الأخبار |
علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  شعبية ترامب وأوراق بايدن.. بقلم: د. أيمن سمير  أعداد الإصابات تحلّق عالمياً: الفيروس يطال بولسونارو  مسلسل التفجيرات «الغامضة» يتواصل: إسرائيل تراهن على «أزمات» إيران  الصين تفرض رقابة على الإنترنت... وأميركا تدرس حظر تطبيقات صينيّة  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !  فرنسا.. حكومة جان كاستيكس: ماكرون «زعيم اليمين» الجديد؟  الجزائر: تسجيل 475 إصابة جديدة و9 وفيات بكورونا خلال الـ24 ساعة الأخيرة  “3 أعوام من الفوضى تكفي”.. جماعات جمهورية تستعد لإسقاط ترامب!  FBI: نفتح قضية جديدة متعلقة بالصين مرة كل 10 ساعات  الصحة العالمية تعلق على درجة خطورة تفشي الطاعون الدملي  ليبرمان يفتح النار على نتنياهو.. لماذا وصفه بالتابع الجبان؟  الجمهوريون في مأزق: ترامب و«كورونا» عدوّان انتخابيّان  هي كلمة للقيادة الرياضية السورية الجديدة.. بقلم: صفوان الهندي  حباً بالعدالة فقط!.. بقلم: زياد غصن  البرلمان المصري يحذر من يقترب من ثروات مصر في البحر المتوسط: ستقطع رجله  عودة «تنقيط الصواريخ»: غزة على طاولة قادة العدو  موسكو تتوعد لندن بالرد على عقوباتها  ماكرون يبقي على وزيري المالية والخارجية في حكومة كاستيكس  نجمة تونس الأولى نادرة لملوم: الصدق والوضوح هما مفتاح قلبي وهذه هي خطوطي الحمراء     

