مسرحية ماكرون السخيفة... ودفاعه عن الصهيونية.. بقلم: ريمون أنطوان عبيد

قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأسبوع الماضي في القدس الشرقية، بمشهد مسرحي هزيل، يذكّر بالرئيس السابق جاك شيراك عام 1996، عندما أخبر بغضب ضباط الأمن بمغادرة كنيسة القديسة حنة، التي تخضع للسيطرة الفرنسية قائلاً: «الكل يعرف القواعد. أنا لا أحبّ ما فعلتَه أمامي، اخرج من هناك، اخرج!».
ماكرون يرفض أن تنتهك قوات الأمن الإسرائيلي حرمة المكان، لكنّه يغضّ الطرف عندما يتعلّق الأمر بانتهاكات إسرائيل لحقوق الشعب الفلسطيني، منذ اثنين وسبعين عاماً. الرئيس الفرنسي حضر من أجل الاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتحرير السوفيات مخيم أوشفتز في بولونيا، حيث قتلت الحكومة الألمانية أكثر من مليون إنسان، تسعون في المئة منهم هم من اليهود الأوروبيين الذين قضوا أضاحي على مذبح عنصرية النازيين والحكومات المتواطئة معهم.
تستغلّ إسرائيل هذه المناسبة، ليس لتعزيز احترام حقوق الإنسان، ولكن كفرصة لمواصلة جرائمها، كالتحريض على محكمة العدل الدولية التي تعتبرها مصدر إزعاج وعقبة أمام حريتها في ارتكاب الفظائع ضد الشعب الفلسطيني، أو في إقناع قادة العالم بدعم جريمة تقطيع أوصال الضفة الغربية وضم أجزاء كبيرة منها.
لم تتمكن الميليشيات الصهيونية من إقامة دولة إسرائيل عام 1948، إلا من خلال المجازر وأعمال النهب ومصادرة الأراضي، وطرد 750 ألف فلسطيني وتحويلهم إلى لاجئين، وهدم أكثر من 500 قرية، وتحويل بعض المدن العربية إلى يهودية، وطرد البدو من صحراء النقب، وتدمير الهوية الفلسطينية، وتبديل أسماء القرى والمدن والأحياء العربية بأسماء عبرية...
أما ماكرون، فقد استخدم زيارته لدعم سياسات إسرائيل العنصرية ضد الفلسطينيين، مؤكداً خلالها أن «معاداة الصهيونية لا تختلف عن معاداة السامية». وهو كان قد طلب من حزبه، قبل فترة، تقديم مشروع قانون عنصري بامتياز، يدين كلّ من يتعرّض للصهيونية، وصوّت عليه 154 من أصل 577 نائباً فرنسياً، عِلماً بأن 550 كانوا حاضرين، انسحب منهم 396 نائباً ساعتين، قبل بدء التصويت، فيما معظمهم غير مؤيّد للمشروع، وقلّة مؤيدة فضّلت الانسحاب لكسب أصوات الناخبين المسلمين.
معاداة السامية، هي إظهار الكراهية ضد اليهود فقط لمجرد أنهم يهود، وهذا أمر شنيع ومدان بشدة، فاليهود شعب استثنائي ساهم عبر العصور وبشكل ملحوظ في تطوير الحضارة الإنسانيّة وفي بناء النهضة العلمية والفكرية العالمية. أما معاداة الصهيونية، فهي معارضة إيديولوجية دولة إسرائيل العنصرية والعدائية تجاه الفلسطينيين والشعوب العربية، وهي التعبير عن رأي سياسي مناهض لفكر تيودور هرتزل، وبالتالي لا علاقة لها بتحفيز الكراهية ضد اليهود. لقد أوضح الفلسطينيون من جميع الأطياف السياسية، مراراً وتكراراً، أنهم ليس لديهم مشكلة مع اليهود، ولكن مع إسرائيل وسياساتها العنصرية العنيفة التي تتعارض مع احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان والمساواة بين الشعوب. بالإضافة إلى ذلك، هنالك الكثير من اليهود العلمانيين الذين يدينون الصهيونية لأسباب سياسية، ومن الحريديم المتديّنين الذين لا يؤيدون الصهيونية لأسباب لاهوتية.
تسعى الصهيونية، بشتى الوسائل، إلى الحفاظ على أغلبية يهودية، عبر تشجيع يهود العالم وتقديم المساعدات لهم، للقدوم والعيش في إسرائيل في مستوطنات غير شرعية تمّ إنشاؤها على أراضٍ اغتُصبت من مالكيها الأصليين. وبما أنّ هذا غير كافٍ لتغليب اليهود على الشعب الفلسطيني، تقوم الحكومات الإسرائيلية بمصادرة المزيد من الأراضي والاعتقال والطرد وهدم المنازل وقلع الأشجار، لإدخال اليأس إلى نفوس الفلسطينيين ودفعهم إلى الهجرة. والأهم من ذلك كله، هم يمارسون سياسة التطهير العرقي، من خلال منع عودة اللاجئين الفلسطينيين القابعين في مخيّمات الذل والفقر في لبنان وسوريا والأردن، وذلك في انتهاك صارخ للقانون الدولي وبذريعة أنهم ليسوا من اليهود.
إن معارضة الصهيونية، هي بالتالي موقف معادٍ للعنصرية. والآن، بإعلان ماكرون أن معاداة الصهيونية مطابقة لمعاداة السامية، وبتشريعه قانوناً في مجلس النواب الفرنسي في هذا الإطار، يُصبح كل مواطن فرنسي مقيّداً في حرية التعبير ومعرّضاً للملاحقة القانونية، وللإدانة بالعنصرية، بمجرّد انتقاده العنصرية الإسرائيلية. أين شعارات الثورة الفرنسية من قوانين كهذه؟
أن تصدر هذه المواقف المتشدّدة عن ماكرون أمر متوقع، كونه صنيعة الصهيونية التي درّبته وصقلت مواهبه في مصارف روتشايلد، ثمّ دعمته وأوصلته إلى الرئاسة الأولى في سرعة غير مسبوقة. أما المؤسف في هذا الموضوع، فهو أنّ الحكومات والمسؤولين العرب لا يهتمّون، حتّى أنهم لا يبادرون إلى استدعاء السفراء وتقديم مذكرة احتجاج، علماً بأن مفاعيل هذا القانون العنصري ستطال شرائح كبيرة من المجتمع الفرنسي، وعلى الأخص الفرنسيين من أصول عربية.
*أستاذ جامعي
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2020