الأخبار |
الصحة: تسجيل 19 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 3 حالات  العقوبات الاقتصادية نعمة وليست نقمة..وفي تجارب الآخرين ما يؤكّد ..؟؟  روسيا تبدأ بتصدير الأدوية لعلاج كورونا  محاولات الصهاينة الحثيثة للاستيلاء على مياه النيل  تستمر حتى الأحد… كتلة هوائية حارة تؤثر على البلاد وتحذير من التعرض المباشر لأشعة الشمس  أسعار قطع غيار السيارات تحلق.. الإطارات بـ280 ألف ليرة والبطارية بـ150 ألف!  الرئيس الأسد يترأس اجتماعاً للقيادة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي.. تجربة الاستئناس الحزبي نجحت في خلق حراك وحوارات على المستوى الوطني العام⁩⁩  إطلاق نار في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وأنباء عن 4 جرحى!  ليبيا... طيران مجهول ينفذ غارات جوية قرب قاعدة الوطية العسكرية غربي البلاد  كيف تفكر كصحافي؟.. بقلم: عائشة سلطان  تركيا.. حصيلة إصابات كورونا تتجاوز الـ 200 ألف حالة  الصحة: تسجيل 14 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 5 حالات  ما الذي تريده أميركا من المنطقة والعالم؟.. بقلم: محمـد ح. الحاج  أرقام مخيفة… كيف تبدو الحرب بين أمريكا والصين  إيطاليا.. 21 حالة وفاة بكورونا خلال الـ 24 ساعة الماضية  رفع أسعار مواد «الذكية» بناءً على طلب «السورية للتجارة» وتغير سعر الصرف الرسمي  أوروبا تفتح حدودها: غير مرغوب بالأميركيين!  روان عليان: لكل صوت بصمة.. ولكل أذن هوى وذوق في المغنى  بوتين وروحاني: سنواصل دعم سورية في حربها على الإرهاب حتى دحره نهائياً     

ثقافــــة

2019-03-05 04:13:05  |  الأرشيف

حفل توقيع الكتاب.. ضرورة أدبية أم «بريستيـج» ثقافي؟!

