الأخبار |
مصطفى الكاظمي: اختبار النجاح... فالبقاء!  المعلم “الملقّن” لم يعد ينفع.. مدارسنا بحاجة لمدرسين بمهارات عالية!  ما هي خطة ضم الضفة الغربية ووادي الأردن.. وما هي السيناريوهات المحتملة؟  قتل شقيقته ذبحاً بالسكين بعد أن اغتصبها.. والأب متورط بالقتل!  ماكرون يستبدل فيليب بكاستيكس: إصلاحٌ صوَري تمهيداً لانتخابات 2022  هل تعود السياحة في البلدان العربية إلى ما كانت عليه قبل كورونا؟  في مواجهة الحصار: فتّش عن الدعم الزراعي والصناعي  أنت جيّد وهم أنانيون!.. بقلم: عائشة سلطان  لمن ينتظرون فوز "بايدن" برئاسة الولايات المتحدة!!  تركيا تُغرق الاسواق بمليارَي دولار: التهريب يكمل ما بدأته العقوبات  البرلمان التونسي يرفض تصنيف "الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا  حالات الإصابة الجديدة بكورونا في أمريكا تتجاوز 53 ألف حالة  لبنان يفتح حدوده البرية مع سورية الثلاثاء والأربعاء القادمين  الدوري الممتاز لكرة القدم… فوز حطين والوثبة والفتوة يشعل المنافسة على الصدارة والهبوط  ماذا يحدث على الحدود السودانية-الإثيوبية.. اشتباك مسلح يتصاعد بين البلدين فمن يقف خلفه؟  شكراً (كورونا )؟!!…بقلم: خالد الشويكي  عالم تنبأ بـ"كوفيد-19" يحذر من وباء أكثر فتكا في غضون 5 سنوات  إصابات وشفاء ووفاة واحدة.. تطورات "كورونا" في سورية  رجل ينتحر وسط بيروت ويترك على صدره رسالة “أنا مش كافر”!  شركة أمريكية تحصل على إذن المغرب لاقتناء مصنع للطائرات     

تحليل وآراء

2019-05-04 02:08:04  |  الأرشيف

بنزيون وبنيامين نتنياهو: سرّ (وعنصريّة) الأب.. بقلم: أسعد أبو خليل

بحلول هذا الصيف في تمّوز، سيكون قد مرَّ على رئاسة نتنياهو للحكومة الإسرائيليّة أكثر مما مرَّ على رئاسة ديفيد بن غوريون. والمقارنة بديفيد بن غوريون ليست مجرّد مقارنة بين رئيس حكومة وآخر في بلد ما. الهتافات في مهرجانات نتنياهو تبدأ وتنتهي بـ«الملك بيبي»، وغلاف مجلّة «تايم» في عام ٢٠١٢ أخذ عنوان «الملك بيبي». كاتب سيرة بن غوريون، شبتاي تيفيث، أعطى للقارئ فكرةً واضحة عن طبيعة دور المؤسّس في النظام الإسرائيلي الحاكم. كان الوزراء والنوّاب والمستشارون يستغرقون ـ بعد مغادرة بن غوريون للقاعة أو غرفة الاجتماع ـ في بحث ما عناه بن غوريون في تلك العبارة أو هذا المصطلح أو هذه الإيماءة. وقد طبع بن غوريون النظام الاحتلالي القائم بشخصه، كما أن نتنياهو يطبع على مرِّ أكثر من عقد السياسة الإسرائيليّة بشخصه. 