افتتاحية الأزمنة

2019-05-07 20:53:34  |  الأرشيف

وحدة المجتمع

الوطن السورية

ينادى بها، ويعلو شأنها لحظة الشعور بأنَّ انهياراً ما قريبٌ حدوثه أو حاصلٌ، وأنَّ تفككه إن لم ينتبه له ناجز، وهذا يصل إليه نتاج أسباب جمّة، أهمها تدهور الطاقة الإبداعية في الأقلية المبدعة، وتقوقع النخب المديرة له على نفسها وانفصالها عنه، ويتطور التشرذم بعد إصابة هذه الندرة بالعقم الفكري والقصور في إبداع الحلول، وتحوّل هؤلاء القلة إلى قوة مسيطرة على المجتمع، الذي يرد عليها بعدوله عن الولاء لها والابتعاد عن السير وراءها، ليتلو هذا تضعضع العلاقة بين الندرة والكثرة، وتسرّب الإشاعة وانتشارها من دون الرد الفاعل عليها، ومن ثمَّ إحداث الشروخ والسقوط فيها.
وكل طاقة مبدعة تطلق فنونها الإيجابية، وتبنيها من أسس تصل بوساطتها لتأدية رسالتها في المجتمع، الذي تتولى الإشراف عليه وقيادته بشكل يليق بأفرادها تنتج، وإذا عجزت عن إنجاز رسالتها، وأصرّت على استخدام النظم البالية القائمة على الضغط ثم الضغط، فمؤكد حدوث الانفلات، ولقد أثبتت التجارب إخفاق وضرر هذه الأساليب، التي يستتبعها تفكك المجتمعات ونظمها، ويجب ألا يرد أيّ انهيار في المجتمع إلى فعل القضاء والقدر، وألا نحمّل سلطات الطبيعة العنيفة أحياناً السبب، وأن نعزوه بعدم القدرة في السيطرة على البيئة، طبيعية كانت أم بشرية، وأيضاً أن نرمي به على الاعتداءات المحيطة، أو على دخلاء من ضمن البيئة، فقبولنا لهذه التفسيرات يعني أننا غير قادرين على إبداع الحلول، وأننا مجتمع يدعو الإله لحمايته، من دون أن يقوم بأي فعل إبداعي، يحميه ويحمي مقوماته.
كلما تنوع المجتمع احتاج إلى الوحدة التي تتماثل مع الجمال الطبيعي، الذي لا يظهر إلا بتنوّع المشهد، ويتوافق تماماً مع وحدة الوجود المسكونة في وحدة الشهود، أي الخالق مع المخلوقات، وصيغة الأب مع الابن، والروح القدس، التي تنتقل إلى شكل الأسرة المتحدة والحياة ومقتضياتها، لنرى من خلالها أنّ فعل الارتقاء لا يصدر من المجموع، وإنما من شخصيات تحمل سمة الندرة المبدعة، كما أن إدراك الله يكون في نهاية المأساة، التي لا تُحمّله إياها من لحظة بدئها، كما أنّ الندم بأبعاده الخيّرة والشريرة ليس مطلقاً، ولا ينبغي أن نندم بعد وقوع الشيء، بل يجب أن تكون البداية الجديدة فعالة إلى حدٍّ كبير، وفكرة الحرب السائدة بأنها السبب الرئيس لانهيار المجتمعات، تكون صحيحة إذا كان المجتمع مع مبدعيه والقائمين عليه في حالة سبات وعدم انتباه وانشغال إداراته بما تجنيه، بعد أن تكون قد وصلت إلى نظرية الإقطاع الحديث، الذي يعتمد تراكم المال والسيطرة به على المجتمع، بعد أن كان أسلوب الإقطاع القديم تراكم الأراضي والسيطرة عليها وعلى المشتغلين بها، هذان الأسلوبان لم ينفعا أي مجتمع، إنما أديا إلى إحباط أي نهضة، وقتل محاولات الإبداع وتجميد أيّ إصلاح ديني أو سياسي أو اقتصادي، بل على العكس، أخذا بتعزيز دور البطولات الفردية المعزّزة دينياً لا اجتماعياً، وفئوياً لا كلياً.
هل نحن مجتمع يمتلك تاريخاً كي نفاخر به؟ ألا يجب أن نعرف التاريخ أولاً؟ هذا التاريخ الذي يقوم من الإبداع والإنجاز الصناعي والزراعي والسياحي، وأهمه الثقافي الدال على تفوقه، أم إننا اكتفينا بالتاريخ الديني، وجعلناه نبراساً لم نقدر على الخروج منه حتى اللحظة؟ بل أكثر من ذلك ندعي التطور المسكون في داخلنا، ماضٍ جله عقيم، لم يعد له أيّ تأثير في حركة المجتمعات المتقدمة أو الباحثة عن التطور.
