركية على إيران، ثمة خطط إيرانية تمّ التدرب عليها لضرب القواعد واحتلالها. وهو تصعيد كبير تلقفته الإدارة الأميركية ومن خلفها الكيان الصهيوني الذي يمنّي النفس بقواعد لوجستية في دول التطبيع قد تساعده على شن هجمات أو المشاركة في أي هجمات محتملة ضد إيران.
المناورات البحرية الإيرانية والتحليق، قبل أيام، على مسافة قريبة جداً فوق القطع البحرية وحاملات الطائرات الأميركية في مضيق هرمز، هما رسالة بجاهزية قتالية تدعم الموقف السياسي وترفع من قدرة المفاوض الإيراني لتخطّي عقبة الضغط الاقتصادي وعدم الرضوخ لأي شروط تحت النار. وهذا ما تثبّته طهران بموقفها رغم الحصار الخانق الذي تعاني منه.
إذاً لا حاجة إلى الضوضاء في هذه الأيام، فالصراع الآن يشبه مباراة مصارعة حرة من دون جمهور. طرفان يتصارعان وضربات متبادلة، لا الأميركي جاهز للدخول في سجال عسكري مع إيران يكبّده عودة توابيت لجنوده ستؤثّر في سير الانتخابات، ولا الإيراني في وارد إعطاء ورقة رابحة لترامب للاستفادة منها بعد الكم الهائل من الاستفزاز النووي الذي استطاعت طهران استيعابه على مدى السنوات الثلاث الماضية. الدليل على ذلك عدم تطرّق المرشد علي خامنئي إلى هذه المواضيع في خطابه الأخير، رغم أن المناسبة تحتّم الخوض في الملف الأميركي (ذكرى اندلاع الحرب مع العراق). إلا أن خامنئي آثر سرد أحداث الحرب لأخذ العبر منها.
التطورات في المنطقة تنذر باشتداد الصراع بصمت. الحرب الاقتصادية علنية. أمّا الحرب العسكرية فيلوّح بها الطرفان؛ طهران لا تريدها، لكنها تتوق إليها ولا تخشاها، كذلك واشنطن وخلفها تل أبيب تتوقان إليها، لكن لا تعرفان سيناريو نهايتها. لتتبقى الحرب الأمنية الاستخبارية، المعركة المخفية الطاحنة، التي قد يظهر بعض خفاياها قريباً.
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2020