الأخبار |
مصطفى الكاظمي: اختبار النجاح... فالبقاء!  المعلم “الملقّن” لم يعد ينفع.. مدارسنا بحاجة لمدرسين بمهارات عالية!  ما هي خطة ضم الضفة الغربية ووادي الأردن.. وما هي السيناريوهات المحتملة؟  قتل شقيقته ذبحاً بالسكين بعد أن اغتصبها.. والأب متورط بالقتل!  ماكرون يستبدل فيليب بكاستيكس: إصلاحٌ صوَري تمهيداً لانتخابات 2022  هل تعود السياحة في البلدان العربية إلى ما كانت عليه قبل كورونا؟  في مواجهة الحصار: فتّش عن الدعم الزراعي والصناعي  أنت جيّد وهم أنانيون!.. بقلم: عائشة سلطان  لمن ينتظرون فوز "بايدن" برئاسة الولايات المتحدة!!  تركيا تُغرق الاسواق بمليارَي دولار: التهريب يكمل ما بدأته العقوبات  البرلمان التونسي يرفض تصنيف "الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا  حالات الإصابة الجديدة بكورونا في أمريكا تتجاوز 53 ألف حالة  لبنان يفتح حدوده البرية مع سورية الثلاثاء والأربعاء القادمين  الدوري الممتاز لكرة القدم… فوز حطين والوثبة والفتوة يشعل المنافسة على الصدارة والهبوط  ماذا يحدث على الحدود السودانية-الإثيوبية.. اشتباك مسلح يتصاعد بين البلدين فمن يقف خلفه؟  شكراً (كورونا )؟!!…بقلم: خالد الشويكي  عالم تنبأ بـ"كوفيد-19" يحذر من وباء أكثر فتكا في غضون 5 سنوات  إصابات وشفاء ووفاة واحدة.. تطورات "كورونا" في سورية  رجل ينتحر وسط بيروت ويترك على صدره رسالة “أنا مش كافر”!  شركة أمريكية تحصل على إذن المغرب لاقتناء مصنع للطائرات     

سينما

2016-01-25 03:51:19  |  الأرشيف

مهرجان الفيلم الأوروبي: فسحة بيروتية


الليلة، يعود «مهرجان السينما الأوروبية الثاني والعشرون» كعادته إلى «متروبوليس أمبير صوفيل». التظاهرة السينمائية التي تنظمها بعثة الاتحاد الأوروبي، تتضمن 33 فيلماً من آخر الانتاجات الأوروبية وسينما المؤلف، فيما توجّه تحية إلى الراحل عمر الشريف (عرض فيلم لورنس العرب» يوم 2 فبراير)، وتحتفي بـ 400 سنة على رحيل شكسبير من خلال عرض «ترويض الشرسة» لزيفيريللي المقتبس عن مسرحية شكسبير بالعنوان نفسه (30/1 ــ س:22:15).

