الأخبار |
أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هونغ كونغ تغلق جميع المدارس بسبب ارتفاع حالات الإصابة بـ"كورونا"  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  غاز المتوسط.. العملاق الصيني يدخل من بوابة قبرص  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  تجار في طرطوس يتاجرون بلحوم الأبقار النافقة بسبب وباء الجدري ويبيعونها للمواطنين  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  صراع «السيادة» على سوق الطاقة: أسعار من ثلاثة أرقام صارت ماضياً بعيداً!  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية     

نجم الأسبوع

2014-05-31 15:47:51  |  الأرشيف

ألبير كامو

ألبير كامو من مواليد الجزائر عام 1913. ومن عشّاق شمسها وطبيعتها وأحيائها الشعبية. من منبت اجتماعي متواضع وأصبح أحد أشهر أدباء ومفكري وفلاسفة القرن العشرين. إنه كاتب وفيلسوف وروائي ومسرحي وشاعر وصحافي ولاعب كرة قدم في بداياته.
وهو صاحب رؤية جعلته يتفرد بسمات متنوعة، ميزته عن نظرائه. إذ قال مرة يصف رؤاه وانطباعاته حول العوز والبؤس اللذين اختبرهما: "منعني البؤس من الاعتقاد أن كل شيء جيد تحت الشمس. وفي التاريخ؛ والشمس علّمتني أن التاريخ ليس كل شيء".
لم يعرف البير كامو أباه العامل الزراعي، الذي كان قد شارك في الحرب العالمية الأولى، وأصيب فيها بجرح قاتل، إذ توفي وهو في الثامنة والعشرين من العمر، إلاّ من خلال صورة واحدة. وكانت والدته كاترين سينتس، ذات الأصل الأسباني، تعاني من صمم جزئي.
ولم تكن تعرف القراءة والكتابة، وكانت قد أقامت مع طفليها عند والدتها، قبل ذهاب زوجها إلى الحرب. وعن تلك الأم في تلك المرحلة، يكتب البير كامو لاحقاً: "كانت هناك امرأة دفعها موت زوجها إلى أحضان الفقر. هكذا عاشت عند أمّها الفقيرة هي الأخرى ومع أخ معاق .اضطرّت للعمل من أجل تأمين سبل العيش وتركت لأمّها مهمة تربية طفليها. كانت تلك الأم قاسية وصلفة وتحب السيطرة".

"النزعة الفوضوية"
عاش البير كامو فترة طويلة عند عمّه، وتأثر كثيراً بأفكاره المستلهمة من فولتير وتوجهاته ذات "النزعة الفوضوية". كان يعمل جزّاراً، لكنه كان يتمتع بقدر مهم من الثقافة.
استطاع الفتى البير أن يؤمّن ما يسمح له بتأمين الضروري من أجل العيش، كما وفّر له مكتبة تحتوي على كمية لا بأس بها من الكتب. هكذا ترعرع البير كامو في الجزائر ونال منها الشهادة الثانوية عام 1932، ليتوجّه بعد ذلك نحو دراسة الفلسفة، فتبدأ رحلته الفكرية والأدبية، التي جعلت منه ما أصبح البير كامو "الكبير".
ما يلفت الانتباه، أن البير كامو لم يتوقف طيلة حياته عن ذكر معلّم المدرسة الابتدائية في الجزائر عام 1923: لويس جيرمان، الذي تنبّه للإمكانات الذهنية المتميّزة للطفل البير، فقرر أن يوليه اهتمامه ويخصّه ببعض الدروس خارج الدوام المدرسي.
بل كان هو الذي أقنع أسرة الطفل تقديم التلميذ الصغير لمسابقة نيل منحة دراسية. وذلك ما حصل، إذ أتيحت لابن الأسرة الفقيرة فرصة أن يكمّل تعليمه في إحدى المدارس الثانوية في مدينة الجزائر. كانت تلك الفرصة الباب الذي ولج من خلاله طريق العلم والمعرفة.
وربما ما كان له من دونه سوى أن يكتفي بممارسة مهنة صغيرة، أو يصبح لاعب كرة قدم: هوايته المفضّلة في سنوات شبابه الأولى. تجدر الإشارة إلى أن البير كامو وأثناء الكلمة التي ألقاها عام 1957، في مناسبة حصوله على جائزة نوبل للأدب، لم يتردد في "إهدائها" لمعلّم المدرسة الابتدائية لويس جيرمان، الذي استطاع بفضله، كما قال، أن يتابع دراسته.
تلقّى البير كامو تربيته من أمّه البسيطة، التي مارست الخدمة في المنازل، خاصّة من قبل جدّته المتسلّطة، ومن عمّ جزّار يبيع اللحم في الجزائر العاصمة، وقارئ جيّد بالوقت نفسه للروائي أندريه جيد. وإلى جانب هذه "المرجعيات" التربوية، عرف البير كامو البؤس الذي كان يحيط فيه ضمن حي "بلكور" الشعبي في العاصمة الجزائرية. وحادث آخر في حياته، دفعه إلى طرح العديد من الأسئلة عن معنى وجود الإنسان ومعنى وجوده كشخص.
ذلك الحادث كان إصابته بمرض السل خلال تحضيره لشهادة الدراسة الثانوية. إذ أحس بذلك المرض بمثابة تهديد لحياته، ما دفعه للتعلّق أكثر بها وامتلاكه حس المقاومة، رغم ما تفصح عنه من "عبث". مثل هذا الإحساس لن يكون بعيداً عن تبنيّه لاحقاً، مشرباً فلسفياً ارتبط باسمه: "فيلسوف العبث".

