الأخبار |
الدول الموبوءة تضيق بموتاها: ماذا نفعل بالجثث؟  دفاعاتنا الجوية تتصدى لعدوان إسرائيلي من فوق الأجواء اللبنانية وتسقط عدداً من الصواريخ قبل وصولها لأهدافها  العراق.. المقاومة متأهّبة... والاحتلال ينشر «باتريوت»  إصابات جديدة في تركيا والمغرب... والسعودية تدعو إلى التريث في «عقود الحج»  الكويت... إطلاق سراح 300 سجين لتخفيف الأعداد في السجون مع استمرار تفشي كورونا  الكباش الروسي ــــ السعودي مستمر: حرب النفط الفعليّة انطلقت للتوّ  طائرات العدو تغير من لبنان: الدفاع الجوي يتصدّى لاستهداف شرق حمص  اليمن.. الاقتصاد بعد خمس سنوات حرب: الخسائر تقارب 100 مليار دولار  لماذا الأمريكيون من بين أكثر سكان العالم عرضة لخطر الإصابة بكورونا؟  الصحة الإماراتية: 53 إصابة جديدة بكورونا والإجمالي 664  ألمانيا.. القبض على تونسي هاجم المارة بساطور في أوغسبورغ  ترامب أمام شرّين.. و2025 لن يمرّ على أميركا  البنك الدولي يرجح هبوط معدل النمو الاقتصادي في الصين وزيادة الفقر في العالم بسبب كورونا  قصف صنعاء العبثي: «الردع» السعودي يفقد صلاحيته  تقارير أمريكية: بن سلمان يقحم السعودية في حروب خاسرة  الداخلية: تمديد إيقاف خدمات الشؤون المدنية والسجل العدلي والهجرة والجوازات والمرور حتى الـ 16 من نيسان  وفاة أول جندي أمريكي بفيروس كورونا  أعراض كورونا تظهر على أكثر من 400 شخص بعد تجمع إسلامي في الهند  كسر السلسلة...؟!.. بقلم: سامر يحيى  “السورية للتجارة”.. الإجراءات الاحترازية تصطدم باضطراب الأسعار وازدياد الطلب على السلع!!     

افتتاحية الأزمنة

2020-03-10 21:54:55  |  الأرشيف

البحث عن عمل

الوطن السورية

مشكلة عالمية آخذة في التفاقم، وخاصة ضمن منظومة عالم الجنوب، تتحرك من الأسر، وترخي بظلالها على المجتمعات، وتقع فيها الحكومات والدول، والسبب زيادة الشراهة الاقتصادية على حساب تآكل النظام السياسي العالمي، الذي أوجد أسوأ العلاقات بين الشعوب وحكوماتها، والحال ينسحب لنراه بين الدول، ومن يهيمن على من، ناهيكم عن المشهد الأمني الدولي، الذي يظهر الآن في أسوأ حالاته، والكل يقف أمام من يصارع، حيث هواجس هذه المشكلة صنّفت المجتمعات بين الوظيفي والضريبي القانوني والتعسفي المربك، وبين المنتج الحر كما في الرأسمالية، والمنتج المقيد كما في الصين وروسيا وعالم الجنوب.

أيضاً دُرست نسب نجاحه بين الضعيف والوسط والجيد، والأكثر من ذلك، وبين هذا وذاك نشأت هوات فاضحة بين عالم الجنوب وعوالم الشمال، هذه التي فعّلت الأحلام والهجرات رغم كل المخاطر وبين عوالم الشمال ذاتها، والأسباب أكثر من معروفة، الرفاهية المفرطة والسعي لابتلاع عالم الجنوب وخداعه بصرياً، وتبيّن الصورة جيوشاً قادمة إلى الحياة نتاج التكاثر الهائل في عالم الجنوب وعدم القدرة على ضبطه على الرغم من الدعوات الصريحة والواضحة والقانونية لتحديد النسل وضبطه، لكن من دون متابعة، لتشكل جيوشاً لاهثة على التتابع، تبحث عن العمل في الخاص والعام، وكلٌّ لديه طموح بتعب أو من دونه، بهدف أو بأمل الوصول إليه، حتى وإن كان بالحد الأدنى، والكل يريد أن يُعلّم أولاده، ويسعى لإيصالهم إلى المدارس، والجامعات انتشرت بكثافة، وتخرّج من جميع التخصصات، ملايين وأكثر يحملون الشهادات العليا والمتوسطة من دون توجيه، تعلمهم العلم النظري فقط، ترميهم في مجاهل الحياة بين أسرهم ومجتمعاتهم وتحت رحمة حكوماتهم.