نجوى صليبه:
كثرت في السنوات الأخيرة حفلات توقيع الكتب من دواوين شعرية ومجموعات قصصية إلى روايات ودراسات وبحوث، وكأنّما صارت عرفاً وتقليداً وعادة لامفرّ منها، بل لعلّها صارت تشكّل لدى بعض الأدباء إشهاراً رسمياً أكثر من أي وسيلة أخرى، يدفعون تكاليفها وبنفس راضية مقابل لقاء الأصدقاء والمتابعين من الإعلاميين والمهتمين، يشاركهم الفرح أصدقاء نقّاد يحابون المنتوج الأدبي وصاحبه، وحيناً آخر نقّاد حقيقيون يقولون كلمة حق موضوعية وحيادية، وللأسف يعاندهم الحظ في أوقات كثيرة فيلجؤون بدراية أو من دونها إلى من تطفّل على هذه المهنة الجليلة، أمور تدفعنا للتساؤل عمّا إذا كان حفل توقيع الكتاب أمراً أدبياً ضرورياً أم إنّه مجرد «بريستيج» ثقافي يكتمل مع حضور بعض الشّخصيات الرّسمية والكتّاب المخضرمين ذائعي الصّيت محلياً وعربياً وربما عالمياً؟ يجيب الشاعر قحطان بيرقدار: لا أظنّ أنّ الأمر يقاس بالضّرورة أو بعدمها، لأنّنا إذا أمعنّا النظر لاحظنا أن حفلات توقيع الكتب لم تكن منتشرةً قبل الحرب على سورية، بل كانت في حدود ضيقة جداً، ولأسماء محدودة، أما الآن فهي منتشرة بكثرة، ويقوم بها كثيرون، وفي أماكن متنوعة، كلٌّ حسب ما يتيسّر له، نلاحظ أيضاً أن انتشار حفلات توقيع الكتب ارتبط بانتشار المنتديات الأدبية والثقافية في المطاعم والمقاهي في بدايات الأزمة في سورية، ولعل هذه المنتديات هي التي سنّتْ هذه السُّنّة أو هي التي جعلتها منتشرةً هكذا، طبعاً لأهداف تجارية غالباً، وتبعها في ذلك بعض المراكز الثقافية الرسمية التي تشكو شُحّ الجمهور، فوجدت في هذه الحفلات سبيلاً إلى تعبئة جزء من الفراغ الحاصل المستمر، وإلى تسجيل مزيد من الأنشطة في لوائح النشاط الثقافي، وليقال إننا ناشطون ثقافياً على الرغم من ضراوة الظروف، والآن نلاحظ أن هذه الحفلات أصبحت عُرفاً أو تقليداً أو زينةً وزخرفاً يقوم بها الجميع، من يستحق كتابه أن يُقام له حفلٌ ومن لا يستحق، ولعل بعضها يقام أحياناً لتعويض جزء من التكاليف التي صرفها الكاتب على طباعة كتابه، على كل حال، الأمر كالعادة تمّ تفريغه من قيمته ومضمونه، كما تم تفريغ كثير من الأشياء الجليلة من قيمتها ومضمونها، واختلط في هذا الباب الحابل بالنابل، وشابهت معظمُ الأشياء بعضاً، ولم نعد في مجتمعنا قادرين على تحديد ماهية ظاهرة ما بدقّةٍ مع الأسف.
وللشّاعرة جيهان رافع رأي آخر، تقول: بصراحة أنا مع الفكرتين، إنّه «بريستيج» وغير ضروري من جهة، ومن جهة ثانية هو طريقة إشهار مقبولة، وبالسّؤال عن المبلغ المالي الذي يدفعه صاحب المنتوج الأدبي لإجراء حفل التوقيع وعن المبلغ الذي يجنيه لقاء بيع نسخ منه، تجيب رافع: الكتاب لايحقق أرباحاً مادية، وعادة مايكلف التّوقيع مبالغ صعبة على البعض، لقد كلفني التوقيع كثيراً وأنا لم أبع كتابي خلاله بل وزّعته مجاناً.
وهذا ماتؤكده أيضاً الإعلامية والشاعرة رنا علي، تقول: أقمت حفل توقيع أربع مرّات وخلالها جميعاً وزّعت كتبي مجاناً، وفي كل حفل سأفعل ذلك لأنّ هدفي من حفل التوقيع هو إبقاء الاسم في الذاكرة لأنّه الطريقة الأكثر أماناً وضماناً، أمّا الربح المادي فليس هدفاً لدي كما أنّ البيع مسؤولية دار النشر.. مبالغ كثيرة تدفع لإقامة حفل توقيع تصل وسطياً إلى الخمسة والعشرين ألف ليرة سورية، بين اتصالات وتواصل مع المعنيين والإعلاميين والدّعوات والضيافة التي تقدّم في ختام الجلسة- من عصير و«بيتيفور»-، مايعني أنّ المدفوع أكثر من المدخول، إذاً ماهي المنفعة التي يبغيها الأديب من حفل توقيع كتابه؟ هل هي الإشهار فقط أم التغطية الإعلامية والاستفادة من رأي النقاد والمداخلات؟ تجيب رافع: هناك أشخاص قلّلوا من قيمة حفل التوقيع وصاروا يتنافسون على إظهار القدرة المادية أو قوة الحالة الاجتماعية كأن يكون في وظيفة مرموقة فيستغل المصالح المتبادلة عن غير عمد فتكون له حصة الأسد من الحضور والدعم وهذا أيضاً يضم موضوع الجوائز الأدبية التي تنهال عليهم، أما بالنّسبة للإعلام فهو أهم وسائل التّواصل والإشهار ولاسيّما في حال عدم حضور عدد جيد من الأشخاص المهتمين أو من أصحاب الذائقة الأدبية أو عدم القدرة المادية للكاتب وعدم معرفته ولو بالقليل من الوسائل الإعلامية أو الظهور كما ظهر من سبقوه لأنّ هذا أمر محبط وله أثر سلبي في حالته النفسية ويتسبب بتراجع قدرته على العطاء، مضيفةً: المنفعة المعنوية هي الشّيء الجميل في الموضوع، إذ يتعرّف الكاتب على الأصدقاء الأكثر قرباً منه والأكثر دعماً له، أمّا النقد فأحياناً يكون محبطاً وأحياناً موضوعياً، بالنسبة إليّ حصلت على نقد موضوعي بنّاء وحصلت على أصدقاء جدد وتعرّفت على طريقة للتّعامل في الوسط الأدبي أكثر موضوعية ممّا كنت عليه قبل.
