الأخبار |
الصحة: تسجيل 19 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 3 حالات  العقوبات الاقتصادية نعمة وليست نقمة..وفي تجارب الآخرين ما يؤكّد ..؟؟  روسيا تبدأ بتصدير الأدوية لعلاج كورونا  محاولات الصهاينة الحثيثة للاستيلاء على مياه النيل  تستمر حتى الأحد… كتلة هوائية حارة تؤثر على البلاد وتحذير من التعرض المباشر لأشعة الشمس  أسعار قطع غيار السيارات تحلق.. الإطارات بـ280 ألف ليرة والبطارية بـ150 ألف!  الرئيس الأسد يترأس اجتماعاً للقيادة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي.. تجربة الاستئناس الحزبي نجحت في خلق حراك وحوارات على المستوى الوطني العام⁩⁩  إطلاق نار في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وأنباء عن 4 جرحى!  ليبيا... طيران مجهول ينفذ غارات جوية قرب قاعدة الوطية العسكرية غربي البلاد  كيف تفكر كصحافي؟.. بقلم: عائشة سلطان  تركيا.. حصيلة إصابات كورونا تتجاوز الـ 200 ألف حالة  الصحة: تسجيل 14 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 5 حالات  ما الذي تريده أميركا من المنطقة والعالم؟.. بقلم: محمـد ح. الحاج  أرقام مخيفة… كيف تبدو الحرب بين أمريكا والصين  إيطاليا.. 21 حالة وفاة بكورونا خلال الـ 24 ساعة الماضية  رفع أسعار مواد «الذكية» بناءً على طلب «السورية للتجارة» وتغير سعر الصرف الرسمي  أوروبا تفتح حدودها: غير مرغوب بالأميركيين!  روان عليان: لكل صوت بصمة.. ولكل أذن هوى وذوق في المغنى  بوتين وروحاني: سنواصل دعم سورية في حربها على الإرهاب حتى دحره نهائياً     