صلة مع الواقع
وفي نهاية مرحلة الدراسة الثانوية في الجزائر، التقى البير كامو بالأستاذ والفيلسوف جان غرونييه، الذي كان له أثر كبير في تكوينه الفلسفي. ومنذ تلك الفترة بما تخللها من تساؤلات عن معنى الوجود وما عرفته من تلمّس سبل المعرفة، بدأ البير كامو بالكتابة ونشرت له مجلة "سود"، أي ما يعني "الجنوب" بعض الكتابات. وفي تلك الفترة أيضاً انتسب كامو إلى الحزب الشيوعي الجزائري الذي تخلّى عنه لاحقاً، ووجه نقداً عنيفاً للفكر وللممارسة الستالينيين. وجعل كامو من تلك القطيعة مناسبة لإعادة النظر في الكثير من قناعاته وتأييده مطالب الجزائريين.
في نهاية سنوات الثلاثينات من القرن العشرين، اكتسب البير كامو حضوراً فكرياً مهماً في المشهد الثقافي الفرنسي. لكنه حرص بالوقت نفسه، على أن يوطّد صلته بالواقع، وأن يمارس عملاً نضالياً ملموساً، وليس الاكتفاء بما هو نظري. ووجد في الصحافة السبيل الأفضل والأكثر قدرة على تجسيد ما يصبو إليه. هكذا ساهم مع باسكال بيا في تأسيس صحيفة "الجزائر الجمهورية".
أعلن كامو في تلك الصحيفة الكثير من المواقف التي رأى فيها أغلبية المثقفين والسياسيين الفرنسيين نوعاً من "الفضيحة" من زاوية مناهضته الصريحة لمختلف أشكال القمع والاضطهاد الاستعماري في الجزائر. ومع نشوب الحرب العالمية الثانية، عاد كامو إلى فرنسا ليتابع عمله الصحافي في إطار صحيفة "باريس المساء ـ باري سوار"، التي تولّى منصب "سكرتير التحرير فيها"..
ولم يتأخر في الالتحاق بالمقاومة ضد الاحتلال النازي. وكان أحد الناشطين في شبكة المقاومين ضمن إطار مجلّة "المعركة ـ كومبا". وتولّى مهمات تتعلّق بجمع المعلومات بالإضافة إلى الإدارة الفعلية لتلك المطبوعة "السريّة" حتى عام 1947. تجدر الإشارة أن البير كامو قد نشر مجمل كتاباته في الصحف والمجلات من "كومبا" حتى "الاكسبريس" في أجزاء عدّة حملت عنوان "مسائل راهنة".

خلاف وتهمة
كان البير كامو قد تعرّف على الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارت في عام 1943. وقامت بين الرجلين صداقة عميقة قبل القطيعة بينهما عندما صدر كتاب "الإنسان المتمرّد" للأول، عام 1951.
وأثارت تلك الدراسة الكثير من التعليقات والجدل، خاصّة في أوساط المثقفين اليساريين في فرنسا. وترتب على ذلك إعلان كامو قطيعة كاملة مع اليسار الشيوعي، ومع صديقه سارتر ومجلّته التي أسسها خلال الحرب العالمية الثانية. وأسهم كامو بالكتابة فيها: "الأزمنة الحديثة". وجّه جان بول سارتر آنذاك إلى كامو، تهمة العداء للشيوعية، وخضوعه للقيم البورجوازية.
وكان انطلاق ثورة تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي وما يعبّر عنه الفرنسيون بـ "حرب الجزائر" بمثابة "مأساة شخصيّة" بالنسبة لكامو. ووجد ذلك صداه في روايته "السقوط" الصادرة في عام 1956، أي في عام انطلاق الثورة الجزائرية التي انتهت باستقلال البلاد عام 1962، بعد 132 سنة من الاحتلال الفرنسي.
والرواية مستلهمة بوضوح من أجواء القلق وسوء الفهم، التي طبعت سلوكية "الإنسان الحديث". من مؤلفاته: في الرواية: الموت السعيد، السقطة. وفي المسرح: كاليغولا. وفي الدراسات: الأعراس، أسطورة سيزيف.
وفي عام 1957، نال البير كامو جائزة نوبل للأدب: "على مجمل أعماله التي ألقت الضوء، بكثير من الجدّية والعمق على المشكلات المطروحة في عصرنا على ضمير البشر"، كما جاء في قرار لجنة منح الجائزة.

