مراكز تمكين ودعم الشباب.. هـــل تـبـعـــث الــروح فـي “الجسـد الشـبابي” المتعـب مـن آلام البطالة؟!

تأثير سنوات الحرب التسع كان واضحاً على الشباب السوري لجهة انكماش فرص العمل، وخاصة للخريجين في الجامعات، والأخطر كان هجرة الكفاءات والخبرات نتيجة عدم وجود ملاذ آمن يؤمن أو يوفر لها فرصة عمل!.
الحلول التي قدمتها الحكومات المتعاقبة لم تكن مثمرة، إذ غلب عليها الحل الإسعافي الذي فشل في إنعاش “الجسد الشبابي” الذي أنهكته حمى البطالة المتفشية منذ عقود نتيجة غياب الاستراتيجية الوطنية لتشغيل الشباب، فمن هم في العقد الرابع والخامس من العمر يتذكرون التجربة المريرة لمكاتب التشغيل التي دفنت في أدراجها مئات آلاف فرص العمل، ولم تكن تجربة هيئة مكافحة البطالة بأفضل حال، ولا حتى برنامج تشغيل الشباب الذي ولد من رحم الأزمة، لتبقى معاناة الشباب بالفوز بفرصة عمل قائمة وسط غياب الحلول بعد أن تفاقمت نسبة البطالة ووصلت لأرقام مخيفة!.
 
إقبال واسع ولكن؟!
وعلى مبدأ “الغريق يتعلق بقشة”، نشهد اليوم إقبالاً كبيراً من الشباب السوري على مراكز تمكين الشباب التي أطلقتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في عدة محافظات أواخر العام الماضي، بالتعاون والتنسيق مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتي تهدف، بحسب الوزارة، إلى تمكين الشباب السوري من دخول سوق العمل، وتعزيز روح الريادة والمبادرة لديه، وهو مشروع يهدف إلى زيادة وتحسين وصول الشباب إلى الفرص من خلال مراكز تمكين الشباب لتسهيل الوصول إلى أنواع مختلفة من خدمات التوظيف، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر: الإرشاد المهني، المساعدة في البحث عن الوظائف، مهارات قابلية التوظيف، المهارات الحياتية، التدريب المهني والمهاري، خدمات التعليم المستمر، ريادة الأعمال، التواصل مع أرباب العمل.
 
نريد فرصة حقيقية!
الشباب الذين التقيناهم أكدوا أهمية الدورات التي تقيمها مراكز التمكين، وضرورتها لتنمية المهارات وصقل الخبرات التي تسهل “نفاذ” الداخلين إلى سوق العمل، والقاسم المشترك فيما بينهم كان بقولهم: “العبرة في إيجاد فرص عمل لتطبيق المهارات”.
وبرأي لبانة، خريجة أدب فرنسي، فإن ما يقدم من برامج تدريبية يعوض الخريجين في الجامعة عن ضعف الجانب العملي المهمّش في الكثير من الجامعات، حيث يجد الشاب فرصة حقيقية لاكتساب المهارات من خلال توفر خدمات الإرشاد الوظيفي، والتدرب على ما يلائم التخصص المستقبلي.
ويرى حازم أن الوقت قد حان لربط التعليم الأكاديمي بالخبرات العملية، وهذا ما تعمل عليه المراكز، وسأل: هل سنجد فرص عمل حقيقية بعد التدرب؟ موضحاً أن الواقع صعب للخريجين والشباب بشكل عام في ظل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها الوطن، داعياً إلى ربط الأقوال بالأفعال.
ودعا محمد الجهات المعنية للعمل على تحقيق الدعم الكامل لنجاح تجربة مراكز دعم الشباب من أجل بناء جيل مؤهل وقادر على القيام بأعباء الدور الذي سيلقى على عاتقه في بناء سورية المستقبل.
وتأمل مريانا، طالبة الأدب الانكليزي، بأن تكون هناك برامج تدريبية لخريجي كليات الآداب لتأمين فرص عمل بعيداً عن الاستعراض الإعلامي للقطاع الخاص الذي يفقد المراكز الهدف الذي أحدثت من أجله.
 