إنّ أيّ نهضة تقوم بها الندرة المبدعة مسلّم أن يشعر بها المجتمع، فيأخذ بالاندفاع عفوياً لتأييدها والتفاعل معها بقوة وإيمان، وخاصة إن رافقها تفعيل ثقافي وسياسي، حيث يتكون مثلث استثنائي يمنح طاقات مهمة، تؤكد تماسكه، وتمتّن وحدته وقيمه، لا شكّ أنّ أيّ مجتمع يجابه أثناء مسيرته العديد من المشكلات، وتكون متتابعة، وتفرض عليه إيجاد الحلول لها، لأن أيّ تدخل يعني تفاقم المشكلات بحكم اختلاف الثقافات والسياسات، وكل مشكلة تعتبر تحدياً ذاتياً، ليس فقط للمسؤولين عنه، وإنما على أفراده أيضاً، وهذه المشكلات أيضاً تؤدي إلى ظهور تمايز بين أفراده بنسب؛ أي يسقط البعض وينجح الآخر.
هل يمكننا أن نسلم جدلاً بأن انهيار مجتمع يكون لأجل الانهيار، أو أنه نتيجة طبيعية لحجم الخطيئة، بحيث يكون أنَّ لا مفر منه، وهل المشكلات تقوم بذاتها، أم  إن الظروف التي تظهر العطالة الفكرية تؤدي إلى حدوثها؟ لأن وصول أي مجتمع إلى تبادل الخطاب الخشبي لابدَّ أنه آيل للاختراق نتاج رزوحه تحت عبئه الثقيل، الذي يدعو للارتحال، أو للاقتتال، أو للانتهاء في بوتقة التخلف، لأن فقد أي مجتمع لمعاني وجوده، يعني فقده للأشياء التي تدعوه للتعلم، وسواد الأشياء غير القابلة للتعلم، وتحطيم حالة السبات والركود والرضوخ يكون بإعادة بعث المعنويات التي تحثّه على النهوض من جوهره، والإرادة السياسية التي يقع على عاتقها تحفيز هذه المعنويات، وتوفير المناخ الملائم لقيامتها وربط أفرادهم ببعضهم، وصولاً إلى تحقيق حالات انفعالية وجدانية، تحدث عند الإنسان عندما يجد إنساناً آخر متأثراً، فيشعر بذات شعوره، فإذا حصل انتظمت مشاعر الملايين، وشكلت خطاً واحداً إلى حيث السياسة تريد أن يؤدي غرضها.
إن فقدان الحرية الروحية والحرية السياسية يؤدي إلى قتل الثقافة والرابطة الموحدة في أي مجتمع، لذا أعود على بدء، وأقول: إن قوة الندرة تكون كارثية، إن لم توزع قواها بين أبناء مجتمعها، فإذا فعلت فإنها تكون قد حولت إقطاعها المالي إلى اقتصاد اجتماعي خلاق، يؤدي إلى قوة الدولة التي تستند في النتيجة إلى قوة أبنائها مجتمعين، لا على أفرادها الضيقين.
من الممكن تناسي الحقيقة لبعض الوقت، لأن الظروف التي تعقب أي حرب تكون مندفعة عاطفياً، نتاج التأثر بمخرجات الحرب التي تظهر العديد من الأزمات، إلا أن الواقع مع الضرورة يعيدان هؤلاء الأبناء إلى مجتمعهم الأساس، الذي يفخرون به وبأرضهم التي يحيون عليها، فإذا التقطت السياسة هذا الحال، وعملت بجدّ عليه، بعثت في أفكارهم السمو، وحفّزت الأخلاق التي بها وحدها يتم تجاوز أيّ خلل، وإنهاء أكبر الأزمات، لأن بعض السطحيين يعمقون الخلل نتاج اتجارهم وثرائهم ضمن مجريات الحرب، هؤلاء الذين يعتادون سرعة الإثراء، ينشدون استمرار الأزمات، أو يحاولون إطالة أمدها، هنا يضجّ المجتمع، فإن لم تكن المعالجات صادقة وسريعة حدثت التراجعات، ليظهر من جديد الحضور الطائفي والمذهبي والقبلي والعشائري، ما يؤدي إلى الانقسام والفرقة والاقتتال على التاريخ والحاضر والمستقبل.
كلما تخلفت المجتمعات وأُفقرت، نبتت فكرة الانقسام الموءودة في عمق التاريخ وتداعياته، فالعلم والإبداع والفورة الاقتصادية تنتج الجمع الذي يتقوى به، وندرته تؤدي إلى أن تتناهبه الأفكار، وخاصة السيئة منها، لذلك أجدني أقول: إن انهيار أي مجتمع أعزوه إلى مجموعة أسباب سلبية، فانهياره لا يكون بسبب فعل القضاء والقدر بالمعنى الذي ينشده رجال الدين، ولا يمكن اعتباره المسار الطبيعي لعبث الحياة، ولا بعدم القدرة للسيطرة على البيئة الاجتماعية، ولا بالعدوان الغادر، إنما أعزوه إلى الانفلات الأخلاقي مع انفلات سلطة القانون الضابط لها، فأيّ مجتمع ينشد الاستقرار يجب أن يسعى لتحقيق أكبر قدر منه، وهذا لا يتحقق إلا بعد تجاوزه للمشكلات التي لن يحلّ جميعها، لكنّ حلّ بعضها يحقق له الانتصار المؤكد، ومن خلاله تظهر وحدة المجتمع وتعاضده.

د.نبيل طعمة


 

عدد القراءات : 444155



هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245671
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020