الأخبار |
العقوبات الاقتصادية نعمة وليست نقمة..وفي تجارب الآخرين ما يؤكّد ..؟؟  إطلاق نار في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وأنباء عن 4 جرحى!  لجنة الانتخابات الروسية: نسبة دعم التعديلات الدستورية 78.03% بعد فرز 99.01% من الأصوات  ليبيا... طيران مجهول ينفذ غارات جوية قرب قاعدة الوطية العسكرية غربي البلاد  كيف تفكر كصحافي؟.. بقلم: عائشة سلطان  تركيا.. حصيلة إصابات كورونا تتجاوز الـ 200 ألف حالة  الصحة: تسجيل 14 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 5 حالات  ما الذي تريده أميركا من المنطقة والعالم؟.. بقلم: محمـد ح. الحاج  العميد حاتم الغايب رئيس اتحاد كرة القدم : مستوى الدوري دون الوسط وسنتوسع في التحقيق بادعاءات وجود فساد فيه  القوات الأمريكية تنشئ مطارا عسكريا شمال شرقي سورية  أرقام مخيفة… كيف تبدو الحرب بين أمريكا والصين  إيطاليا.. 21 حالة وفاة بكورونا خلال الـ 24 ساعة الماضية  سيناريو الصدام التركي ــ المصري: رابحون وخاسرون  رفع أسعار مواد «الذكية» بناءً على طلب «السورية للتجارة» وتغير سعر الصرف الرسمي  أوروبا تفتح حدودها: غير مرغوب بالأميركيين!  روان عليان: لكل صوت بصمة.. ولكل أذن هوى وذوق في المغنى  قانون الأمن القومي نافذاً في هونغ كونغ: الكباش الصيني ــ الأميركي متواصل  بوتين وروحاني: سنواصل دعم سورية في حربها على الإرهاب حتى دحره نهائياً     

شعوب وعادات

2017-10-19 05:16:07  |  الأرشيف

«البسكليت» طريقنا لمدن صديقة للبشر.. ونساء يكسرن التقاليد بقيادتها..الحرويل: لا تفسير منطقياً لـرفض المجتمع ومـن لايعجبه فلـيغضّ بصره

منال صافي   
تحتفظ الدراجات الهوائية بمكانتها في شوارعنا كأحد أهم وسائل التنقل الشعبية الرخيصة والسهلة، لكنها تحولت مؤخراً لدى البعض إلى حاجة ملحة للهروب من الازدحام المروري الذي فرضته الأزمة وما رافقها من تهجير للمواطنين واكتظاظ سكاني وتغير في الحركة المرورية، غير أن اللافت في الأمر هو نجاح بعض الفتيات في كسر حاجز الخوف والقيود والعادات التي ترى في قيادة المرأة للدراجة الهوائية أمراً غير محبذ، إذ يعتبرن الأمر طبيعياً وقانونياً وينصبّ في إطار الحريات الشخصية وليس موضوعاً للنقاش مادام هذا الأمر لا يؤذي أحداً.
«يلا عالبسكليت»
بدأت الفكرة بإطلاق مجموعة من الشباب مبادرة تضم عدداً لا بأس به من الفتيات منذ عام 2013 تشجع على ركوب الدراجة، ووضع أفرادها أهدافاً استراتيجية للوصول إلى مدينة نظيفة بيئياً والتقليل من نسب التلوث باستخدام «البسكليت» كوسيلة أساسية للمواصلات، إذ يتطلعون خلال السنوات الخمس القادمة لتأمين مسارات خاصة للدراجات /3/ شوارع رئيسة في مدينة دمشق بطول إجمالي /40/ كم، وأن يصل عدد الدراجات المرخصة في مدينة دمشق إلى /75/ ألف دراجة هوائية، وتعليم /7000/ شخص على ركوب الدراجة الهوائية على مدى السنوات القادمة، وخفض عدد حوادث الدراجات الهوائية إلى حد معين، وتأمين قرض للحصول على دراجة ومنح /10/ آلاف قرض، وتنظيم نشاط يوم الدراجة السنوي بمشاركة /10/ آلاف شخص والتقيد بشروط الأمان والسلامة لركوب هذه الدراجات إضافة لتأمين /7/ نقاط إيجار للدراجات في مدينة دمشق و/10/ آلاف دراجة للاستخدام العام بإيجار رمزي إضافة إلى تأمين /5000/ موقف دراجة هوائية في أنحاء دمشق على /200/ نقطة وتوقيع مذكرات تفاهم مع جمعيات ومنظمات في سورية بهدف نشر ثقافة الدراجات بين متطوعين ودعم هذه المنظمات وتأسيس جمعية مع نظام داخلي.
