الأخبار |
مصطفى الكاظمي: اختبار النجاح... فالبقاء!  المعلم “الملقّن” لم يعد ينفع.. مدارسنا بحاجة لمدرسين بمهارات عالية!  ما هي خطة ضم الضفة الغربية ووادي الأردن.. وما هي السيناريوهات المحتملة؟  قتل شقيقته ذبحاً بالسكين بعد أن اغتصبها.. والأب متورط بالقتل!  ماكرون يستبدل فيليب بكاستيكس: إصلاحٌ صوَري تمهيداً لانتخابات 2022  هل تعود السياحة في البلدان العربية إلى ما كانت عليه قبل كورونا؟  في مواجهة الحصار: فتّش عن الدعم الزراعي والصناعي  أنت جيّد وهم أنانيون!.. بقلم: عائشة سلطان  لمن ينتظرون فوز "بايدن" برئاسة الولايات المتحدة!!  تركيا تُغرق الاسواق بمليارَي دولار: التهريب يكمل ما بدأته العقوبات  البرلمان التونسي يرفض تصنيف "الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا  حالات الإصابة الجديدة بكورونا في أمريكا تتجاوز 53 ألف حالة  لبنان يفتح حدوده البرية مع سورية الثلاثاء والأربعاء القادمين  الدوري الممتاز لكرة القدم… فوز حطين والوثبة والفتوة يشعل المنافسة على الصدارة والهبوط  ماذا يحدث على الحدود السودانية-الإثيوبية.. اشتباك مسلح يتصاعد بين البلدين فمن يقف خلفه؟  شكراً (كورونا )؟!!…بقلم: خالد الشويكي  عالم تنبأ بـ"كوفيد-19" يحذر من وباء أكثر فتكا في غضون 5 سنوات  إصابات وشفاء ووفاة واحدة.. تطورات "كورونا" في سورية  رجل ينتحر وسط بيروت ويترك على صدره رسالة “أنا مش كافر”!  شركة أمريكية تحصل على إذن المغرب لاقتناء مصنع للطائرات     