 
 
بالغ العربُ ـ نتيجة مباشرة للدعاية الغربيّة والإسرائيليّة التي استهدفت العرب ـ في تقدير واحترام الديموقراطيّة في إسرائيل ـ حتى لو بحثناً في سمات هذه الديموقراطيّة بين اليهود حصراً. ومع تجاهل العنصر الاحتلالي لدولة ينتفي وجودها من دون الاحتلال، فإنّ الديموقراطيّة الإسرائيليّة ليست مثل باقي الديموقراطيّات (على مساوئ باقي الديموقراطيّات). حاولت إسرائيل تحت قيادة بن غوريون حشر نفسها بين ديموقراطيّات الغرب و«العالم الحر» من أجل نيل غطاء غربي للمشروع الصهيوني، (وبدأ ذلك منذ مؤتمر فندق بلتمور في نيويورك في عام ١٩٤٢، والذي كرّس ربط المشروع الصهيوني بالدولة الأميركيّة في صياغة عن دولة يهوديّة تنضمّ إلى «العالم الحرّ». راهنَ بن غوريون على الفوز الأميركي في الحرب فيما راهنَ الحاج أمين على هتلر وهملر). 
ظاهرة طغيان الجنرالات في الحكم في إسرائيل ظاهرة فريدة وذلك لأن المشروع الاحتلالي يكتسب شرعيّة أهليّة من اليهود عن طريق الحرب: المشاركة في الحرب والدعوة إلى الحرب والوعد بمزيد من الوحشيّة في الحرب المقبلة. ولم تكن الانتخابات الأخيرة استثناء من حيث دخول رئيس أركان جيش العدوّ السابق (مع جنراليْن بارزيْن) في منافسة مع نتنياهو الذي شارك في فرقة نخبة للقوّات الخاصّة الإسرائيليّة. وجنرالات الحرب لا يخضعون، كما في الدول الديموقراطيّة «العاديّة»، بسهولة للقيادة السياسيّة. لا نستطيع أن نقول اليوم إن ليفي أشكول كان ممسكاً بالقرار في الحرب والسلم في الستينيّات، ونعلم كيف كان الجنرالات يُملون عليه.
وسمة الفساد ملازمة للحكم في دولة العدوّ، الذي خضع آخر أربعة رؤساء وزراء فيه لتحقيقات متنوّعة عن الفساد. والقول إن إسرائيل هي دولة القانون مخالف لتاريخها الذي تختار منه ما تشاء لتطبيقه، كما هي تختار من قوانين الاحتلال البريطاني ما تشاء كي تطبّقه على الشعب الفلسطيني، وحتى على اليهود في الدولة، في ما يتعلّق مثلاً بقوانين الحظر والرقابة العسكريّة. والعدوّ من خلال الإعلام الغربي و(بعض) العربي يحاول أن يُقنع العرب أن محاكمة ساسة في قضايا فساد دليل على مستوى رفيع من الديموقراطيّة، فيما المحاسبة ضد الفساد تكون ضعيفة وبطيئة للغاية. صحيح أن موشي كاتشاف (الرئيس الإسرائيلي الأسبق) سُجن، لكن ذلك حدث بعد ثبوت اتّهامه بحالات عديدة من الاغتصاب والتحرّش والعنف ضد نساء (وقد أهملت المحكمة، لأسباب عديدة، النظر في حالات لم تصل إلى المحكمة بسبب مرور الزمن). والادّعاء في حالته قَبِل منه تسوية تعفيه من السجن بالمطلق، لكن احتجاجات منظّمات نسائيّة إسرائيليّة هي التي فرضت إعادة النظر في التسوية وإصدار حكم بالسجن، الذي لم يستمرّ لأكثر من خمس سنوات. وقضيّة إسحاق رابين في الحساب المصرفي في واشنطن لم تكن خرقاً بسيطاً للقانون: فتح رابين في واشنطن حساباً سريّاً (لم يعلنه في كشف الضرائب) وكان يتلقّى فيه أمولاً من صهاينة أثرياء في نيويورك. ولم يتلقَّ عقوبة ولم يُسجَن يوماً. وقد مرَّ على تحقيقات فساد نتنياهو وزوجته سنوات طويلة من دون محاكمة رسميّة. والتباطؤ يعود إلى أن المدّعي العام كان وزيراً لصيقاً بنتنياهو نفسه.
