سقوط النظام العالمي.. بقلم: عبد الله ريشا

بعد الحرب العالمية الثانية، عام 1945، كانت الولايات المتحدة الأميركية الدولة الوحيدة التي لم تتعرّض للقصف والدمار، خسرت 0.3% فقط من عدد سكانها مقابل 4% في اليابان و9% في ألمانيا و14% في روسيا، وكانت تملك 50% من الناتج الاقتصادي العالمي، وتتفرّد بامتلاك القنبلة النووية. ثم، مع انطلاق الحرب الباردة، وضعت الولايات المتحدة هدف تفكّك الشيوعية ضمن استراتيجية الاحتواء.
عام 1991، مع سقوط جدار برلين ومعه الاتحاد السوفياتي، انتقل العالم من الثنائية القطبية إلى عالم أحادي القطب، وكانت أصوات الدعوة إلى «ضبط النفس» تتعالى في الولايات المتحدة. ولكنّ غياب أي منافس حقيقي، جعل الإدارات الأميركية المتعاقبة، مع فوارق بسيطة في الأسلوب، تعتمد استراتيجية القضم المنظّم، بينما كان الهدف الأول المتوسّط المدى احتواء المنطقة الشيوعية سابقاً، من خلال «الناتو» والاتحاد الأوروبي. صبيحة 11 أيلول 2011، كانت لحظة التحوّل العالمية الثالثة، بعدها وضع «المحافظون الجدد» نصب أعينهم هدف تدمير القاعدة، وتغيير الأنظمة في أفغانستان والعراق، ومن ثم في إيران وسوريا، وصناعة شرق أوسط جديد. لم تتحقق هذه الأهداف، وتعثّرت خريطة الطريق المرسومة، لتظهر أول وثيقة أميركية بعد الحرب العالمية الثانية، تُقرّ بحاجة الولايات المتحدة إلى شراكة مع القوى الأخرى، أي نتحدث هنا عن تقرير «بايكر هاميلتون» (جايمس بايكرو لي هاميلتون)، الذي رسم إستراتيجية جديدة للولايات المتحدة تقرّ بالعجز من خلال التفرّد، («وحدنا لا نستطيع»، شعارٌ ورد في الوثيقة)، والحاجة إلى التعاون مع الآخرين.
أمّا إدارة دونالد ترامب، وبالرغم من نقضها لكلّ المواثيق والسياسات والاتفاقات السابقة، فلم تنجز الكثير في سياستها الخارجية تحت عنوان «أميركا أولاً»، وأتت النتائج لتؤكّد صوابية تقرير باكر هاميلتون، بالأخص بعد معاينة النتائج المحقّقة في ملف كوريا الشمالية وإيران وأفغانستان والشرق الأوسط، بشكل عام. كلّ ذلك أدّى إلى تراجع الهالة الأميركية في العالم، وقد أثبتت التجارب أنّ الأدوات الأميركية الجديدة، أي عدم الاعتراف بشرعية السلطات في الدول، والعقوبات على الأفراد والشركات والحكومات، ودعم المعارضين المحليين، والفوضى الخلّاقة، نادراً ما يمكن أن تغيّر بشكل حاسم، قرارات تتعلّق بمصالح الدول الحيوية. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى اندفاعة الجنرال دوغلاس ماك آرثر على الحدود الصينية، التي أدّت إلى توغّل صيني دموي رادع، أو إلى قيام الرئيس جورج بوش باستمالة جورجيا وأوكرانيا إلى «الناتو»، الأمر الذي أدى إلى تفكّك هذه الدول ووقوعها في حالات عدم استقرار أمني وسياسي، وصولاً إلى العقوبات على إيران، والنتائج العكسية في تسريع وتيرة تخصيبها لليورانيوم، وازدياد نفوذها في دول المنطقة.
ممّا لا شك فيه، أنّ عام 2020 سيشكّل لحظة تحوّل رابعة (بعد عام 1945 وعام 1991 وعام 2001 )، هي باعتراف المراقبين الخبراء، ومراكز الدراسات، سوف تصيب النظام العالمي وتُحدث تغييرات جذرية في نمط الحياة السياسية، وتحوّلات ترخي بظلالها على المنحى الجيوسياسي العالمي.