يوجد اختلال .. هل من حل؟!
ما هو واقع سوق العمل في سورية حالياً؟ وهل يمكن اعتبار مراكز تمكين ودعم الشباب خطوة على طريق الحل لجهة التخفيف من نسب البطالة التي وصلت لأرقام مرعبة؟!.. سؤال طرحناه على السيد محمود الكوا مدير مرصد سوق العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الذي لم يخف وجود اختلال في السوق نتيجة ظروف الحرب التي عطلت المشاريع الاستثمارية بكافة المجالات، ما أدى إلى انكماش فرص العمل نتيجة لغياب البيئة المحفزة والجاذبة للعمل التي تأثرت بالعقوبات المفروضة على سورية، بالرغم من أن لدى سورية ميزات تنافسية بالاستثمار غير موجودة في بلدان أخرى، وبيّن الكوا أن مواجهة اختلال سوق العمل لا يمكن أن يتم بشكل عشوائي، وإنما بالاعتماد على الرقم الإحصائي الحقيقي للبناء عليه، مشيراً بهذا الصدد إلى إجراء مسح بالعينة عام 2018 بالتعاون مع المكتب المركزي للإحصاء الذي خرج بمؤشرات وأرقام ساعدت في توضيح الواقع الراهن لسوق العمل واحتياجاته في سورية.
 
العمل على محورين
وأكد الكوا أن الوزارة مدركة تماماً للتحديات التي تواجه الشباب السوري لجهة ما يتعلق بالعمل، لذلك عملت في عام 2017 على إطلاق مرصد سوق العمل الذي يعمل على محورين هامين: الأول يتعلق بالمؤشرات المرئية أو البارزة بسوق العمل من أجل دعم متخذي القرار برسم السياسات، واتخاذ الإجراءات لمعالجة نقاط الضعف، ودعم النقاط الإيجابية، ولفت الكوا إلى أن الوزارة تحضر حالياً لمسح عام 2021 الذي برأيه سيكون أكثر دقة وأكثر عمقاً في توصيف نقاط الضعف بسوق العمل، ومواءمة مؤشرات التدريب والتعليم مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
 
التدريب وبناء القدرات
أما المحور الثاني الذي تعمل عليه الوزارة فهو ما يتعلق بالتدريب وبناء القدرات، والربط بشكل أساسي مع فرص العمل المتاحة بالقطاع الخاص، ويضيف الكوا: بهذا الخصوص تم على سبيل التجربة إطلاق مركز “الإرشاد الوظيفي وريادة الأعمال”، وذلك في دمشق عام 2018، وكان الهدف منه الربط بين الباحثين عن فرص عمل مع أصحاب العمل بالقطاع الخاص، وعقد ملتقيات للتوظيف، وتوفير برامج التدريب وبناء القدرات، بالإضافة إلى دعم رواد الأعمال.
وبحسب الكوا، كانت تجربة المركز ناجحة، حيث وفر ما يزيد عن 6800 فرصة تدريب، مشيراً إلى تأمين ما يقارب 6000 فرصة عمل بالقطاع الخاص عن طريق ملتقيات التوظيف التي أقامتها الوزارة، والتي تختلف عن غيرها من الملتقيات بشيئين: يتجلى الأول بعدم السماح لأية شركة بالمشاركة في الملتقى إذا لم تكن لديها فرص عمل حقيقية، ويتجلى الثاني بوجود مندوبين من الوزارة ممثّلين لمراكز تمكين الشباب ومرصد سوق العمل، حيث يحضرون مقابلات العمل، ويقومون بتحديد الاحتياجات التدريبية.
 