وبالإضافة إلى أن الديموقراطيّة الإسرائيليّة محصورة باليهود، فإنّ العنصريّة تسري على صفوف اليهود أنفسهم، حيث لا يتمثّل يهود آسيا وأفريقيا (نحو نصف اليهود) في الطاقم السياسي، فيما صعد يهود الاتحاد السوفياتي بسرعة في سلّم السلطة. والتعاطي مع اليهود الأفريقيّين والمهاجرين الأفارقة هو ترسيخ لعنصريّة أيديولوجيّة لا تكنّ البغض والاحتقار للعرب والمسلمين فقط. 
بتنا نعلم من سيرة نتنياهو الذي كتبها آنشيل بفِفر (وهو كان كاتباً في صحيفة «هآرتس» قبل أن ينتقل إلى مجلّة «إيكونومست» التي باتت أقلّ نقديّة في تغطيتها للشرق الأوسط وأقلّ تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني ـ لكن هذا التغيير في تغطية المجلّة يسري على الصحافة البريطانيّة بصورة عامّة، خصوصاً الليبراليّة منها، مثل «إندبندنت» و«غارديان»)، بعنوان «بيبي: حياة وأزمان بنيامين نتنياهو المضطربة»، الكثير عن نتنياهو. هذا رجل ابتكرَ لنفسه، كما ابتكر أبوه من قبله، سيرة ذاتيّة ملائمة. والكثير من شخصيّة نتنياهو مأخوذ من عالم أبيه، بنزيون، الغريب. 
انتمى بنزيون مبكراً (قبل سن العشرين) إلى فرع الصهيونيّة الأكثر تطرّفاً، المعروفة بـ«الصهيونيّة المُراجِعة»، التي أسّسها فلاديمير جابوتنسكي. والتطرّف سمة للصهيونيّة، والانشقاقات لم تكن لها صلة بالتعاطي مع العرب بل في التعاطي مع بريطانيا في حقبة الانتداب، إذ إن الوحشيّة ضد العرب كانت محلّ إجماع. وجابوتنسكي كان صهيونيّاً علمانيّاً (أوصى بحرق جثّته، والحرق هو «تحطيم ممتلكات» في اليهوديّة). واسم العائلة «نتنياهو» ليس الاسم الحقيقي للعائلة، بل هو الاسم المستعار لجدّ بنيامين (وكان بنيامين نتنياهو في أميركا يستعمل اسم «بن ناتاي»، اختصاراً). والتأثيرات الأيديولوجيّة على فكر جابوتنسكي لم تكن خافية على أحد، إذ كانت الفاشيّة الإيطاليّة هي المنبع. الانضباط عنده هو ما يجمع الأمّة، والانضباط وسمَ تجربة حركة الشبيبة الـ«بيتار» التابعة لهذا الفرع من الصهيونيّة. وكتبَ جابوتنسكي: «إن تفوّق الإنسان على الحيوان يكمنُ في المراسم»، ولهذا فإنّ الحركة اتّسمت بالانضباط العسكري، والترابية الصارمة، والاستعراضات، والبزّات العسكريّة (وهذا يجمع بين هذه الحركة وبين حزب الكتائب، الذي هو أقرب إلى جناح الليكود منه إلى حزب العمل الصهيوني). لكن الرجل الذي درسَ ومحّصَ في تاريخ القوميّات لم يجد في العرب القدرة على بلورة قوميّة لهم، ويقول في ذلك شلومو أفنيري في كتابه «صنع الصهيونيّة الحديثة»: «في ما كتبَ وقالَ عن العرب بصورة عامّة، هناك نبرة استعلائيّة إن لم تكن نظرة احتقار بالكامل» (ص. ١٧٩). (طبعاً، يستطيع أفنيري أن يلحظ نبرة الاحتقار في خطاب وفكر الصهيونيّة المُراجعة وليس في فرع الصهيونيّة السائدة (حتى ١٩٧٧)، أي حزب العمل الذي انتمى إليه). وإيمان جابوتنسكي بتفوّق العنصر الأوروبي على العنصر غير الأوروبي يجمع بين كل تيّارات الصهيونيّة. ويرى جابوتنسكي عن الحرب أنها «في الزمن الحديث عمليّة وماليّة، وهي خارج نطاق قدرة الأمم المتخلّفة». لكن فكر جابوتنسكي جاهر بالعنصريّة العرقيّة التي حاول الفرع الآخر أن يخفيها ـ أحياناً. يقول جابوتنسكي: «إن الأمّة تتجلّى طيفها العرقي»، ويقول أيضاً: «إن جوهر الأمّة، أو قلعة فرادة صورتها الأولى والأخيرة، يكمن في سماتها الفيزيائيّة المميّزة، وفي تركيبة وصفتها العرقيّة». وهو عرضَ على العرب حلّاً للمشكلة المستعصية: «جدارٌ حديديٌّ من الحراب» يقيمه الصهاينة ضد العرب.