تحليل وآراء

2019-03-05 03:48:17  |  الأرشيف

الفاتيكان والجنس: التحديات الكبرى والإصلاح الحتمي

«قمة الاعتداءات الجنسية» التي ترأسها البابا فرنسيس نهاية الشهر الفائت، هي تكريس رسمي لقرار المواجهة التي يخوضها الفاتيكان ضد الانهيار الأخلاقي الذي توّجته أخيراً إدانة وزير الاقتصاد في الفاتيكان، الكاردينال الأسترالي جورج بيل، بانتهاكات جنسية. لم يعد سراً أن أعلى المرجعيات الكاثوليكية في العالم تواجه أكبر أزمة في تاريخها الحديث، بسبب مسلسل الفضائح المتواصل منذ سنوات، حول الانتهاكات الجنسية ضد الأطفال والمراهقين. كما تشهد المؤسسة نقاشاً هو الأول من نوعه داخلها، حول المثلية الجنسية التي تكاثرت التقارير والكتب والشهادات التي تكشف انتشارها في صفوف رجال الدين، من أعلى المراتب الكنسية إلى الكهنة.
الصحوة التي تشهدها الكنيسة الكاثوليكية، وقد ازدادت تفاعلاً منذ أشهر، قد تكون الحدث الأبرز في تاريخها المعاصر. وقد أخذت تتبلور حركة إصلاحية داخل الكنيسة، هدفها معالجة أخطر ملف تواجهه منذ عقود، أي الاعتداءات الجنسية المزمنة على الأطفال والمراهقين من قِبَل كهنة وأساقفة، واستغلال القاصرين جنسياً، إضافة إلى ظاهرة التعدي على الراهبات، وإجبارهن على الإجهاض. ومن جهة أخرى، فُتح ملف المثلية الجنسية داخل الفاتيكان، بصورة خاصة، وفي مختلف الأبرشيات حول العالم، طارحاً أسئلة جديدة حول العفة والحقوق الجنسية. والخطوة الإصلاحية التي بدأت دوائر الفاتيكان تكسر الصمت حولها تُعدّ الأهم، لأنها تمثل في عمقها التصادم الحقيقي بين التعاليم الروحية للكنيسة التي تعطي الإنسان الأولوية، والهيكلية الكنسية الإدارية التي تعلي شأن رجال الكنيسة، وتعظّم دورهم، على حساب الفئات الأضعف من أطفال ونساء. ولأنها قضية إنسانية، لا صلة لها بالتبشير وتفسير العقيدة وتوسع النفوذ الكنسي الكاثوليكي، ولا بحوار الحضارات ومحاربة الإرث الشيوعي والانفتاح على العالم الإسلامي والكنائس الشقيقة، اتخذت خطوة البابا فرنسيس، بالدعوة إلى قمة استثنائية موسعة حول حماية القاصرين، دلالات تحتاج إلى وقت لتبيان حقيقتها وما ستؤول إليه، لا سيما أنها تتزامن مع أول إجراءات جدية لمحاكمة مسؤولين نافذين في الكنيسة متهَمين بالتحرش الجنسي، من دون أن تتبلور بعد ماهية الإجراءات الكنسية الحاسمة في حقهم، بعدما تدخل القضاء المدني في ألمانيا وأستراليا والولايات المتحدة وفرنسا لمحاكمة مرتكبين ومتسترين.
لكن هذه الخطوة الأولية تحتاج إلى مسار طويل، يبدأ بضرورة كشف الأسرار المحيطة بالقضايا الجنسية المغلقة، ومقاربة هذا الملف كنسياً على مستوى العالم، وليس مجرد التعامل معه كقضية آنية، وإسكات وسائل الإعلام من خلال تقديم عيّنات من مئات المعتدين، وتفادي الذهاب بعيداً في معالجة أصول المشكلة المتفشية في أديرة وأبرشيات في كل القارات، مروراً بمدارس التنشئة والإكليريكيات، وصولاً إلى الفاتيكان نفسه. والقضية أيضاً متشعبة، إذ تفتح قضايا أخرى، شائكة بدورها، غير مرتبطة حكماً، كما يوحي بعضهم، بجرائم الاعتداء على قاصرين، مثل انتشار المثلية الجنسية في الكنيسة، والتي تشمل نسبة لا بأس بها من الكهنة والأساقفة، وهو ملف يأخذ حيزاً كبيراً من النقاش، تضاف إليه مسألة عزوبية رجال الدين.
لا بد من التوقف، أولاً، عند حدث المكاشفة في حد ذاته، وقد فرضه البابا فرنسيس على الأساقفة كأمر واقع. فعلى رغم سنوات التعتيم، بادرت الكنيسة الكاثوليكية، ولو متأخرة بفعل هذه الأزمة، إلى عملية مواجهة مع النفس، علماً أن التركيز ينصبّ على الكنيسة الكاثوليكية فحسب، من دون الالتفات إلى كنائس أخرى، كما نسمع ونقرأ في الإعلام الغربي. إذ لا يُعقل التركيز على ارتكابات تحصل فقط في الكنيسة الكاثوليكية، في حين أن هناك إحصاءات علمية دقيقة عن جرائم مماثلة، تحصل داخل مؤسسات دينية تابعة لغير هذه الكنيسة، لكن هذه الأخيرة يتم تجاهلها، علماً أن توسع الكنيسة الكاثوليكية من خلال مؤسساتها التربوية والصحية والدينية وأديرتها في أغلب دول العالم، وانتشار عشرات الرهبانيات والإرساليات، بخلاف كنائس أخرى، ساهم أيضاً في تسليط الضوء على حجم الجرائم المرتكبة.
 