يرى القائمون على المبادرة أن التحدي الأكبر لركوب الدراجة هو تحد ثقافي ناجم عن عادات وتقاليد قديمة إضافة إلى حالة الحرب وما يرافقها من نزوح وهجرة وضغط مروري كبير في المدن الآمنة ما يجعل الأولويات مختلفة لدى العديد من الشرائح وفي هذه الظروف استطاع فريق مبادرة «يلا عالبسكليت» وهيئة إدارته المكونة من /29/ دراجاً و/200/ متطوع، وداعميه الذين يتجاوز عددهم الـ/30/ ألفاً أن يحولوا فكرة تمر في الأذهان إلى واقع ملموس.
بدوره محمد بوظو قائد المبادرة يرى أن الصعوبات التي تواجههم تتمثل بتأمين اللوجستيات والمعدات اللازمة، فهذه الرياضة تعتمد على العديد من الأدوات كالدراجة ووسائل الحماية، وهذه التكاليف وتأمينها من أهم العقبات في بعض الأحيان.
وفيما يتعلق بدعم الجهات الرسمية للأنشطة والفعاليات التي تنظمها المبادرة أكد ضرورة الدعم والمساعدة المقدمة بدءاً من تأمين الشوارع وإغلاقها وانتهاءً بحجز الأماكن المخصصة كالملاعب والقاعات.
كسر الحاجز
في مشهد كان غير مألوف قبل الأزمة، وكان حكراً على الرجال يدخل الجنس اللطيف اليوم على خط ركوب «البسكليت».
تقول سارة الزين- مسؤولة من فريق المبادرة ومسؤولة الموارد البشرية: عندما أنشأنا المبادرة لم نر إلا عالماً تخجل النساء فيه من ممارسة أبسط حقوقهن، ولكن تبين أنه عندما تتخلى المرأة عن مخاوفها يمكن أن تنجح، كما أن التفكير بما يقوله المجتمع ليس فرصة للازدهار إن لم تكن نساؤه قويات وهذه المبادرة حملت في طياتها قيم المساواة والتحرر.
أما بالنسبة لعائشة الحرويل 24 عاماً وتعمل مهندسة طبية فأصبحت الدراجة حاجة لها منذ السنة الثانية للجامعة، إذ عانت الأمرين من المواصلات والاختناقات المرورية والوقت الطويل الذي تستغرقه للوصول إلى الجامعة وتأخرها عن أغلب المحاضرات. ولا تخفي أنها تعرضت في البداية لكثير من الانتقادات والمعارضة ولاسيما من قبل أهلها لكنها اشترت الدراجة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع.
وتقول: قبل الأزمة كان غير مرحب بالنسبة للمرأة هذا النوع من النشاط وأنا لا أفكر بالامتناع عن القيام بعمل لمجرد ان المجتمع لا يتقبله، وقد بحثت في أسباب عدم تقبل المجتمع لكن لم أجد تفسيراً منطقياً لرفضه، لكن العادات والتقاليد هي من لا يقبل، وأهلي في البداية كانوا أول المعارضين للفكرة لكني اشتريت الدراجة ووضعتهم أمام الأمر الواقع ومع الوقت وجدت من يؤيد فكرتي.
وتؤكد أنها تريد نشر هذه الثقافة بين الفتيات لذلك فهي تنتبه كثيراً إلى تصرفاتها أثناء قيادة الدراجة فتتجاهل كل الانتقادات و«التلطيشات».
وتتوجه بالقول لكل من ينتقدها بأنها تقود الدراجة للوصول إلى مكان عملها وهي لا تسبب الأذى لأحد أما بالنسبة لمن لا يعجبهم المشهد فيمكنهم غض البصر.
بدورها نجاح لحومة 33 عاماً طالبة حقوق في الجامعة الافتراضية تقول إنها واجهت في البداية بعض الصعوبات الناجمة عن رفض المجتمع للفكرة لكنها لم تستسلم.