الذين لا يستفيدون!
ورداً على سؤال بخصوص الشباب الذين لا يستفيدون من فرصة عمل، بيّن الكوا أن هؤلاء عندهم مشكلة في كتابة السيرة الذاتية، بمعنى لا يعرفون كيف يكتبونها، عدا عن وجود ضعف لديهم في تقديم مهارات العمل التي تتعلق بالتواصل والتوظيف، وغير ذلك، مشيراً إلى أن فريق العمل في المراكز يقف إلى جانب هؤلاء الشباب، حيث يقوم برصد نقاط الضعف كلها، ويضع برامج تدريبية لترميم هذه النقاط لأجل ربطهم مرة أخرى بسوق العمل، ويضيف: منذ انطلاق العمل بمرصد سوق العمل كان هناك سعي للعمل مع أبرز الشركاء في القطاع الخاص، وقد تم اختيار مجموعة شركات تحتاج لعدد كبير من العمال، وتم التواصل معها لتلبية احتياجاتها من العمال، وذلك بهدف تأمين فرص عمل لأكبر شريحة ممكنة، بالإضافة إلى تنفيذ برامج المسؤولية الاجتماعية المرتبطة بالتدريب وبناء القدرات، حيث يتم تنفيذ برامج تدريبية بمكان العمل، كما أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل برنامج أو خدمة دعم وتمكين الخريجين الجدد، وقد استفاد منها بحسب الكوا أكثر من 960 خريجاً.
وأوضح مدير مرصد سوق العمل أن نجاح تجربة مركز الإرشاد الوظيفي شجع على إقامة مراكز أخرى في عدة محافظات غير المركز الموجود في دمشق، حيث تم خلال العام الماضي إحداث مراكز في كل من: حلب، واللاذقية، وطرطوس، وحماة، والحسكة، ودير الزور، والسويداء.
 
برامج إطارية
ولفت الكوا في حديثه إلى البرامج الإطارية التي تستهدف كل قادم جديد لسوق العمل من خريجي الجامعات والمعاهد بغض النظر عن اختصاصاتهم، حيث تقدم لهم مهارات التوظيف بما يخص كتابة السيرة الذاتية، ومعرفة كيفية إجراء مقابلة العمل، ومهارات التواصل، ومهارات البحث عن فرص العمل المتاحة، وقال: نركّز على مكون الإرشاد الوظيفي الذي يحلل مهارات الشخص وتوجهاته وخبراته الأكاديمية والمهنية، ونربطه مع المسار التمكيني الأنسب له.
وبيّن الكوا أنه تمت إضافة مكون هام جداً يهتم بالتمكين المهني، وهو موجّه للشباب الذين لم يحالفهم الحظ بإكمال تعليمهم، لذا تمت إقامة برامج تدريبية في قطاع التشييد والبناء بهدف تخريج عمال مهنيين، ودورات في صيانة الأدوات الكهربائية والمنزلية، والحاسوب، والهاتف، وغيرها.
 
خلال هذا العام
وأشار الكوا إلى ملتقى التوظيف الذي أقيم في الشهر الأول من هذا العام بدمشق، والذي شاركت فيه /25/ شركة قدمت بحدود /250/ فرصة عمل، وسيقام الملتقى نفسه في شهر حزيران القادم في كل من حماة وحلب، مع التخطيط لإقامته في محافظة اللاذقية.
بالمختصر، تشكّل مراكز تمكين ودعم الشباب فرصة جيدة لتدريب الشباب ليكونوا أكثر تنافسية، وبذلك يتم تسهيل نفاذهم لسوق العمل الذي لم يعد يرضى بأية شهادة، ويبقى الأمل بأن تكون قضايا الشباب أولوية في أجندة عمل الحكومة من خلال توفير فرص العمل باختصاصاتهم الجامعية ضمن بيئة مناسبة للعمل تمكنهم من الإبداع وإلا وقعوا في شباك مغريات الهجرة للخارج!.
غسان فطوم-البعث

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2021