إن مسيرة بنيامين نتنياهو (وحتى شقيقيْه) تأثّرت كثيراً بحياة الأب. بنزيون عاش على أطراف الحركة الصهيونيّة الجابوتنسكيّة التي أرادَ أن يكون ركناً فيها. تذكر المراجع المتعاطفة عن بنزيون أنه كان سكرتيراً لجابوتنسكي، لكنه لم يكن كذلك (وقد وردت الإشارة الخاطئة عن ذلك في مرثيّة «نيويورك تايمز» عنه وفي مقالة «ويكيبيديا» عنه أيضاً)، وليس هناك من دليل على ودّ كَنّهُ المؤسّس للمريد. وبعد تأسيس الدولة، لم يحتلّ بنزيون مركزاً سياسيّاً أو حتى أكاديميّاً مما خلّف في نفسه مرارة شديدة ضد الدولة ومؤسّساتها. فمناحيم بيغن الذي ورث قيادة الحركة من جابوتنسكي رقّى وعزّزَ مواقع الذين شاركوا في القتال ـ أو الإرهاب ـ الذي رافق نشوء الحركة الصهيونيّة وتأسيس الدولة. لم يشارك بنزيون في القتال ما أبعده عن المواقع القياديّة. أما عدم تبوّئه مركزاً أكاديميّاً في الجامعة العبريّة فهو نسبهُ إلى الانحياز الصهيوني الوسطي ضد اليمين، وهناك جانب من الصحّة في الشكّ، لكن بنزيون لم يستطع أن يحوز على مراكز أكاديميّة في الولايات المتحدة التي هاجر إليها (ناقماً) إلا بعد صعوبة وفي حقل تعليم العبريّة في السنوات الأولى. هو تفرّغ لتحرير «الموسوعة العبريّة» ثم «الموسوعة اليهوديّة». أما كتابه الضخم عن تاريخ اليهود في المحنة الإسبانيّة، فقد اختلف منهجه مع منهج كلّ المؤرّخين من قبله ومن بعده، وهو ـ بحسب نقد الخبراء له ـ أسقط المحرقة اليهوديّة على كلّ التاريخ اليهودي برمّته. فهو حاجج أن اليهود في إسبانيا لم يتظاهروا باعتنقاق الكثلكة لحماية النفس كما تقول كل المراجع، بل هو يقول إنهم كانوا مؤمنين حقيقيّين بالكثلكة لكن السلطات أرادت أن ترتكب محرقة ضدّهم لأن التاريخ اليهودي هو تاريخ محارق ضدّهم (وفي نظريّته هذه إهانة وإدانة لليهود). 