وتضيف: أصبحت الدراجة صديقتي المفضلة، استخدمها عند ذهابي للعمل وعندما أشتري حاجاتي من السوق وعندما أرى أصدقائي وأخرج يومياً للقيام بجولة مسائية، ولها فوائد عديدة منها الحفاظ على التوازن البيئي ونظافة الطبيعة والحفاظ على اللياقة البدنية والجسدية والمساعدة في التخفيف من ضغط المواصلات وأزمة السير والازدحام والوصول بأقل وقت وأقل كلفة والمشاركة بمسيرات جماعية وثقافية لتشجيع الجميع على ركوب الدراجات والاستمتاع بقضاء وقت جميل وممتع وصحي في وقت واحد.
مطالب محقة
من المهم جداً بالنسبة لبوظو أن يحظى راكبو الدراجات بالدعم المادي لتغطية نفقات إقامة نشاطاتهم بشكل أوسع لتشمل شريحة أكبر من المستفيدين.
وفي رأيه إن البنية التحتية غير مناسبة بشكل عام، بدءاً من ضيق الشوارع وعدم استوائها، مروراً باختلاط مسارات الدراجات والسيارات في طريق واحد، على عكس معظم الدول التي تخصص مساراً للدراجات ليكون سائق الدراجة أكثر راحة وثقة لعدم تعرضه لخطورة للحوادث.
وتتفق معه الحرويل بضرورة وجود مسارات خاصة لراكبي الدراجات على الطرق الرئيسة إضافة إلى قرار يحدد هوية بصرية، لافتة إلى أن سائقي السيارات لا يحترمون راكبي الدراجات وينظرون لهم كمتطفلين على الشارع أو مراهقين (صايعين)، إضافة إلى ضرورة إيجاد أماكن لركن الدراجات الهوائية لأنها تضطر إلى إدخالها لمكان عملها في قسم الصيانة لحمايتها من السرقة.
أما لحومة فتطالب بأن تحظى هذه الخطوات بالدعم الإعلامي لتبقى المبادرات مستمرة وتقدم كل شي يخدم مصلحة الوطن والمواطن.
قيد التنفيذ
من الأهمية بمكان التوجه إلى الجهات المعنية بالسؤال: لماذا لا يوجد في شوارع مدننا مسارب ومواقف خاصة بالدراجات الهوائية أسوة ببقية دول العالم المتحضر؟
يجيب المهندس عبد الله عبود- رئيس هندسة المرور في محافظة دمشق أن كل الدراسات والمشاريع الحديثة المتعلقة بإعادة تأهيل الطرقات تأخذ بالحسبان وجود مسارب خاصة بالدراجات الهوائية والنارية لمعظم المناطق في مدينة دمشق، وهذا الأمر ملحوظ في طريق شارع بيروت الذي خضع للصيانة مؤخراً، فهناك مسرب خاص للدراجات وفق مواصفات قياسية.
ويتابع أنه لدى المحافظة دراسة لإيجاد مواقف خاصة للدراجات الهوائية في الجامعات والحدائق وتم تشكيل لجنة خاصة لدراسة هذا الموضوع، إذ حددنا المواقف وشكلها والموضوع يتطلب فقط التنفيذ، غير أن التنفيذ يحتاج إلى تمويل لأن إيجاد هذه المسارب يتطلب إعادة تخطيط للشارع بأكمله من جديد ووضع لصاقات وهناك أولويات اليوم كتأمين المحروقات والخبز والمواد التموينية، مشيراً إلى أن هذا النوع من الدراجات لايخضع لرخصة لكنها تأخذ لوحة من المديرية وبطاقة تعريف عن راكبها ووصل عدد الدراجات لحوالي 20 ألف دراجة.
تلوث مخيف
لا تقتصر أهمية ركوب الدراجة على أنها رياضة للجسم وتوفير الوقت والمال فهي تحقق آثاراً إيجابية كبيرة على البيئة والصحة ومن هنا تأتي ضرورة التشجيع لهذه الثقافة وترويجها.
وفي أحدث إحصائية لوزارة النقل وصل عدد السيارات المسجلة في مديريات النقل إلى مليونين و45 ألف مركبة، وبلغ معدل الاستهلاك لكل المركبات العاملة على البنزين حوالي مليار ونصف المليار ليرة عام 2016، كما بلغ عدد المركبات المسجلة في مديرية نقل دمشق 530 ألف مركبة عاملة على البنزين والمازوت (الديزل) منها حوالي 100 ألف عاملة على المازوت.