افتتاحية الأزمنة

2020-05-10 09:25:38  |  الأرشيف

الديمقراطية الإسلامية

شهدت على مدار عقود من الزمن انهيارات هائلة وخاصة الأخيرة منها، وفي اعتقادي أوصلتها إلى الحضيض، بعد أن كانت رائجة ومطلوبة عربياً وإسلامياً وعالمياً نتاج توافقها مع السياسات الإنسانية والاجتماعية والعالمية ورضى حذر إلى حد ما بين قيادات العالمين العربي والإسلامي، التحول الخطير الذي حدث وأخذ ينخر في بنيانها بدأ مع حادثة انهيار البرجين في نيويورك 11/9/2001، الذي اعتبر نقطة تحول آخذة بالتصاعد باتجاه تدمير هذا الأنموذج الإسلامي الذي كان مقنعاً لسواد المسلمين في العالم، نظراً لما نالوه من حريات في بلدانهم بأصقاع الأرض من خلال حرية التعبد وبناء المساجد والمدارس الشرعية وإنشاء الأحزاب الإسلامية والتنقل بالجنسيات المحلية والمكتسبة.
 ما الذي حدث مع دخول العالم للألفية الثالثة؟ وكما ذكرت مع نقطة التحول بدأت تظهر حكومات الخوف ذات الصيغ البيروقراطية في دول اقليم الشرق الأوسط ترعاها مجموعة الخمس الكبرى وعلى رأسها الولايات الأمريكية الراعي الرئيس لهذه الحكومات، وفيها تم التخطيط المشيطن لوأد عنواننا، والسبب إسهامه في تطوير البنى التحتية لمنظومة الدول العربية والإسلامية، وعلى عكس ما أريد من خلقهم وتكوينهم، فقد ظهر ذلك على البنى الفوقية، ليشهد العالم الإسلامي وحتى العالمي انقساماً تدريجياً بين هذه الدول، ومن ثم تحويلها إلى العدائية فيما بينها أولاً، وثانياً مع أغلبية دول العالم، وتحقيق هذا جلياً مع بداية 2010، وتدحرج مشروع أطلق عليه الربيع العربي، لنشهد اصطفافات علنية؛ قطر مع تركيا، السعودية مع مصر، إيران مع سورية، ويتصاعد الحدث.
في العقود الخمسة الأخيرة أي بين سبعينيات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، تم نشر فكرة بين المتشددين الإسلاميين، بل عملوا على غرزها في عقول المسلمين، بدءاً من إنشاء القاعدة تحت مسمى محاربة الكفار الشيوعيين في أفغانستان، وصولاً إلى دولة الإسلام في العراق وسورية والعديد في إفريقيا وآسيا، وهيئ لها أفراد من بن لادن إلى البغدادي إلى أبو سياف إلى بوكو حرام، وكل هؤلاء للأسف تم بناؤهم بين أمريكا والسعودية وبريطانيا وتركيا وقطر، وزرع في عقول الجميع أن هناك كفاراً في سورية وليبيا واليمن وكثير من أصقاع العالم، وأن عليهم قتالهم في إعادة الأنموذج الإسلامي الأول، أي الخلافة لأمير المسلمين والإمارات الإسلامية، شجعهم على ذلك عالم الشمال الذي يضم الأوروبي والأمريكي، ومؤكد أن الذين يعيشون في مجتمع يمتلك حضارة لا يجدون مناصاً من أن يتنفسوا في أجواء التطور ضمن مناخ طبيعي، أي الاستقرار، فإذا كان هذا الجو نقياً وصحياً فإن وجودهم فيه سوف يؤدي إلى نمو الأفكار الخلاقة باستمرار، وبالتالي يساعد على إحداث الاستقرار النفسي، ومادامت الأجواء العربية برمتها غير صحية وهي لا تساعد على تحقيق الارتقاء والتطور الفكري لدى سواد المجتمعات فمن الطبيعي أن تكون ولادات الشذوذ الديني والسياسي المبرمجة التي أدت إلى إحداث الصراعات والنزاعات والحروب السافرة في بعض الأماكن والأزمنة، وفي بعضها الآخر نجدها وجهاً لوجه فيما يشبه الهدنة المسلحة المنتظرة للإشارة، وفي بعضها الآخر تتظاهر بالتعاون الظاهري الخبيث في جوهره.
بدأ انهيار الديمقراطية الإسلامية عندما أساء المسلمون فهم رؤية عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين في طلبه لعامله على سمرقند بالانسحاب منها، معتبرين ذلك خيانة للأمة الإسلامية، ولولا ذلك لكان المسلمون سادة العالم، وللأسف إن أكثر المسلمين لم يدركوا فهمه للسياسة العالمية الدقيقة المحدثة للتوازنات بين الأمم، هذه السياسة التي وجدت مع وجود البشرية، ولولاها لكانت في خبر كان، والتي أدركها قبله النبي العربي محمد عليه السلام بعلميته الفائقة الحكمة، واستيعابه لمقتضيات الشعوب والأمم والأديان، وسياسته الحكيمة وديمقراطيته الرشيدة التي تجلت في تحوله من قبلة المسلمين الأولى الأقصى في