ولبنزيون نظرة تشاؤميّة ظلاميّة حول الحاضر والمستقبل. هو شكّك بإمكانيّة تشكيل الدولة ثم شكّك بقدرتها على الصمود بوجه الأعداء العرب، ومات وهو يشكّك بقدرتها على البقاء أمام هذا البحر الهائج من العداء من دون المزيد من الوحشيّة (وشكّه، طبعاً في محلّه إذ إن قدرة الدولة الاحتلاليّة التي تزيد باستمرار من سجلّ مجازرها وجرائم حربها، لا يمكن أن تبقى ككيان احتلالي وليس ذلك بسبب نقصان العدوانيّة والكراهية عند الصهاينة ـ كما رأى بنزيون ـ بل لأن شعوب المنطقة لم تقبل قطّ فكرة الوجود الاحتلالي العدواني، كما أن حركات المقاومة تزداد فعاليّة بدرجة عالية). لكن تشكيكه بقدرة الكيان على البقاء كان يوازنه في إيمانه العنصري بتفوّق العنصر الأوروبي.
كنَّ بنزيون عنصريّة حادّة ضد العرب، وأورثها لأولاده. وقد نشرت «معاريف» مقابلة نادرة معه في ٢٠٠٩ عبّر فيها عن كل مكنوناته. ومن المعروف أن بنزيون آمن بطرد كل العرب من فلسطين التاريخيّة في عام ١٩٤٨، وتشاءم من بقاء بعضهم. لم يكن يرى إمكانيّة بقاء الواحد مع الآخر، وقال إن «القوّة اليهوديّة» هي التي ستسيطر (أي أوحى أن عمليّة إبادة جماعيّة ستتكفّل بالعرب فيما بعد). وقال إن العرب سيفرّون من فلسطين في النهاية. أما الحروب والمجازر الصهيونيّة فهي ليست كافية بالنسبة له. «كان يجب أن نضربهم بقوّة أكبر». أما عن شعوره الشخصي نحو العرب فهو قال: «إن الإنجيل لم يجد أسوأ من صورة الرجل في الصحراء. لماذا؟ لأنه لا يحترم أي قانون… إن النزعة نحو الصراع هي في طبيعة العربي، هو عدوّ بالطبيعة. إن شخصيّته لا تسمح بأيّ نوع من المساومة أو الاتفاق. إن طبيعته تكمن في الحرب المستمرّة». أما عن حلّه المقترح، فهو واحد لا بديل له: «ليس من حلّ إلا القوّة. حكم عسكري قوي». 
عاش بنزيون أكثر سنواته في الغربة الأميركيّة ومثّل الجناح الجابوتنسكي في الحركة، وهو ينسب إلى نفسه التأثير على الحزب الجمهوري عندما اعتنق برنامجاً صهيونيّاً متصلّباً في ١٩٧٤. أورث الأب أبناءه هذا الكمّ من العنصريّة والعدوانيّة ومشوا على خطاه ـ إلى حد. فقد تمرّد بنيامين وأشقّاؤه ضد الوالد الذي لم يشارك في القتال في مجتمع موغل في العسكرتاريا وفي اعتبار قتال العرب ممرّاً إلزامياً للنشوء الذكوري والتطوّر السياسي. لا طموح سياسيّاً من دون المباهاة في قتال العرب كما شهدنا في الانتخابات الأخيرة. وانضم جوناثان بنيامين إلى صفوف النخبة القتاليّة. وسيرة شقيقه، جوناثان، تعرّضت لمبالغات بطوليّة هائلة وأصبح أسطورة في دولة العدوّ، ودوره في عمليّة عنتيبي (ينسى البعض أن الـ«موساد» ساهم في وصول عيدي أمين إلى السلطة، وإن انقلب عليهم فيما بعد) بات منسوجاً في عدد من الأفلام الهوليووديّة المملّة. والمؤلّف بفِفر كشف عن المخفي في سيرة جوناثان، أنه لم يكن محبوباً في فرقته ولم يكن معدّاً كي يصبح رئيساً للأركان، كما يأتي في السير العديدة. لا، كان يعاني من اضطرابات نفسيّة حادّة ولم يكن محبوباً من الذين عملوا معه وفضّلوا غيره من الضبّاط عليه. 