بدوره المهندس رجائي حداد- مدير الشؤون الفنية والبنى التحتية في الوزارة تحدث عن التلوث البيئي الذي تسببه المركبات ولفت إلى دراسة أعدتها الوزارة عن الآثار السلبية لاستخدام وقودي البنزين والديزل في المركبات وتأثيرها في البيئة، وبينت أن الناتج الرئيس لوقود البنزين هو ثاني أوكسيد الكربون الذي يحجب أشعة ما تحت الحمراء الشمسية كما يحجب الحرارة التي يعكسها سطح الأرض ليلاً ونتج عن ذلك ما يعرف بالاحتباس الحراري.
مضيفاً أن مستوى ثاني أوكسيد الكربون يرتفع إلى حدود تنذر بالخطر وذلك بسبب المحركات التي تعتمد على البنزين، كما يترك البنزين أثراً سلبياً في البيئة لأن احتراقه لايتم بالكامل في المحركات فينجم عنه الغبار وكمية من الهيدروجين غير المحروق إلى جانب مركّبات وسطية سامة تتندى تحت تأثير أشعة الشمس وينجم عن ذلك في المدن الكبرى ما يسمى «السموغ» وهو مزيج من الدخان والضباب الذي يتسبب بأمراض الرئة والأورام الخبيثة، كما يحتوي البنزين على الكبريت الممزوج بذرات الأوكسجين والهيدروجين وثاني أوكسيد الكبريت السام الذي يساهم في تشكيل الأمطار الحامضية.
وبالنسبة لتأثير وقود السيارات في الهواء والصحة تبين الدراسة أن تلوث الهواء هو السبب الرئيس للمطر الحامضي ما يؤثر في أحوال الطقس كما أن الانبعاثات الغازية الناجمة عن محركات الاحتراق الداخلي لكل المركبات تؤدي إلى اطلاق غازات مضرة بالهواء الخارجي وأهمها غاز أول وثاني أوكسيد الكربون وأكاسيد الآزوت والهيدروكربونات والبنزين والعوالق وغيرها.
وأشار المهندس حداد إلى أنه في مدينة دمشق أجريت القياسات للعناصر الضارة التي يحويها الهواء الجوي الملوث وتبين تدني نوعية الهواء النقي وزيادة قيم الانبعاثات الغازية الضارة في الجو بنسب كبيرة وذلك حسب دراسة ملوثات الهواء في مدينة دمشق عام 2009 وتوصلت الدراسة إلى احتواء الهواء على كميات تزيد عن النسب المسموح بها وفق المواصفة القياسية السورية لغازات أول وثاني أوكسيد الكربون وغاز ثاني أوكسيد الآزوت وغاز الأوزون وايتيل البنزين والعوالق الهوائية (الغبار) إضافة إلى ارتفاع نسبة غاز الرصاص ويعد من العناصر الثقيلة الملوثة للبيئة والإنسان والنباتات ويصل تأثيره الضار إلى الجملة العصبية للإنسان ويصعب طرحه من الجسم وتعد وسائل النقل العاملة على البنزين المرصص المصدر الأول لتلوث الهواء بالرصاص وقد انخفض تأثيره بعد استخدام البنزين الخالي من الرصاص وتعميمه على المحافظات.
وفيما يتعلق بدور وزارة النقل لتخفيف نسب التلوث والمشاريع البديلة أجاب بأنه قبل الأزمة كان يجري الحديث عن استخدام وقود الغاز الطبيعي بديلاً لما له من آثار إيجابية على البيئة والهواء والصحة والسلامة والأمان إضافة إلى الوفر الاقتصادي قياساً بالبنزين ومساهمته بانخفاض فترات الصيانة الدورية للمحركات غير أن الأزمة حالت دون تحقيق هذا المشروع.
مدننا تستحق النقاء
أسباب كثيرة اقتصادية وبيئية وصحية تجعل من ركوب الدراجات الهوائية ثقافة يجب أن تنتشر، وعلى الجهات المعنية العمل على تطوير شبكات طرق للدراجات تدعم نظام النقل العام، وعلى الإعلام أن يسلّط الضوء على أهمية هذا النوع من وسائل النقل داخل المدن والترويج له.

عدد القراءات : 6733
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245523
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020