القدس إلى مكة، ولولا هذه الحكمة لما كان هناك أديان، ولكان الصراع والاضطراب بين الأمم مستمراً بشكل لا يتخيله إنسان، وعزز له ذلك المقدس القرآني الذي خاطبه: فلنولينك قبلة ترضاها، وفهم أيضاً سادة قريش في مكة والنبي من أبنائهم حكمته وسياسته البعيدة المدى المتعلقة بعمق تلك السياسة العالمية، فقدموها له على طبق من ذهب، ومن دون أي قتال، مجسدين بذلك أهم فعل ديمقراطي، متنازلين عن الفكر الوثني لمصلح القادم الجديد الفكر الإسلامي، وكذلك خسارة المسلمين في جبال البرانس بين فرنسا وإسبانيا، وعدم فهم وتحليل ما جرى، مذ ذاك الوقت والمتشددون مازالوا يقولون: " لو" انتصرنا لدانت أوروبا لنا.
للأسف لم يستطع مريدو الإسلام التخلص من فكرة أسلمة العالم، ولم تقدهم سماحة الدين للوصول إلى الاستقلال الفكري، والسبب الانفصال المديد بينهم وبين عناصر التكامل مع البشرية، وعدم إدراك ما يعوز الحياة خاصتهم، وهذا لا يقدر عليه إلا حينما تنزع العصبية عنهم، والواقع لا يفيد الندرة، التي استطاعت التخلص من تلك الحالة العصبية رغم ذهابها إلى إحداث الانخراط العالمي في عملية التكامل، والسؤال الذي يفرض حضوره: ماذا حقق العرب المسلمون بعد قرن من الحداثة والتطور؟ سمة هذا القرن الذي امتلأ بالتغير والتطور في الأفكار والمعتقدات والعلاقات والبحث في ماهية روح الأديان، أليس هذا القرن الذي امتلأ بالتغيير من العصبية الدينية والاتجاه للتحرر السياسي الذي لا يتم إلا بارتكاز على أسس الديمقراطية، ليهبوا بعدها لإنجاز التحرر الديني المنطقي، وهنا ومهم أن نتوقف عند فكرة أن من يردْ قطع السبل وحده والذهاب بعيداً بمفرده فمؤكد أن يصاب بالجنون أينما وكيفما كان في الاتجاه، هذا أو ذاك، هنا أجد أن الاتجاه للبحث في مفهومي الجهل والمعرفة وتعميق البحث فيهما وطرحهما على الأجيال أهم بكثير من الاستمرار بالتعلق بمفهومي الخير والشر، لأن الإيمان بأن لدى الإنسان من القوى والقدرات الكم الكبير، ولو أنه وجّه وتمت تنمية أفكاره إيجابياً لأخذت به مباشرة لتقدير بأن هذا صح وذاك خطأ.
لم يستوعب العرب المسلمون مفهوم الديمقراطية الروحية التي دعت لتقبل الخبرة الإنسانية على أنها خبرة مشتركة بين الناس كافة، غايتها معالجة المشكلات بحكم تصويره أي الله على أنه السياسي الأول، وتجلى ذلك في جدليته مع إبليس وإبقائه إلى يوم يبعثون، واعتبروه الاقتصادي الأول، فهو الذي يكافئ ويعطي ويسلب، والأمني الأول بتهديده ووعيده وأجهزته المنتشرة مثل الرقيب والعتيد والتنصت باستراق السمع، والإنصاف وتحقيق العدالة، والاجتماعي الرئيس الحليم الخبير البصير الودود السميع، لذلك تجد أن مشاكلهم مشتركة، وبقيت نظرتهم في الانتظار المنحصر بفكرة أن الله وحده القادر على حل مشكلاتهم، وعكسوا كل ذلك على قادتهم من دون مساعدتهم، وهنا توقف العقل عن الشعور بالمسؤولية عن الواجبات التي يجب أن يؤدوها، وعزز ذلك فكرة الآخرة أو الأخروية، أو الحياة أو الحياة الثانوية التي تحمل العدالة والسعادة، وكل ما حرم منه الإنسان في حياته المادية، وهذه أيضاً مشتركات بين الأديان، وإن كان كل دين أوجد لها تفسيراً يخصه، إلا أن تطور الديمقراطية لدى الأديان الأخرى فاق بكثير تطور العقل الإسلامي، الذي وبسبب عدم إدراك الحكومات لهذه المنظومة بقصد أو من دونه أدى إلى ظهور التطرف والعصبية والعنصرية، هذه التي أيضاً وجدت في الديانات الأخرى، ولكن بشكل فردي أو ضئيل.
لا ديمقراطية في الاديان كافة إلا إذا أعلت من شأن التسامح، وذهبت لفرد منظومة إنسانية الحياة وأنسنتها، وبشكل خاص لدى الديانة الإسلامية، التي شاب مريديها الاتهام الواضح من كامل شعوب الأرض، كيف بنا نصلح ذلك؟ هنا أدعوكم لفهم جوهر الدين لا لمحاربته، ولفهم ماهية الله، لا للاختلاف عليه وللتفكير في أسباب الحياة لا للانقضاض عليها.

 د. نبيل طعمة
 

عدد القراءات : 262564



هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245527
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020