لولا حملة الضغط الإعلامية لبقيت الانتهاكات مدفونة داخل جدران الفاتيكان
 
وعلينا، بالدرجة الثانية، أن نعترف بأهمية الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الدولية الجدية، على رغم اتهامات بخلفيات سياسية ودينية وراءها، في تسليط الضوء على أهوال هذه القضية. فقد رفضت وسائل إعلام معروفة الرضوخ لضغوط الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، أو في الدول الأخرى حيث تتمتع بنفوذ سياسي وقضائي قوي، وتمسّكت بنشر شهادات الضحايا. وهؤلاء هم اليوم العصب الحقيقي لكل ما يذهب الفاتيكان اليوم إلى كشفه، بعد سنوات طويلة من التستر خلف جدران مغلقة.
وفي الوقت الذي يدفع الفاتيكان فيه هذه الملفات إلى النور، يصدر كتاب «سودوما» (Sodoma) للكاتب فريدريك مارتيل، حول المثلية الجنسية في الفاتيكان. وقد بدأت أصوات كنسية تندد به وتعتبره مجرد مزاعم وتحليلات. يضمّ الكتاب شهادات وتحقيقات حول الكهنة والأساقفة المثليين، وارتفاع عددهم، وتسلّمهم مراكز أساسية، ووجود شبكات دعارة في تصرفهم. ويركز على الحياة السرية لهؤلاء الكهنة والأساقفة، والتكتم حولها ولو كانت معروفة داخل الفاتيكان. ويعزو التستر على جزء من فضائح الاعتداءات الجنسية إلى إرادة حماية أفراد بارزين من الإكليروس، وتجنيبهم مغبة الإفصاح عن هويتهم الجنسية. كما يستعرض الكتاب كيفية معالجة هذه الأزمة في ظلّ ثلاثة بابوات هم: يوحنا بولس الثاني، وبنديكتوس السادس عشر، وفرنسيس.
وكتاب فردريك مارتيل، الموزع بين تحقيقات في أوروبا وأميركا اللاتينية، ليس الأول من نوعه. فقد سبقته كتب عدة، أبرزها كتاب «جنس في الفاتيكان» (2011) للصحافي الإيطالي كاوميلو أباتيه، وفيه أيضاً تحقيقات مفصلة عن الاعتداءات الجنسية على راهبات، والإجهاض، وأولاد الكهنة الذين يعيشون حياة مزدوجة. ومن جهة ثانية، كثرت التحقيقات الصحافية المكتوبة والمتلفزة على مدى سنوات، التي تسلط الضوء على كهنة وأساقفة ظلوا يمارسون عملهم كمرشدين مع الأطفال، سواء في الأبرشيات نفسها أو في أبرشيات أخرى، على رغم كونهم متهمين (أو مدانين) بالاعتداءات الجنسية. هكذا نراهم يكررون اعتداءاتهم.
ولا بد من الإشارة إلى الأفلام التي تناولت جرائم الاعتداء الجنسي داخل الكنيسة، وتضمنت شهادات الضحايا حول طبيعة الاعتداءات التي تعرضوا لها على يد كهنة وأساقفة نافذين وغير نافذين. نشير إلى فيلم فرانسوا أوزون الجديد، «بحمد الله»، الذي أثار جدلاً واسعاً خلال الأسبوعين الماضيين، وانتصر قضائياً على محاولات منعه من العرض. وقبله، في العام 2015، أخرج الأميركي توم مكارثي فيلمه «Spotlight»، حول قضية شهيرة في الولايات المتحدة، إذ كشفت صحيفة «بوسطن غلوب» عن سلسلة اعتداءات ارتكبها الكهنة بحق أطفال، والمحاولات التي قام بها كرادلة ومسؤولون لمحاولة التغطية على تلك الجرائم، منذ السبعينيات وحتى العام 2002.
إن دور وسائل الإعلام والكتب والأفلام التي عُنيت بهذا الموضوع الحساس يأخذ أهمية قصوى في مواجهة الصمت المدوي للإكليروس، وحتى العلمانيين الذين يرضخون لضغط السلطة الدينية. صحيح أن الفاتيكان كان دائماً محط الأنظار بفعل عدد من القضايا والاتهامات التي تحيط برجاله، مثل ملفات المصارف والأموال، وارتباط نافذين فيه بالمافيا الإيطالية، ومحاربة الكنائس الأخرى، والوقوف إلى جانب الديكتاتوريات والنازية، لكن مشكلة التحرش الجنسي، وعمرها سنوات طويلة، لم تُطرح جدياً إلا في الآونة الأخيرة، وصولاً إلى «قمة الاعتداءات الجنسية» التي ترأسها البابا فرنسيس؛ وذلك نظراً لحساسيتها وسكوت العدد الأكبر من الضحايا. ولولا حملة الضغط الإعلامية الدولية لبقيت مدفونة داخل جدران الفاتيكان والكنائس والأديرة، تماماً كما حصل في إيرلندا أوائل القرن الماضي، مع قضية الراهبات اللواتي كنّ يسلبن أولاد الأمهات العازبات لتسويقهم خارج البلاد، والاعتداءات التي كانت تحصل أيضاً في أماكن التبشير في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. والأهم، لولا الضغط الدولي، لكان القضاء المدني لا يزال خاضعاً لتأثير سلطة الكنيسة والنافذين فيها، علماً أن الأمور لا تزال في بدايتها، خصوصاً في بلاد تدين فيها الطبقة السياسية بالولاء للكنيسة.
 