الفيلم الإفتتاحي هو «بورغمان» للهولندي ألكس فان فارمردام. خيار جريء من جانب المنظمين. في هذا الفيلم الذي رشح للسعفة الذهبية في «مهرجان كان ٢٠١٣»، يغوص المخرج أكثر في عالمه الغرائبي، منتقداً بقسوة فجة حياة البرجوازية الباردة. يبدأ الفيلم بفريق من الشرطة وهو يلاحق شخصاً كما يتضح لاحقاً أنّه يعيش في الغابة تحت الأرض. يتمكن «كاميل» (جان بيجفويه) من الهرب، ويخرج ليحذر بقية رفاقه الذين يعيشون أيضاً تحت التراب، فيدق على الأرض كمن يدق على جرس البيت، ويفتح له الشخص النائم داخلها بكامل أناقته بسعادة في سريره السفلي كما دراكولا أو الشيطان المعاصر. وباستثناء بعض التراب العالق في بذلته، لا شيء يبدو غير عادي في المشهد. قوة المخرج تكمن في قدرته على تصوير أكثر الأشياء غرابة باعتيادية مدهشة، تضاعف من حس الكوميديا المبطن الذي يسيطر على الفيلم. يجول كاميل في إحدى الضواحي الثرية حيث يطرق أبواب المنازل طالباً أن يسمحوا له باستخدام الحمام، فهو لم يستحم منذ سنوات طويلة، طبعاً وسط دهشة من يسألهم، واستغرابه رفضهم لهذا الطلب البسيط. يواصل جولته إلى أن يصل إلى أحد المنازل، وهذه المرة يفتعل مشكلة مع الزوج مدعياً أنّه يعرف زوجته رغم نفيها ذلك. في ثورة غضبه، يتهجم الزوج على كاميل ويشبعه ضرباً. مع ذلك، لا يغادر كاميل المنزل فيما الزوجة مدفوعة بإحساسها بالذنب، تسمح له بالبقاء خفية عن زوجها. هنا يعبر الفيلم من الغرابة المضحكة نحو عالم أكثر تعقيداً هو مزيج بين الواقعية والسوريالية.
يشرح المخرج يوميات هذه العائلة الثرية وأولادها. الزوج يذهب إلى عمله ليحضر المزيد من المال والمجوهرات لزوجته، فيما الأخيرة ضجرة تشغل يومها بين الاهتمام بالوافد الجديد كاميل ورشق الألوان على الكانفاس في مرسمها الخاص في محاكاة للفن الحديث ضمن نظرة المخرج الساخرة وجو البرودة المقلقة الذي يمثله عالم هذه العائلة المثالي المنفصل عن الواقع، إلى درجة تستدعي الشعور بالذنب كما تقول الزوجة لزوجها في أحد المقاطع. يمثل كاميل كأنما هذا العقاب الإلهي أو الشيطاني الذي تنتظره الزوجة، أو عامل التدمير الذاتي الذي سينقذها من هذه الحياة السعيدة المقلقة التي لا يحدث فيها شيء على الإطلاق. وحين يهم كاميل بالرحيل، ترجوه الزوجة أن يبقى، لكنه مقابل ذلك يشترط عليها لعبة تبادل الأدوار مع البستاني. هذه اللعبة التي ستأخذ الفيلم إلى بعد مختلف، يبدأ بقتل البستاني بطريقة سوريالية على يد كاميل وأصحابه، فينتقلون جميعاً للعيش في منزل العائلة، والعبث بعقولهم وأجسادهم، وتخدير الأطفال، وإجراء عمليات جراحية غامضة لهم. أمر يصوره المخرج بلغة سينمائية فجة ومباشرة، مما ينتقص من الغرابة الطريفة الأولية والذكية للشريط ويجعله أحياناً أشبه بفيلم رعب غير مفهوم. لا يمنع ذلك أن اللغة السينمائية تنقذ الشريط في جماليتها الإستثنائية من الغرابة العشوائية التي تؤول إليه الأحداث.