إلى أين رحلة البحث عن عمل؟ ومسؤولية من تفريخ كل هذه الجيوش إلى الحياة بكل تناقضاتها؟ السياسات غير الممنهجة في عمليات الاستيعاب، وكم الأزمات المتلاحقة يتقدم كل شيء، فالسياسة مهنة، والصحافة مهنة، والتجارة مهنة، والبغاء مهنة وهي الأقدم في التاريخ، وكذلك الصناعة والتخصصات الجامعية يجب أن تكون مهناً، ولذلك حمل أفراد المجتمعات العالمية والمحلية أسماء وألقاب مهنهم، ومازلنا حتى اللحظة نشهد ذلك، فالخباز والفحام والنعال والحداد والنجار واللحام والبغجاتي والنويلاتي والدهان والعسال والجبان والصيرفي والكتبي والكاتب والسمان والحلاق والخضري والنحاس والجوهرجي والصايغ والخوري والشيخ، وصولاً إلى آلاف المهن، حملها الإنسان، وتحولت إلى كنية عائلية نراها في بلادنا وأوروبا وأمريكا وآسيا، وحتى في مجاهل إفريقيا، وهناك من تمسك بها، وهي مستمرة حتى اللحظة، ومنهم من يبقى لديه غير اسمها، لأن الماضي اعتبر التخصص في المهنة مقدساً، والأقدس الاستمرار بها.

في يومنا الحاضر وأمام التعليم وانتشاره والتكنولوجيا ووسائلها تنمّر الأبناء، حيث رفض الكثير منهم هذه المهن، مستسهلين الجهد، ذاهبين إلى الوظيفة، ليفقد العالم الثالث - ونحن منهم- الكثير من هذه المهن، وبشكل خاص في بلادنا العربية.

أما في الغرب فمازالت المهنة مقدسة، والاستمرار فيها أقدس، ولنأخذ مثلاً عائلة مرسيدس وفورد وبورش وبوش وسيمنس وفيليبس وبيرللي وبيجو وتيفال وديور وكافالي وداو جونز وفرزاتشي وسايكو وشيروتي وفليب مورس وبارميزان وموتزاريلا التي زرتها في مدينة مودينا الإيطالية، واجتمعت مع صاحبها، الذي قال لي وهو بعمر السبعين: إن جده أسس هذه الشركة، وهو الذي أبدع واخترع هذا النوع من الأجبان، واستمر حيث علّمه المهنة، ومن بعده الآن ابنه وحفيده اللذان درسا في أهم الجامعات، لكنهما آثرا أن يحافظا معه على المهنة التي تشكل لهم قيمة أسروية ودخلاً نوعياً، فهما مع أبناء مدينتهم لم يغادروها، إلا للسياحة فقط، وهنا أستذكر بأن الثبات نبات، ويتابع: إننا أسسنا عملاً شريفاً ووطنياً، وعندنا تبحث الناس عن وظيفة، ونحن نساعدهم على توافرها بدلاً من توجيههم إلى ما يفيدهم أكثر منها.

قادني هذا للمقارنة أمام ما لدينا من فرص هائلة من المهن مع مساحات كبرى للأراضي الخالية، التي بدلاً من أن نقوم باستزراعها يهجرها أبناؤها، ويذهب أبناؤنا للبحث عن العمل، لماذا؟ لأننا لم نقم بعمليات تطوير الفلاحة وتحويلها إلى زراعة، ولم نُدخل إليها التكنولوجيا، ولم نُعِدّ المشتغلين فيها للاستثمار الإنتاجي، لذلك نجد أبناءهم يتعلمون ويتخرجون كما أسلفت، لتبدأ رحلة المتاعب والبحث عن وظيفة أو الهجرة. كيف يحدث هذا؟ وما مسؤولية التعليم والجامعات؟

في الصين يعلمونهم الإنتاج مع الدراسة، يطالبونهم بالتفكير الإنتاجي، فترى هذا ينتج لعبةً، وذاك علبة كبريت، وآخر يطور شكلاً بتكاليف زهيدة، وسرعان ما ينشرونها في بلادهم، ومن ثم تنتقل إلى العالم، لذلك استطاعوا أن يخترقوا كل منزل، وكل متجر متوافر على كوكبنا الحي.

