الأخبار |
أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هونغ كونغ تغلق جميع المدارس بسبب ارتفاع حالات الإصابة بـ"كورونا"  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  غاز المتوسط.. العملاق الصيني يدخل من بوابة قبرص  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  تجار في طرطوس يتاجرون بلحوم الأبقار النافقة بسبب وباء الجدري ويبيعونها للمواطنين  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  فيتو مزدوج روسي صيني ضد مشروع قرار يتيح تمديد آلية إدخال مساعدات إلى سورية دون التنسيق مع حكومتها  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  صراع «السيادة» على سوق الطاقة: أسعار من ثلاثة أرقام صارت ماضياً بعيداً!  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية     

نجم الأسبوع

2017-01-06 04:47:48  |  الأرشيف

رفيق سبيعي

 «أحبابي ونور عيوني» فنّان الشعب رفيق السبيعي (1932 ــ 2017) يودعكم، بعدما غلبته الشيخوخة التي غالبها لسنوات، وبقي مصرّاً على التجدد، وتقديم المزيد، والبقاء واقفاً حتى أيّامه الأخيرة. هكذا كانت حاله قبل أشهر حين لم يسمح لكسرٍ في عنق الفخذ بأن ينال منه، فرأيناه يجاهد نفسه للوقوف حين زرناه في أحد مستشفيات دمشق، بعدما أجرى عمليةً لتبديل المفصل وسط رعايةٍ حنونةٍ من عائلته، ومحبيّه. لكنّ القدر لم يمهله فرصةً أخرى، إذ فارق الحياة عصر أمس عن 85 عاماً. ولد السبيعي سنة 1932، في حي البزورية الدمشقي، على مسافة أمتارٍ قليلة من الجامع الأموي. هناك تشكّلت شخصية «القبضاي.. الشهم.. اللي ما بتهون عليه الزاحلة». مفرداتٌ شكّلت ملامح «أبو صيّاح»، أشهر شخصيات الراحل الدرامية، كممثلٍ، ومونولوجيست.
هوى الفن تملّك الشاب الدمشقي، الذي لم يعر اهتماماً لازدراء بيئته المحافظة لمهنة «المشخصاتي». غضب والده منه وطرده له لأنه «وطّا راس العيلة» بسبب عمله في الفن. بدأ مسيرته أواخر الأربعينيات بتقديم مقاطع كوميدية مرتجلة على مسارح دمشق، ثم انتقل إلى الغناء والتمثيل في فرقٍ فنيّة عدة كفرقة «علي العريس»، «سعد الدين بقدونس»، «عبد اللطيف فتحي»، «البيروتي»، و«محمد علي عبدو»، كما أسهم في تأسيس عدد من الفرق المسرحية الناشئة بعد الاستقلال (1946).

في ذاك الزمن، أدى الراحل شخصيّات شعبية لم تُكتب لها الشهرة مثل «أبو رمزي» و«أبو جميل»، إلى أن بدأت قصّته مع «أبو صيّاح» كما يروي في إحدى مقابلاته: «أوّل مرّة قدمتها عن طريق المصادفة، حين أراد الفنّان أنور المرابط أن يتغيبّ عن أداء فصل كوميدي يلعب فيه دور العتّال في إحدى مسرحيات الراحل عبد اللطيف فتحي. كنت أعمل وقتها ملقماً في مسرحه، لم أنم ليلتها من الفرحة، واعتبرت هذا الدور نوعاً من الامتحان يمهد لي الطريق كممثل، استعرت الشروال وباقي الاكسسورات، ففوجئ بي فتحي عندما رآني على المسرح، وجسّدت الشخصية على طبيعتها كما تبدو في الحياة. وقتها، شاهد أدائي المرحوم حكمت محسن، وتنبأ لي بالنجومية منذ ذلك الحين».
كان ذلك أواخر خمسينيات القرن الماضي، في عمل مسرحي مقتبس عن مسرحية مصرية للكاتب أبو السعود الإبياري نقلها عبد اللطيف فتحي إلى الشاميّة، قدمت على أحد مسارح دمشق، وحضرها وقتها صباح قبّاني أول مدير للتلفزيون السوري، وبقيت في باله. وعندما تأسس التلفزيون عرفّه إلى الراحل نهاد قلعي، والفنّان دريد لحّام، وبدأت مسيرة «أبو صيّاح» التلفزيونية مع «غوار الطوشة» و«حسني البورظان».
مسيرةٌ أثمرت عن مسلسل «مقالب غوار» (1967) وعملٍ كوميدي خالد، ما زال يصنَّف في خانة السهل الممتنع هو «حمّام الهنا» (1968).
توقف الراحل نهاد قلعي عن العطاء مبكراً، بسبب تعرضّه لاعتداء أصابه بالشلل، في حادث منتصف سبعينيات القرن الماضي، ثم كانت المحطة الأخيرة التي جمعت بين السبيعي ودريد لحّام في مسلسل «وادي المسك» (1982)، ولم يجمع بينهما عملٌ تلفزيوني بعد ذلك. قيل إنّ ذلك يعود إلى خلافٍ مالي بينهما، أشار إليه رفيق السبيعي في الكتاب الذي روى فيه سيرته الذاتية «أبو صياح يدفع ثمن الحب» (1999 ــ للكاتب السوري وفيق يوسف).