أيضاً في عالم سينمائي لا يقل خصوصية عن الأول، تدور أحداث فيلم «إيدا» (26/1 ـ س:20:00) للبولندي بافيل باوليكوفيسكي الحائز أوسكار أفضل فيلم أجنبي السنة الماضية، وهو أول فيلم بولندي يحصد هذه الجائزة. «آنا» شابة يتيمة في أحد الأديرة في بولندا في الستينات تستعد لنذر نفسها للرب والدخول في حياة الرهبنة، لكن قبل ذلك، تصر الراهبة الأم على أن تذهب آنا لزيارة خالتها «واندا» الفرد الوحيد المتبقي من عائلتها والتعرف إليها قبل القيام بنذورها. رحلة «آنا» إلى خارج الدير تقودها إلى استكشاف هوية أخرى عن نفسها كانت حتى الآن تجهلها. لدى لقائها بخالتها «واندا»، تكتشف أنها ولدت يهودية، وأن أبويها قتلا أثناء حقبة النازية وأن إسمها الحقيقي هو «إيدا». غير أن ذلك ليس وحده ما يصعب على «إيدا» مواجهته، بل شخصية خالتها التي تمثّل نقيضها، في تحررها وعلاقاتها الجنسية المتعددة وإدمانها الكحول. البرودة الأولية التي نحدسها في شخص الخالة خلال لقاء إبنة أختها، سرعان ما تتبدد، فتتخلى عن دفاعاتها الذاتية، ويظهر دفء المشاعر التي تكنها لها، لكن أيضاً مع استعادة الذكريات، يعود الألم الذي حاولت «واندا» الهروب منه عبر عدم محاولة إيجاد «إيدا». تذهب الإثنتان لاحقاً في رحلة للبحث عن بقايا عائلة «إيدا» التي قتلت، وأيضاً إبن «واندا» كما نكتشف لاحقاً، في محاولة لدفن هذا الماضي الذي لا يعترف به أحد. ورغم قسوة الموضوع وكثرة تناوله سينمائياً، إلا أن المخرج نجح في شريطه المصور بالأسود والأبيض في تقديم لغة سينمائية آخاذة في هندستها البصرية، والرموز التي تقترحها بتصوير موضوع الهولوكست من زاوية استثنائية، مبتعداً عن تصوير مشاهد العنف المجانية أو القسوة المباشرة.
بخلاف ذلك، يقدم المهرجان حوالى 33 فيلماً من أهم إنتاجات السينما الأوروبية هذه السنة أو ما سبقها، كما «حكاية الحكايات» لماتيو غاروني (29/1 ــ س: 22:15) من بطولة فنسنت كاسل وسلمى حايك الذي رشح للسعفة الذهبية في «مهرجان كان ٢٠١٥» أو من النرويج ضيفة المهرجان هذه السنة، إضافة إلى سويسرا وصربيا. ومن الأفلام المنتظرة «أعلى صوتاً من القنابل» للنرويجي جواشيم تراير من بطولة الممثلة إيزابيل هوبير الذي رشح للسعفة الذهبية، و«شباب» (28/1 ـ س:19:30) للإيطالي باولو سورنتينو مخرج «الجمال العظيم» الحائز أوسكار افضل فيلم أجنبي، و»45 سنة» لأندرو هاي (27/1 ــ س: 20:00) التي حازت عنه الممثلة شارلوت رامبلينغ جائزة الدب الفضي في «مهرجان برلين السينمائي» هذه السنة، والعديد غيرها. أيضاً، يعرض للمرة الأولى في لبنان فيلم « ٣٠٠٠ ليلة» للمخرجة مي المصري (راجع مقال الزميل علي وجيه)، إلى جانب أربعة أفلام كوميدية مختارة من كلاسيكيات السينما الأوروبية بين ١٩٦٣ و ١٩٨١. كذلك، يولي المهرجان اهتماماً خاصاً لسينما الأطفال هذه السنة، فتعرض ثلاثة أفلام روائية طويلة، سيدعى أطفال من الطبقات الأكثر احتياجاً واللاجئون لمشاهدتها مجاناً. أيضاً، سيعرض فيلم «الإبتزاز» (١٩٢٩) للمعلم ألفرد هيتشكوك في نسخته المرممة بالتعاون مع «جمعية متروبوليس» ويرافق العرض عزف مباشر من تأليف وأداء عازف الموسيقى الإلكترونية ساري موسى المعروف بـ radiokvm. ويواكب المهرجان أزمة النفايات في لبنان من خلال عرض وثائقي trashed للمخرجة كانديدا برادي حول تلوث البيئة، تليه مناقشة حول أزمة النفايات في لبنان وجهود الإتحاد الأوروبي لمعالجتها، إضافة إلى عرض أفلام قصيرة لطلاب من مختلف الجامعات اللبنانية. وسيمنح المهرجان كعادته للسنة جائزتين للأفلام المختارة الفائزة.

عدد القراءات : 7565

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245569
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020