لكنّ موت جوناثان أمدَّ بنيامين بمادة للصعود والتسلّق، خصوصاً أنه حوّل أسطورة أخيه إلى مناسبة للبروز. لكنّه عرفَ أيضاً كيف يجعل من موضوع مكافحة الإرهاب تخصّصه الشخصي مبكراً، مستغلّاً سيرة شقيقه الإرهابي (على أساس أنه مكافح للإرهاب بالمفهوم الغربي والإسرائيلي). والتخصّص في الإرهاب ومدّه باستشراق برنارد لويس العنصري كان من إنتاج نتنياهو في الثمانينيّات، وعمَّر مذّاك.
تفوّق نتنياهو أكاديميّاً، كما تفوّقت أمه وأبوه، لكنه انحرف عن تخصّص في الهندسة المعماريّة والعلوم السياسيّة بعد أن ذاق حلاوة الاحتفاء بشخصه من قِبل المنظّمات والمعابد اليهوديّة في أميركا. ومثل جدّه، تمتّع نتنياهو بطلاقة ـ لكن من دون فصاحة مثل أبا إيبان ـ سهّلت دخوله إلى عالم الدعوة الصهيونيّة والإعلام، خصوصاً أنه يتحدّث الإنكليزيّة بلكنة أميركيّة يستسيغها شعب يضيق ذرعاً باللكنات الأجنبيّة. والإعلام الأميركي دائماً يسعى إلى متحدّثين فصحاء بالإنكليزيّة كي يسهّل مهمّة البروباغاندا، التي أجادها نتنياهو وجعل منها محور عمله في وزارة الخارجيّة. العمل الديبلوماسي لم يجذب نتنياهو، خصوصاً أنه نظر إلى مؤسّسة وزارة الخارجيّة عندما دخلها في الثمانينيّات على أنها معقل لحزب العمل. وأدار نتنياهو مؤسّسة باسم أخيه في إسرائيل وهناك تعرّف ـ عن قصد ـ إلى الكثير من ساسة العدوّ، وهذا كان طريقه إلى عالم السياسة. والذي كان عرّابه في اقتحام عالم السياسة الوزير موشى أرنز، الذي مثل نتنياهو درس في أميركا (وفي جامعة إم.آي.تي أيضاً)، وتباعدا فيما بعد. ومثل بن غوريون من قبل، آمن نتنياهو أن مستقبل الحركة الصهيونيّة يتركّز في الساحة الأميركيّة. أتقن نتنياهو لعبة البروباغندا مبكراً، واستثمر في التعرّف إلى كل الصحافيّين البارزين في واشنطن ونيويورك، وكان هؤلاء مسؤولين عن إبرازه للجمهور الأميركي والإسرائيلي على حدّ سواء (لعب تيد كوبل، في برنامج «نايت لاين» الذائع الصيت في الثمانينيّات والتسعينيّات دوراً كبيراً في هذا الشأن، وهو ليبرالي لكن صهيوني عنيد، وعرفته في أوائل التسعينيّات). لكن لا يجب المبالغة في أثر موهبة نتنياهو الكلاميّة (هو متحدّث فصيح لكنه ليس خطيباً باهراً). لقد أحبّت أميركا كل قادة العدوّ من دون استثناء، وبعضهم من أسوأ المتحدّثين والخطباء قاطبة: هل هناك أسوأ من إسحاق شامير أو إسحاق رابين في المحادثة والخطابة؟
تسلّم نتنياهو منصب نائب السفير الإسرائيلي في واشنطن قبل أن ينتقل إلى نيويورك. وكان معظم عمله إعلامياً ـ دعائياً محضاً، لكن ذلك قرّبه، بحكم الموقع، من كلّ الزائرين الإسرائيليّين الكبار. واستعان من أبيه بفكرة تاريخ المحارق، وأن كل تهديد تواجهه الدولة ـ حقيقيّاً كان أم خياليّاً ـ هو محرقة جديدة. وهذا كان في صلب عمل نتنياهو الخطابي ضد منظمة التحرير ثم ضد إيران، وضد كلّ من تسوّل له نفسه مقاومة عدوان واحتلال إسرائيل. ونتنياهو، مثل أحمد الشقيري، يرى أن ليس هناك من مشكلة لا تجد حلّها في خطاب، خصوصاً أمام الأمم المتحدة.
