حسابات إيرانية ملحة.. بقلم: عبد المنعم علي عيسى

يؤرخ يوم الثالث من أيار الماضي لبدء حالة الكباش الأميركية الإيرانية الراهنة التي يمكن القول اليوم أنها وصلت ذروتها، والراجح أنها دخلت مرحلة الانحدار إتماماً لرسم خط بياني منتظم يتعادل فيه زمن حركة الصعود مع نظيرتها الهابطة والذي كانت مؤشراته ظاهرة منذ البداية في طبيعة حركته التي سيتخذها تبعاً للعديد من المعطيات.
من المؤكد الآن أن قمم مكة الثلاث أواخر أيار الماضي كانت هي التي مثلت ذروة الصعود في ذلك الخط، وهي بالتأكيد كانت محاولة سعودية أرادت الرياض من خلالها إرسال رسالة للأميركيين مفادها أن عدواناً محتملاً على إيران هو عمل يحظى بغطاء عربي وخليجي وإسلامي، أما الصورة النهائية فقد جاءت بعيدة عن الخطوط الأولى التي أريد من خلالها رسم معالمها، ليتأكد سريعاً أن الأذن الأميركية لم تكن تصغي أو هي تصيخ السمع للبيانات التي خرجت عن تلك القمم، وإنما كانت «مشنفة» في اتجاه ما تأتي به قنوات الاتصال العمانية والسويسرية ثم اليابانية وآخرها زيارة وزير الخارجية الألماني إلى طهران يوم الإثنين الماضي والتي مهما قيل فيها فإن من المؤكد أنها لم تكن تخرج عن السياقات الوساطية السابقة وإن كان من الراجح أنها كانت تحمل أيضاً تأكيداً أوروبيا لطهران بأهمية التمسك باتفاق فيينا وفق طبعته المعلنة.
تنقسم الإدارة الأميركية اليوم بين تيارين في تعاطيها مع إيران أولهما بزعامة مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون وهو داع بقوة إلى الدفع نحو الحرب لكنه لا يمثل الكفة الراجحة بل ومواقعه مهددة بعزل رأس الهرم فيه تبعا لاحتياجات ترامب الانتخابية وتطوراتها، في مواجهة تيار يتزعمه وزير الخارجية مايك بومبيو، ويؤيده الرئيس دونالد ترامب شخصياً، وهو يفضل استخدام جنرال من نوع آخر هو الدولار لخوض تلك الحرب على أن تكون مظاهر التحشيد العسكري داعمة له لزوم إيصال الأعصاب الإيرانية إلى مرحلة الاهتزاز الكفيلة بخلق ثغرات تبدو لازمة للولوج نحو مناخات مغايرة.
ما تريده واشنطن أمران اثنان ليس من بينهما توافق جديد حول البرنامج النووي الإيراني فمن المؤكد أن ضوابط اتفاق فيينا 2015 لا تزال كافيه لتهدئة مخاوف واشنطن والأوروبيين معاً، أولهما توافق حول برنامج الصواريخ البالستية الإيراني والتركيز عليه يهدف بالدرجة الأولى إلى جذب الأوروبيين المتوجسين منه إلى تراصف جديد تجاه طهران على الرغم من أن موقف هؤلاء كان أقرب إلى واشنطن في الأزمة الراهنة لكن الأخيرة لا تراه كافياً لجر طهران بما يكفي إلى الملعب الأميركي، وثانيهما وهو الأهم توافق حول الدور الإقليمي الإيراني بما فيه رسم حدوده وخطوطه الخضر والصفر والحمر.
مع دخول الأزمة أسبوعها السابع يمكن القول إن الديبلوماسية الإيرانية استطاعت أن تثبت قدرة فائقة في لحظ المشهد الذي يدور خلف الهضبة، ومن الواضح أنها كانت معنية بأدق التفاصيل في تلاقياته وافتراقاته، كما واستطاعت أن تري الخصوم والحلفاء فولاذية في الأعصاب نادرة ولربما كانت هذي لوحدها هي نصف المعركة إن لم تكن نصف كسبها، إلا أن حالة «الستاتيكو» هذه لا مصلحة لإيران فيها وسيكون أمراً له تداعياته الخطرة إذا ما طال أمدها، وإذا ما كان متفقاً عليه وفق كل المواقف الصادرة عن كل الأطراف أن الحرب لا تمثل مصلحة لأحد وبعبارة أخرى ما من أحد ساع إليها، فإن البديل لها بالتأكيد هو التفاوض، صحيح أن لدى طهران الكثير من الريبة المشروعة تجاه النوايا الأميركية مما تبرزه شروط بومبيو الـ12 الشهيرة، وكذا يمكن لها القول إن من الصعب القبول بالتفاوض في ظل هذا التحشيد العسكري غير المسبوق في مياه الخليج، إلا أن الصحيح أيضاً هو أن سبل السياسة يجب ألا تصل إلى إعلان أن الخيارات المتاحة باتت كلها في «رصيد» أبوابه مغلقة، والتصلب إذا ما كان نابعاً من حالة احتياج وطنية تأخذ بحسابات لا يدركها الخطأ الداخل واحتمالات ما يمكن أن يشهده في ظل هجمة خارجية شرسة سيكون أمراً مبرراً، إلا أن أخطر ما فيه أن يكون نتاجا لتوازنات أجنحة في السلطة ورجحان البعض على بعضها الآخر.

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2019