ولكن قبل مقاربة طبيعة المرحلة الجديدة، من المفيد دراسة توازن القوى بين الولايات المتحدة والصين، لارتباط ذلك بدور كلّ من الدولتين العظيمتين في مرحلة ما بعد «كورونا». عام 1950، كانت حصّة الولايات المتحدة من الناتج الإجمالي في العالم الثلث، لتُصبح عام 1991 تشكّل الربع، أمّا اليوم فهي 1/7. أمّا الصين، فكان الناتج المحلّي الإجمالي عندها، يشكّل 20% من ناتج الولايات المتحدة، ليصبح اليوم 120% مقارنة مع ناتج الولايات المتحدة (بحسب مقياس القدرة الشرائية، الذي تستخدمه وكالة الاستخبارات المركزية وصندوق النقد الدولي، لمقارنة الاقتصادات الوطنية). أمّا قدرة الصرف العسكرية الصينية، فقد ارتفعت، خلال 25 عاماً، من 1/25 من ميزانية الولايات المتحدة، إلى 1/3 اليوم، وهي مرشّحة لتصبح متساوية في السنوات المقبلة. وتنافس الصين الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا المتقدّمة، حيث من أصل أول 20 شركة عالمية توجد 9 شركات صينية، كما نلحظ أنّ الشركات الصينية في مجال المراقبة والتعرّف إلى الصوت والوجه، والتكنولوجيا المالية، أصبحت الأكثر تقدماً.
في قارة آسيا، يسجّل الميزان التجاري انحيازاً واضحاً لصالح الصين، التي أصبحت المصدر الأول والمستورد الثاني وأقوى شريك تجاري لآسيا الشرقية، ضمناً حلفاء الولايات المتحدة. كذلك، يدور بين القطبين صراع حول تصدير الـ5ج، وهو سباق على من يراقب ويتنصّت على الدول، بعد تعثّر الولايات المتحدة في إحكام طوقها على الصين، من خلال ثني الدول عن شراء الـ5ج الصيني، فبحسب مايكل هايدن (مدير وكالة الأمن القومي)، «إننا نعيش العصر الذهبي للرقابة الإلكترونية».
بالإضافة إلى العيّنات الرقمية المرتبطة بالأمن والاقتصاد والدفاع، يطلّ البعد المعنوي المتّصل بنموذج القيادة، فخلال الحقبات التاريخية، تميّزت الولايات المتحدة بقيادات تتمتّع برؤية وكاريزما في أوقات الأزمات الكبرى. وهنا يمكن الإشارة إلى جورج واشنطن خلال الثورة، إبراهام لنكولن خلال الحرب الأهلية، وفرانكلين روزفلت خلال الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية. أمّا اليوم، فمشكلة ترامب مزدوجة، ولا سيما أنه هو يتمتّع بطباع تدفع إلى التشتّت وليس الاتحاد في مواجهة الأزمة. وقد باتت نظرية «أميركا أولا» عبئاً على صاحبها، إذ تدفعه إلى التصرف بمفرده، في عالم بات بأمسّ الحاجة إلى التنسيق والتعاضد. في المقابل، تتنامى صورة القيادة الصينية، بعد تجاوزها لأزمة «كورونا»، من خلال الذكاء الاصطناعي والانضباط الاجتماعي وآليات التعاضد والتكاتف مع المجتمعات المصابة، ما شكّل خرقاً موصوفاً في مساحات نفوذ الولايات المتحدة، مع المساعدات الصينية في عدد كبير من هذه الدول... إنه النموذج البديل لمنظومة ثقافية وسياسية بدأت تتهاوى.
كتَب توسيديد، المؤرّخ اليوناني في القرن الخامس قبل الميلاد: «هذا الطاعون الذي دمّر أثينا خلال السنة الثانية من حرب بوليبونيز أثناء تفشي الشر، لا يدرك الناس مصيرهم فيتوقفون عن احترام القانون الإلهي والقانون الإنساني. عندها تولد الفوضى، ويظهر الطغاة، فالدكتاتوريون يتمدّدون بسبب الخوف والفوضى».
بحسب الكاتب الفرنسي جاك أتالي، أدّت الأوبئة الكبيرة في العالم إلى تغييرات أساسية في التنظيمات السياسية للأمم، وفي الثقافات التي تكمن وراء هذه الأنظمة. فطاعون القرن الرابع عشر الذي أودى بثلث سكّان أوروبا، أسقط قوّة الكنيسة المعنوية، وخلق مساحة جديدة، عنوانها الشرطة أو القوّة العسكرية والأمنية الكفيلة بحماية أرواح الناس. الصدمة ولّدت انتفاضة على الواقع الديني المُهيمن، لصالح فكرة الدولة الحديثة المرتكزة على الروحية العلمية. وقد تجسّد هذا الشعور في رفض سلطة الكنيسة العاجزة عن حماية المواطن، وأتى الشرطي ليحلّ مكان الكاهن، فكان الانتقال من السلطة المرتكزة على الإيمان إلى سلطة مرتكزة على احترام القوّة، ومن ثمّ احترام دولة القانون. فالصدمة غالباً ما تولّد انتفاضة، وإعادة نظر في فلسفة النظام العالمي القائم.