فراق
يتم تصنيف البير كامو عامّة، أنه من الفلاسفة الوجوديين، مثل جان بول سارتر . لكنهما افترقا جذرياً حول مفهوم الحريّة التي رآها سارتر في "الالتزام"، بينما وجدها هو في مفهوم "العبث". لكن إذا كان "العبث" الكاموي يقوم بالدرجة الأولى، على عدم فهم العالم وبقاء الكثير من الأسئلة معلّقة من دون إجابات، فإنه يؤكّد على حب الحياة. ويرفض فكرة الانتحار.
ويطالب في قبول جميع التحديات والتأكيد في كافة الحالات، على قيمة الحريّة. وفي تاريخ الرابع من يناير عام 1960، توفي فيلسوف العبث بحادث سير "عبثي"، عندما ارتطمت السيارة التي كان يقودها بشجرة على حافة الطريق. وكان عمره حينها، 48 عاماً.

«أعراس».. الحب مجد بلا حدود
كانت اهتمامات البير كامو الأدبية قد ظهرت أوّلاً على صعيد المسرح، حيث أسس خلال فترة 1936 ـ 1939، فرقة مسرحية أطلق عليها أوّلاً اسم "مسرح العمل". ثم استبدله بدافع الابتعاد عن الاستراتيجية الإيديولوجية للحزب الشيوعي، بتسمية "مسرح الفريق"، توخياً لقدر أكبر من الحريّة في العمل الفنّي.
لكن في الحالتين، كان القصد جعل الأعمال المسرحية الكبرى، في متناول المشاهدين من أبناء الطبقات الفقيرة. ومارس كامو، في إطار نشاطه المسرحي، التمثيل والإخراج وكتب السيناريو. وقدّم مسرحه أعمالاً عديدة، من بينها: "زمن الاحتقار" لأندريه مالرو، "عودة الابن الضال" لأندريه جيد، "الأخوة كارامازوف" لدوستوفسكي.
وخلال السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي، قدّم البير كامو، الكثير من الكتابات المتنوعة، من حيث مشاربها ومواضيعها. ولكنها احتوت على مختلف المواضيع الأساسية التي سيتطرّق إليها الكاتب لاحقاً، مثل: الموت والشمس والبحر المتوسط والعزلة. ومصير البشر واليأس والسعادة والعبث...
وخلال تلك السنوات، عمل كامو على عدد من المشاريع الأدبية التي رأت النور لاحقاً، ومن بينها رواية "الموت السعيد" التي لم تنشر حتى عام 1971، أي بعد أكثر من عقد على وفاة مؤلفها. ولم تلق نجاحاً كبيراً. وكانت الدراسات الأولى لكامو التي جمعها تحت عنوان "الأعراس" قد عرفت طريقها إلى النشر عام 1939.
 وتطرّقت لمواضيع اهتمام مؤلفها، مع التأكيد على إبراز الإطار الذي ضمّها، والمتمثّل في المشهد المتوسطي المشبّع بالشمس والبحر والباعث على السعادة. بدا ذلك العمل بمثابة دعوة لـ "تمجيد الحب دون حدود".
يبقى العمل الذي كرّس البير كامو كأحد كبار كتّاب القرن، رواية "الغريب" التي نشرت عام 1942. هذه الرواية احتلّت المرتبة الأولى بين أكثر الأعمال الروائية على صعيد المبيعات والقراءة، بعد الحرب العالمية الثانية. و"الغريب" الذي يرسم كامو صورته في هذه الرواية كان غريباً عن "أخلاقيات" مجتمعه كما بدا في سلوكية الشخصية الرئيسية "انطوان ميرسو"، الذي لم يحترم التقاليد عندما مارس التدخين أمام نعش والدته وذهب بعد وفاتها مباشرة لحضور فيلم سينمائي برفقة صديقته "ماري كاردونا".
وفي الفترة نفسها، التي شهدت صدور رواية "الغريب" صدر لألبير كامو دراسة تحت عنوان "أسطورة سيزيف" والتي عرض فيها الأسس الجوهرية لفلسفته وتلا ذلك صدور عمل مسرحي هو "كاليغولا". الأعمال الثلاثة وصفها كامو نفسه، أنها تنتمي إلى "دائرة العبث". ويحدد كامو دائرة أخرى هي "دائرة التمرّد". وتضم "الطاعون" و"حالة حصار" و" الإنسان المتمرّد". وتلك الأعمال رسّخت مكانة الكاتب كأحد أهم المبدعين الفرنسيين وأحد الوجوه الأدبية والفكرية ذات الشهرة العالمية.
وفي مثل ذلك السياق صدرت رواية "الطاعون" التي عرفت فور صدورها، نجاحاً كبيراً لدى جمهور القرّاء. ونالت "جائزة النقّاد" في فرنسا. وتواكب صدور تلك الأعمال الكبرى مع اتخاذ كامو لمواقف عامّة تفرّد فيها.
عدد القراءات : 10824

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245721
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020