يبدو أننا لم ندرك ما أسسه الآباء والأجداد من مهن بَصَمت بقوة في حياتنا وحياة محيطنا والعالم، وأخذنا نفقدها الواحدة تلو الأخرى، لنخسر معها قيماً وأخلاقاً ومنتجاً جيداً، فهل السبب ضعف المداخيل، أم سياسات الدولة، أم لغة العولمة وانتشار ثقافة الاستهلاك نتاج التكاثر البشري؟ وعلى الخصوص في عوالم الجنوب التي تتعلق بثقافة التكاثر، مستندةً إلى «تناكحوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم»، وأين نحن اليوم من الأمم التي تنتج النوع، ونحن مازلنا ننتج الكم، فالمهنة تحتاج الثبات في العمل، والثبات نبات كما يقول العامة، يعلّم الصبر على الرزق، حيث إن أخلصت لها أعطتك، وإن أهملتها أبعدتك عنها ولفظتك، ويحضرني هنا مثل يخصُّ المهن والتجارة والعمل بشكل عام يقول: إن «المحل يحتاج إلى رجل مكسورة». ولد هذا المثل في سوق النحاسين في دمشق، فقد حضر قروي إلى السوق في يوم الخميس، وكان السوق يغلق، ووجد نحاساً فعرض عليه «مدقة هاون كبيرة» فحصها النحاس، وعرف في سرّه أنها ذهب، وكان القروي يحتاج إلى مال كي يعود إلى قريته، سأله النحاس: كم تريد بها؟ فقال: خمسون ليرة سورية، قال له النحاس: أعطيك مئة ليرة لأن وزنها من النحاس يعادل ذلك، فرح القروي وقال للنحاس: لديّ «الجرن» لكنه ثقيل، إن شاء الله الخميس القادم سأحضره لك.

أتى الخميس، ولم يحضر القروي، وفي الخميس التالي حدّث النحاس نفسه قائلاً: إنه لن يأتي، فأغلق باكراً، وإذا بالقروي يحضر، ويسأل جاره وهو يحمل الجرن، فقال له القروي: هل تأخذه مني؟ فاشتراه بثلاثمئة ليرة بعد أن عرف أنه من الذهب الخالص.

في صباح السبت اجتمع النحاسان، وسأل النحاس الذي اشترى الجرن جاره: هل اشتريت مدقة الجرن؟ فما كان من الذي اشتراها إلا أن أحضر مطرقة وضرب بها "رِجْلَه" فكسرها، وقال حينها طوال عمري أقول إن المحل يحتاج إلى "ِرِجلِ مكسورة"، فالذي لا يحب عمله ولا يخلص له ولا يعطيه ولا يحافظ عليه ينهيه، فهل تعلمنا العمل والإخلاص والصدق والأمانة والرحمة والجرأة في الحق والثبات عليه، فتتوافر الفرص والحظوظ، وينتشر العمل بالقدرات والكفاءة.

ألا يجب مراجعة مسيرتنا والتوقف عند الكثير من المفاصل التي خرّبت وحولت اللهاث خلف الوظيفة إلى ابتكار عمل؟ فالوظيفة غدت اعتياداً لكونها رتيبة من الراتب، والكل يطلبها، والفرق بينها وبين المهنة التي ترتبط بالأجر والعطاء والإنجاز كبير، والكثير من دول العالم يعتمد الأجر حتى في الوظائف من أجل تسريع وتائر العمل، وتبدأ من الساعة التي تربطها بقيمة مادية، تبدأ من خمسة دولارات، وصولاً إلى عشرين دولاراً وأكثر، فتجد العطاء أكثر من مهم، والسعي أكثر من المتوقع، والتدفق مستمر في النتائج، مؤكد أن هذا مرتبط بمجموعة من القوانين التي تنظم العمل والعمالة والتعليم ومخرجاته الموجهة بما تحتاجه الدولة، فهل ندرك قيمة المهن ونعلي من شأنها لأنها تجسد شرف العمل؟

د. نبيل طعمة

عدد القراءات : 359406



هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3513
العدد: 486
2018-08-06
 
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020