بمعنى آخر، ودائماً بحسب أتالي، فإن نظام السلطة المرتكز على حماية الحقوق الفردية، يمكن أن ينهار ومعه مفاهيم الأسواق والديمقراطية، وطُرُق تقاسم الموارد النادرة ضمن احترام حقوق الفرد. وفي حال فشل الأنظمة الغربية، سنكون أمام أنظمة استبدادية قائمة على الرقابة والمراقبة الشاملة من خلال التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة جديدة لتقاسم الموارد، وقد بدأنا نشهد ذلك. ومن المتوقّع، بحسب أتالي، أن لا يقوم النظام الجديد على القوّة أو الإيمان أو المال، فالسلطة السياسية ستكون مُلكاً للذين يعتمدون مبادئ التعاطف والتعاضد والصحة والضيافة والتغذية والتعليم والبيئة، طبعاً من خلال الاعتماد على الشبكات الكبيرة لإنتاج وتداول الطاقة والمعلومات.
أمّا الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي، فيجزم بأنّ «أوروبا ماستريتش» سقطت، لتدخُل في منظومة العالم الثالث، فكما كان العالم يعيش وهمَ الماركسية حتى عام 1991، كذلك كنّا نعيش وهمَ الحضارة الغربية، ليسقط معها النظام الليبرالي الذي يعتبر أن الاستثمار في الأبحاث العلمية والخدمات الطبية، ليس على سلّم الأولويات لأنه لا يعود بالأرباح على الدول والشركات.
«معهد الأمن القومي الإسرائيلي» في جامعة تل أبيب، توقّع ازدياداً في السياسات الانعزالية، واستغلال الوضع من قبل جهات متطرّفة، بينما سيؤثر النمو السلبي في الولايات المتحدة على العالم، وعلى حملة ترامب الانتخابية التي قد تتعرّض لضربة قاضية، وربما وصول ديمقراطي إلى السدّة الرئاسة، ما ستكون له انعكاسات كبيرة على مصالح إسرائيل. أمّا النموذج الصيني، فـ«سينال إعجاب الجماهير، وسنلحظ تفوّقاً اقتصادياً صينياً وتصدّعاً في الاتحاد الأوروبي، فيما ستتراجع فرص التصعيد وإمكانية اندلاع حروب في الشرق الأوسط».
ستيفن والت (أستاذ أميركي للشؤون الدولية في «كلية كينيدي للعلوم الحكومية» في جامعة «هارفرد»)، توقّع أن يشهد العالم تحوّلاً من الغرب إلى الشرق، مع انهيار الهالة الغربية وتصاعد مفهوم الدولة والوطنية، وأشار إلى أن العالم سيكون أقلّ انفتاحاً وازدهاراً وحرية.
روبين نيبليت (المدير التنفيذي لـ«تشاثام هاوس»)، يقول إن الوباء كان بمثابة القشّة التي قصمت ظهر بعير العولمة، بينما سبقت أزمة «كورونا» محاولات ثني الصين عن التحكّم بالتكنولوجيا. كذلك، يرى أنّ الحكومات ستعزّز قدراتها على العزلة.
كيشور محبوباني (وزير خارجية سابق، شغل منصب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ومندوب سنغافورة الدائم لدى الأمم المتحدة (1984-1989) (1998-2004))، يستشرف بأنّ الأزمة سوف تسرّع التغيير، من عولمة الولايات المتحدة إلى عولمة الصين.
كوري شاك (نائبة المدير العام للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، شغلت مناصب رفيعة في وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيّتين ومجلس الأمن القومي)، تتحدّث عن فقدان الولايات المتحدة لوظيفة قيادة العالم.
أخيراً، لن يكون لبنان بعيداً عن هذه التحوّلات، وسيشهد مخاضاً حتمياً، إذ إنه يقع على تقاطع حساس بين مساحات النفوذ العالمية الغربية والشرقية، إضافة إلى كونه يعتنق إلى أقصى الحدود النظام الليبرالي المتطرّف من حيث التوزيع غير العادل للثروات. فقد ظهرت، في الآونة الأخيرة، جداول شبه رسمية تشير إلى امتلاك 6% من المودعين لأكثر من ثلثي الودائع، بالإضافة إلى وضعٍ اقتصاديٍ دقيق وتعثُّر في نظامه السياسي. كلّها مؤشرات تدل على أننا مقبلون على تحوّلات مفصلية، في ظل انحسار متوقّع للنفوذ الأميركي، بفعل التعديلات التي ستطرق على سلم أولويات الإدارة الأميركية، والتوغّل الصيني المرتقب باتجاه الشرق الأوسط «الجديد».
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2021