لكن عودة نتنياهو إلى إسرائيل لم تكن سهلة إذ إن صعوده في الليكود واجه بعض العقبات التي واجهت أباه. لم يكن ينتمي إلى العائلات الحاكمة. لكنه، خلافاً لأبيه، شارك في القتال على عدة مواقع واستعان للقضاء على منافسيه بـ«أمراء» الليكود في الجيل الثاني، مثل دان مريدور وبني بيغن، على ما تعلّمه من السياسة الأميركيّة (تظلّ معظم قراءات نتنياهو حتى في منصب رئاسة الوزراء، تدور حول التاريخ والسياسة الأميركيّة). وهو دخل ميدان العمل السياسي مستعيناً بالخبير الانتخابي الأميركي اليميني، آرثر فنلكلشتين (والذي كان قد عمل في حملات انتخابيّة لعنصريّين، مثل السيناتور جيسي هيلمز في نورث كارولينا). ولم تبالغ الصحافة الأميركيّة عندما نسبت نجاحه في انتخابات ١٩٩٦ إلى الخبير الأميركي. لكنّه لم يكن يأنف من الاتّساخ في الحملات الانتخابيّة خلافاً لمريدور وبيغن أو بيريز. كان يجول في كلّ أنحاء البلاد ويصافح الآلاف، وكان أوّل من جمع أسماء المقترعين والمؤيّدين في برامج على الحاسوب، وهو احتفظ من أميركا أيضاً بقوائم طويلة (وتراتبيّة) لأثرياء موّلوا ويموّلون حملاته الانتخابيّة والدعائيّة. فهِم نتنياهو مثل أبيه أن الناخب الإسرائيلي يريد العنف والقسوة والمزيد من الإرهاب ضد العرب، وأن الجيل الجديد أكثر عدوانيّة وشراسة من الجيل الذي سبقه ـ على عدوانيّة وشراسة الأجيال الصهيونيّة التي سبقت. وفي الانتخابات الأخيرة ظهر مدى اتّساع التأييد لنتنياهو بين الشباب. وهو بات يجاهر بعنصريّته ضد العرب. ولقد اعترف بإيمانه بتفوّق العرق الأبيض في محادثة نشرها الصحافي البريطاني، ماكس هستنغ، في كتابه «الذهاب إلى الحرب»: قال إن الجنود اليهود الأفارقة وذوي الأصول العربيّة في «لواء الجولاني» يمكن أن يقوموا بأداء جيّد لو قادهم «ضباط بيض» (ص. ٢٥٩, من كتاب هيستنغ). وقانون حصر حق تقرير المصير باليهود فقط هو منسجم مع العقيدة العنصريّة التي تشرّبها نتنياهو من أبيه ومن عقيدة جابوتنسكي.
لا يجب شيطنة نتنياهو لأن ذلك يحسّن في صورة سابقيه ومنافسيه. يجب شيطنة الكيان برمّته ـ وبكل رموزه وقياديّيه ـ لأن دون ذلك تفضيلاً بين المحتلّين ـ وهذا ما أدّى بمنظمّة التحرير الفلسطينيّة إلى التهلكة.
 
عدد القراءات : 4816
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245574
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020