ولعلّ النقد المقدّم في حفل توقيع أي منتوج أدبي هو مايسعى إليه كثيرون، لكن للأسف تشوبه في بعض الأحيان شوائب العلاقات والمحاباة والادّعاء، إضافة إلى تنوع القراءات بين مختصر مفيد وآخر موجز لا نفع فيه ولاضير، يقول الناقد أحمد علي هلال: تشهد حفلات توقيع الكتب قراءات تحت مسميات مختلفة منها ما يشير إلى النّقد أو إلى الإضاءة أو المقاربة أو الانطباع الناجم عن الذائقة فحسب، لكن اللافت هنا أن كلمة نقد سوف تلتبس في أغلبية القراءات لتشي ظاهرياً بالقراءة النقدية، أما جوهرها فسينسجم مع تقاليد الحفل أي التقديم لمجموعة أدبية ما، وهذا التقديم الذي يلفت بعض كتابه إلى أن المجال لا يتسع للنقد بطبيعته المعرفية والإجرائية، فيكتفون ربما بالمرور سريعاً على ما يحتويه الكتاب، وإن خطفت بعض الدراسات إلى ما يعنيه النّقد بأدنى فعّالياته، أي الإحاطة العامّة بقصد التّرويج للكتاب وبعض النّقاد الذين يقرؤون ذلك الكتاب كاملاً ليس بوسعهم أمام جمهور عام أن يتنكبوا دراسة نقدية فاحصة تستوي فيها المعايير النقدية خارج الانطباعات العابرة والآراء الشخصية المحضة، لأنّ النقد بقدر ما فيه من التخصص يحملنا على أن يكون في سياق الأماسي حاضراً، إن لم تكن الأمسية بذاتها مخصصة للنقد، وذلك الالتباس الصريح بين حفل التوقيع والقراءة النقدية، ربما يأخذنا إلى جملة من المفارقات الثقافية، فلا يتمكن الناقد المتخصص من قول كل شيء، تماهياً مع طقوس الحفاوة بالكتاب الموقع، فما يحدث هو أن يقدم القراء موجزاً عن الكتاب، مطبوعاً بالاقتضاب والكثافة ما أمكن، لأن ذلك الالتباس ما بين حفل وقراءة، يفارق وظيفة النقد وخصائصه وفعالياته المعرفية، التي تقتضي لغة نقدية وخطاباً نقدياً مختلفاً، إذ إن كلمة إضاءة بعموميتها ستبدو هي الأقرب في حيز التداول النقدي، وغالباً ما يذهب النقاد إلى إثارة قضايا تخص الإبداع وتخاطب القارئ العام، وذلك لا يمنع من أن يترك بعضهم أفكاراً عن الكتاب تهيئ للمتلقي مناخ القراءة، وتذهب الدراسة إلى النشر فيما يذهب ما يقال للجمهور العام إلى طبيعة جاذبة للمقروء، موسومة بالمديح وبث إشارات على استحياء أقرب إلى النقد..لكن مامدى موضوعية هذا النقد وبعده عن العلاقات والشّخصنة؟ يجيب هلال: على الرّغم من أنّ بعضه يتوسّل الموضوعية، لكنّ أكثره لا ينجو بذريعة الحياء من أفعال المديح وفي أغلبها أفعال مجانية، إذ يمتدح الشخص على حساب النص، ونادراً ما ينفصل النص عن الشخص أي المبدع في وعي القارئ، وذلك تبعاً لتقاليد مغلوطة في هذا الاتّجاه من أنّ المبدع يخشى النّقد أو مقاربة النّاقد لكتابه فربّما يحصل تواطؤ خفي ما بين النّاقد والمبدع أو النّقاد والجمهور في اتّجاهين؛ الاتّجاه الأوّل أن يكون النّاقد رحيماً فلا يقسو على مبدع يوقّع مطبوعته الأولى على سبيل المثال، والاتّجاه الثاني أن يكون الناقد صريحاً مع المبدع ولو أمام الجمهور، وكلا الاتجاهين قد تكرسا بفعل مواضعات اجتماعية لا نقدية، بالمعنى المعرفي أسست لما تمكن تسميته ثقافة المجاملات، فضلاً عن أن بعض من يقوم بالنقد لا يأتون غالباً من حقل اختصاص معرفي منهم مبدعون وسوى ذلك.. يضيف هلال: هذه التقاليد على أهميتها الاجتماعية والثقافية، يجب أن تفصل مابين أفعال القراءة النقدية وحفل توقيع بالمعنى الدقيق للكلمة، لأنّ لكلّ من المسميين استحقاقه بعيداً عمّا يسمّى الثّقافة الشّللية- الإخوانية السّائدة في المشهد الثّقافي، لكنّها إجمالاً تشي بحراك ثقافي باتّجاه ما يُنتج وما يُراكم عليه كمؤشّر لتعبيرات الثّقافة في لحظاتها المختلفة وإن ساورها الكثير من الخطل والقليل من النقد، تبقى بوصفها فعالية اجتماعية تنسجم مع التواصل الاجتماعي وتبث مشهداً متجدداً وطازجاً وحيوياً، بمعنى الدينامية المجتمعية بتعبيراتها الثقافية، التي لا تصنع بالضرورة مبدعاً، وفي المقابل لا تصادر على المبدع الحقيقي دوره وإبداعه، هي تكتمل بإرهاصات هذا المبدع، ولعلّها تقف على حقيقة ما في إبداعه أو تفارقها.
ويختلف مستوى تقبل صاحب حفل التوقيع حسب طريقة النقد، يوضّح هلال: على الأرجح أن أغلبهم يتظاهر بالتقبل وبعضهم الآخر لا يستطيع التقبل، ولاسيّما إذا كان النّقد مباشراً خارج الإيحاءات، وهذا يصدق على الهواة من المبدعين وكذلك على المخضرمين، الذين يلفتهم خطاب الطّريقة أكثر من الإشارة الواضحة إلى هنة هنا أو هناك، فمازلنا لا نستطيع الفصل بين النص وصاحبه، وهذا يعني أن الكثير مما يقال تحت مسمى النقد لا يعدو كونه انسجاماً فحسب مع منطق الاحتفاء وتقاليده بالكتاب.
تشرين
عدد القراءات : 7198

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245529
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020