ونصل هنا إلى خطوات الفاتيكان الأخيرة التي تكتسي دلالات رمزية مهمة. فمجرد حصول قمة استثنائية عن الاعتداءات والشهادات المتلفزة التي عرضت فيها حدث مهم. لكن القمة التي رأسها البابا فرنسيس، ودعا فيها إلى معركة شاملة ومفتوحة مع «الذئاب المفترسة»، تحتاج إلى برنامج عمل واضح وشفاف. فخطاب البابا نفسه لم يلقَ إجماعاً من منظمات معنية بحماية الضحايا، ومن مؤسسات قريبة من الكنيسة، وحتى وسائل إعلام كاثوليكية. رأت فيه هذه المنظمات كلاماً عاماً ومكرراً، وهي تطالب الفاتيكان برفع الغطاء عن المرتكبين، وتسهيل عمل القضاء المدني، وتقديم هؤلاء إلى العدالة، خصوصاً أن كثراً من المعروفين بانتهاكاتهم لا يزالون في مراكزهم، أو يوجد فيها كرادلة ومطارنة يتسترون على أفعال كهنة وزملاء لهم.
لكن الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الداعين إلى الإصلاح الفعلي، ليس فقط محاكمة المرتكبين، والاعتراف العلني، والاعتذار عما حصل، ومعالجة الضحايا، والاعتراف بآلامهم النفسية والجسدية، إنما أيضاً درس أسباب المشكلات المتفاقمة، على مستويين: أولاً الاعتراف بمشكلة المثلية، ليس من الناحية النفسية والطبية بطبيعة الحال، بل بالسعي لتبيان الأسباب الحقيقية لارتفاع عدد المثليين في الدوائر الفاتيكانية والأبرشيات، ودراسة مدى ارتباطها بالاعتداءات على الأطفال. وثانياً كيفية معالجة أسباب التغطية على الارتكابات الجنسية، سواء كان الاعتداء على الأطفال أو النساء من راهبات وعلمانيات.
في الجزء الأول من «Sodoma»، يتركز الكلام على الاعتراف الكنسي أخيراً بوجود المثلية كأمر واقع. ويلقي الضوء على ارتفاع أعداد المثليين وتسترهم والعلاقات الجنسية بين الرؤساء والمرؤوسين، لا سيما في مرحلة سابقة شهدت لجوء شبان مثليين إلى الكهنوت كمجال رحب لتقدمهم في المجتمع الإيطالي، وتدريجاً في مجتمعات أخرى، حين لم يكن في الإمكان إظهار ميولهم الجنسية، كما هي الحال اليوم، لا سيما في أوروبا والولايات المتحدة. ويطرح أيضاً أسئلة يتداولها معنيون علمانيون في الكنيسة، ومسؤولون كنسيون، حول معنى البتولية والعفة التي ينذرها الكهنة. فانتشار المثلية في الوسط الكنسي يثير إشكالات عدة. وليست الغاية «معالجة المثليين»، أو الحكم عليهم كتوجه جنسي، إنما معالجة توجه الكنيسة ورؤيتها لهذا الواقع، وقبولها العلني لا السري ـــ كما هي الحال اليوم ـــ بوجود كهنة مثليين… والقبول بوجود حياة جنسية للكهنة سواء مع الجنس نفسه أو مع الجنس الآخر.
يجب أن تتصدّى الكنيسة فعلياً لهذه الأزمة بما يبقي على نزاهتها
 
