إعادة شحن الأرواح المتعبة.. بقلم: أمينة خيري

أحياناً يكون «العادي» إنجازاً، والإبقاء على الروتين عبقرية، والحفاظ على المنطق معجزة. وأشهر الإغلاق والحظر التي تلت صدمة الوباء قلبت أحواله رأساً على عقب. وإذا كانت أنظار وآمال 7.8 مليارات شخص متجهة صوب المعامل البحثية والمراكز العلمية التي تعمل على الخروج بعلاج أو مصل لكورونا المستجد (كوفيد-19)، فإن القلوب والعقول والصحة النفسية والعقلية تتعلق بإيقاع الحياة. وكلما مضى الإيقاع بشكل أقرب ما يكون إلى الطبيعي ساعد ذلك في صحة الناس ودعم قدرتهم على العودة إلى الحياة الطبيعية «الجديدة».
ومن الآثار الجانبية الإيجابية العديدة للوباء رؤيتنا المغايرة للأخبار. وحين نتابع أخباراً في مصر مثلاً، حيث «مصر تقرر إزالة تعديات البناء والمخالفات»، «عقوبة جديدة للمتنمرين»، «وزارة السياحة تنظم حملات ترويجية لتنشيط السياحة الداخلية»، «افتتاح خمسة محاور و35 جسراً في يوم واحد»، «تشغيل قطارات جديدة مع افتتاح محطات الخط الثالث لمترو الأنفاق»، أو في الإمارات، حيث إطلاق «مسبار الأمل» الطموح الذي يدفع الإمارات إلى المريخ، «الإمارات الأولى في سبع مؤشرات عالمية للصحة»، «طيران الإمارات تستأنف سبع وجهات جديدة»، «المدارس جاهزة لدمج التعليم عن بعد مع التقليدي»، وغيرها كثير، يتسرب إلينا شعور غير مباشر بالطمأنينة.
الحد الأدنى من الطمأنينة مطلوب لإعادة شحن الأرواح المتعبة والأعصاب المنهكة. وحين تتسرب هذه الطمأنينة عبر عودة الأخبار التي تنبئ بحياة شبه عادية، أو حتى حياة عادية بمقاييس جديدة، فإن ذلك يبشر بتعظيم قدرتنا على المواجهة والتعايش، ومن ثم المزيد من القدرة على التعامل والابتكار اللذين يصبان في مصلحة الجميع.
الجميع يترقب ما سيسفر عنه الوباء، وهذا الترقب يتلون بألوان القلق الطبيعي بدرجاته. لكن القيادات الرشيدة تكون قادرة على أن تقود شعوبها نحو الطمأنينية، إن لم يكن بأخبار طيبة عن انقشاع الوباء (لأن هذا ليس في مقدورها)، أو بالوصول إلى علاج ومصل (لأن هذا قيد البحث)، فباتخاذ خطوات تضمن القدر المناسب من السلامة والحماية، بالإضافة إلى عدم التوقف عند ملف الوباء. فإذا كان الوباء قضاءً لا يمكن وقفه، فإن المضي قدماً في الحياة اختيار وإرادة لمن عقد العزم على الاستمرار فيها.
حين تقول شابة نابهة حديثة التخرج إن «كورونا دمر خططي المستقبلية»، وحين يخبرنا أستاذ الطب النفسي في جامعة كولومبيا البريطانية في كتابه الصادر قبل أيام «علم نفس الأوبئة» أن الملايين من الأجيال الصغيرة سيصبح لديها رهاب مرضيّ من الجراثيم، وسيعيشون حياتهم وهْم في محاولة مستمرة لتجنب لمس الأسطح خوفاً من أن تكون ملوثة، وأن الوباء الحالي سيؤدي حتماً إلى زيادة مضطردة للقلق والعنصرية والذعر وانتشار نظريات المؤامرة وحالات النهب والسرقة، وحين يعلمنا البنك الدولي أن الوباء سيفاقم من حجم الفقر، وسيؤجج من الآثار الاجتماعية والاقتصادية الوخيمة لدرجة الدفع بمليون شخص إضافي إلى خانة الفقر المدقع وتوقع أن تكون الآثار المحتملة طويلة الأمد، فإن كل ما سبق يجعلنا ننظر بإجلال وتقدير للقيادات السياسية الساعية على مدار الـ24 ساعة إلى استعادة الحياة الطبيعية بمعاييرها الجديدة.
وإذا كانت هذه الاستعادة متوقعة في الدول الغربية ذات الباع الطويل في الاستقرار والتنمية والتطور والعلم والابتكار، فإنها مفاجأة في هذا الجزء من عالمنا، حيث الاستقرار أداة يتلاعب بها الأشرار (وما أكثرهم) والتنمية ما تلبث أن تنهض وتسير حتى يعرقلها المعرقلون ويتربص بها المتربصون.
في منطقتنا التحديات كثيرة، والأخطار الطبيعية وتلك التي من صنع الإنسان عديدة، والأوضاع في زمن ما قبل كورونا لم تكن على خير ما يرام. لكن قدرة البعض، ليس فقط على التعايش، بل رفع شعار Business as usual أو العمل كالمعتاد، وتنفيذه على أرض الواقع يعني معنى واحداً لا ثاني له: نحن عازمون ليس فقط البقاء على قيد الحياة بل البقاء على قمة الحياة. والقمة هنا لا تعني بالضرورة حجم الأموال المنفقة أو مقدار الرفاه المحقق بقدر ما يعني القدرة على تحديد الأولويات بحسب وضع كل دولة واحتياجاتها وقدراتها، لا سيما في أوقات الأزمات والكوارث.
وإذا كانت الجامعة العربية دعت قبل أيام إلى إعادة ترتيب الأولويات وتعديل السياسات والبرامج للتعامل مع كورونا المستجد، فإن دولاً عربية عدة قامت بذلك بالفعل بعد أيام من التيقن بأن الكوكب خضع للوباء. وحتى تكتمل الصورة وتتعاظم النتيجة، فإن المطلوب هو التواصل الجيد والمستمر بين القيادات والشعوب في هذه الدول. الشرح المستمر لما يتم اتخاذه من قرارات، والإخبار المهني بما يجري من إنجازات، والتوعية بما يتم مواجهته من أخطار وتحديات جميعها يضمن أن يكون كل من الشعب والقيادة على موجة واحدة.
* كاتبة صحفية
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2020