والكتاب أيضاً يلفت إلى واقع السلوك الجنسي في وسط ذكوري حصراً، خصوصاً في الإكليريكيات ومدارس التنشئة، حيث يعيش مئات المراهقين والشباب سويةً، معزولين عن المحيط النسائي بالمطلق. وفي العام الماضي، عقد «سينودوس الشباب» في الفاتيكان. ومن بين المواضيع التي طرحت «عزوبية الكهنة»، وسط تزايد الدعوات إلى البحث المعمق حولها. إذ تختلف الآراء بين قائل بكون العزوبية تقليداً يعود فقط إلى القرن الحادي عشر ويمكن تغييره، وبين قائل إنه عقيدة يفترض الاستمرار بتطبيقها، لأنها تساعد الكاهن على أن يكرس نفسه أكثر للكنيسة وللمسيح. اللافت أن مسؤولين رفيعي المستوى في الفاتيكان أيدوا الموقف حول تغيير هذا التقليد. وكذلك، فإن البطريرك الماروني، الكاردينال بشارة الراعي، أدلى بسلسلة أحاديث لصحف فرنسية حينذاك، تدعم التوجه الشرقي الذي يسمح بزواج الكهنة، خلافاً للكنيسة الغربية، متحدثاً عن حسناته، لا سيما بالنسبة إلى كاهن الرعية، وحسنات هذا الزواج، لا سيما لجهة إبقاء الكاهن في أجواء عائلية وعاطفية مريحة.
هذا النقاش يتجدد اليوم في موازاة فتح ملف المثلية الجنسية، وهو أمر يحتاج أولاً إلى رؤية الفاتيكان للأمر الواقع، ووضع حد لازدواجية المعايير في التعامل مع الحقائق، كما حصل مثلاً حين رفض الفاتيكان تعيين سفير فرنسي مثلي لديه، على رغم أن المرشح نفسه يشغل منصباً ديبلوماسياً في سفارة بلاده منذ سنوات من دون أي اعتراض. والنقاش يأخذ مداه في التمييز بين الاعتداءات كفعل إجرامي، وبين الحالة المثلية بذاتها التي يعيشها الكاهن أو الأسقف كخيار جنسي خاص، من دون أي أفعال جرمية.
الجزء الثاني يتعلق بإدارة أزمة الاعتداءات، في ظل إخفاء الملفات وإتلافها، وتعمّد إغفال الوقائع والتستر على المتورطين، سواءً في اعتداءات ضد الأطفال أو النساء. فما جرى حتى الآن لا يصل إلى مستوى كرة الثلج، لأن البابا نفسه أعطى توصيفات من دون معالجة جذرية. ولم يوضح الحبر الأعظم أسباب التغاضي عن المعتدين طوال سنوات، ومن يتحمل المسؤولية الفعلية عن الجرائم على رغم انكشافها تباعاً. ولم يتناول حالة الصمت الطويلة التي منحت المعتدين نفوذاً أكبر على ضحاياهم، في عهد ثلاثة بابوات متعاقبين في العقود الأخيرة. وقد تكون القضية سابقة في ظلّ بابوات آخرين، لأن «النظام» هو نفسه الذي سمح بالتستر على الجرائم، على رغم كل ما أثير حوله كتباً وإعلاماً وأفلاماً، وعلى رغم التحرك القضائي وتسمية الأسماء المعروفة في الوسط الكنسي بتورطها. أضف إلى ذلك وجود دوائر فاتيكانية لا تخضع لأي قضاء أو أي محاسبة، من ألمانيا حيث نشرت دراسة في العام 2018 أشرف عليها مؤتمر الأساقفة الألمان، تحدثت عن اعتداء على 3677 طفلاً خلال سبعين عاماً على يد 1670 كاهناً، إلى فرنسا حيث يحاكم أسقف ليون فيليب باباران، بتهمة التستر على جرائم مماثلة، مروراً بدول أميركا اللاتينية وبالولايات المتحدة مع استقالتين متتاليتين لأسقفَي واشنطن دونالد ويرل، وسلفه ثيودور ماكاريك، بتهم التحرش والتستر أيضاً. والقضية لا تقتصر فقط على اعتداءات على الأطفال، إذ إن ما حدث مع راهبات طوال سنوات خدمتهن في أبرشيات كان أيضاً معروفاً في الهند وأفريقيا والتشيلي. لكن الفاتيكان اعتمد دوماً سياسة السرية في معالجة هذه المشكلات والتعمية عليها، حتى أصبحت سلوكاً «طبيعياً»، وتقليداً لا يخرقه حتى البابوات الأكثر تقدماً.
يبقى أمر أخير، في فيلم «شك»، حول حقيقة اعتداء كاهن على أحد الأطفال، تُطرح إشكالية الشك حول الاتهامات الجنسية. وهو أمر مبرر وضروري، لأن فتح ملف الانتهاكات لا يمكن أن يطاول جميع الكهنة والأساقفة من دون استثناء، كما لا يمكن أن يشمل كل المؤسسات الكنسية. وقد سبق أن شهدنا في لبنان وغيره من الدول افتراءات من هذا النوع على كهنة، بعدما أصبحت جاهزة وجذابة إعلامياً. وما حصل في بولونيا قبل افتتاح القمة أحد الأمثلة: لقد أزال معارضون للكنيسة المحافظة تمثال المرشد الروحي لحركة التضامن والذي توفي عام 2010، بعد اتهامات طاولته بالاعتداءات على شبان وشابات، ثم أعيد التمثال إلى مكانه لأن الاتهامات بحسب المدافعين عنه، سببها اليسار المعارض لحضور الكنيسة وتأثيرها السياسي. وهنا أهمية ابتعاد القضاء عن سلطة الكنيسة والإعلام على السواء. كما يجب أن تتصدّى الكنيسة فعلياً في الفاتيكان والكنائس كافة، ومنها لبنان، لهذه الأزمة، ما يبقي على نزاهتها في عدم مساواة الأبرياء من الكهنة مع المجرمين، وفي الحفاظ على الإرث الحضاري والديني… فلا يُلطّخ الشرفاء بسبب ارتكابات جرمية وسياسة الصمت غير المجدية.
 
عدد القراءات : 5841
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245574
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020