قدّم عشرات الأدوار
التلفزيونية المميزة، تحت إدارة أربعة أجيالٍ من المخرجين


الخلاف أسدل الستار على علاقة رفيقي الدرب حتى آخر حياة السبيعي، وتم تناوله عبر الإعلام خلال السنوات الأخيرة، حين نقل موقع «النشرة الفنيّة» عن لحّام قوله (سنة 2013): «عندما يذكر رفيق السبيعي في سيرة حياته أنني نصبت عليه الكثير من الأموال، وعندما يأتي ليعترف أنّه أخطأ، أنا مستعد للتعاون معه».
وأتى رد فنّان الشعب بعد عام تقريباً عبر «إذاعة المدينة» بأن «القلوب ليست صافية»، مؤكداً أنّه «سعى للصلح، وتغاضى عن الماضي، وأعطى فكرة عمل فنّي يمَكّنهما سوياً من العودة إلى الشاشة، ولكن لم تكن هناك استجابة من الطرف الآخر» مضيفاً: «أحزن على الجمهور الذي أحبّنا سويّاً، ولم يكن علينا أن ندير ظهرنا له».
وفي هذا السياق، نذكر محاولات لم يكتب لها النجاح بذلها صنّاع مسلسل «طالع الفضّة» (2011)، بخاصّة الفنّان عبّاس النوري، والمخرج سيف الدين السبيعي للجمع بين الصديقين القديمين مجدداً في هذا العمل التلفزيوني، ليكون من نصيب رفيق السبيعي نجاحٌ استثنائي بدور «طوطح اليهودي»، أثبت فيه قدرته على التجدد في الثمانين من العمر، كأنه انتصر أخيراً للممثل بداخله، في مواجهة سطوة «أبو صيّاح». دورٌ قال عنه الراحل: «كاتِبَا العمل (عنود الخالد، وعبّاس النوري) رسما ملامح شخصية أقرب إلى المثالية، وهذا سبب محبتي لها، فطوطح متعلق بالمكان الذي ولد وعاش فيه، وجذوره ضاربة في أعماق الشام، ولا يستطيع أن يفارق رائحة النارنج، إلى جانب معرفته الشاملة بكل الأشياء، والعواطف، والواقع، والحِكَمْ التي تبرز من خلال حديثه، وتعامله مع باقي شخصيّات المسلسل. كنت سعيداً بأداء الدور، صحيح أنني تعبت كثيراً، لكّن هذا التعب زال بظهور النتيجة». ولم يجد ضيراً من القول بأنّ دور «طوطح» لم يكن معروضاً عليه، وطلبه على وجه التحديد من ابنه المخرج سيف، وقيل في الكواليس إنّ الاسم المقترح لأداء الدور كان بدايةً دريد لحّام.
على مدى ستة عقود، قدّم رفيق السبيعي عشرات الأدوار التلفزيونية المميزة، تحت إدارة أربعة أجيالٍ من المخرجين، كما في مسلسلات: «لك ياشام»، «الخشاش»، «دمشق يا بسمة الحزن»، «صلاح الدين الأيوبي»، «مبروك»، «صقر قريش»، «مرايا»، «فسحة سماوية»، «عن الخوف والعزلة»، «عمر»...
وبما يملكه من كاريزما «الزكرت الشامي»؛ كان دور «الزعيم» في المسلسل الشهير «أيام شاميّة» (1992)، فاتحة لتصّدر أدوار الزعامة في معظم المسلسلات التي تنتمي إلى هذا النوع من الأعمال، ليختم مسيرته التلفزيونية بدور الزعيم «أبو راغب» أحد أبطال «بنت الشهبندر» (إخراج سيف الدين السبيعي)، و«الشيخ صالح» في مسلسل «حرائر» تحت إدارة المخرج باسل الخطيب. علماً أنّ المسلسلين عرضا خلال موسم دراما رمضان 2015.
وشهد عام 2016 أداء الراحل دوره السينمائي الأخير، وللمفارقة كان أيضاً أمام كاميرا باسل الخطيب، في فيلم «سوريّون.. أهل الشمس»، ليترك في أذهان محبيّه الصورة الأخيرة، للأب المتسامح... أيقونة لا يدنس قداستها كل ذلك الجحود والنكران، والحقد الذي يسيطر بسواده على سنواتنا العجاف. صورةٌ تتقاطع حياتياً مع صورته كأب، وقف بشموخ خلال تلقيه العزاء بابنه البكر عامر قبل عامين... ابن رحل بعيداً عنه، وكان بينهما خلاف سياسي، وتباين في المواقف إزاء الصراع في البلاد.
بفيلم «سوريّون»، اختتم فنّان الشعب مسيرة سينمائية قدّم خلالها أكثر من خمسين عملاً، بينها فيلمان للأخوين رحباني، وقف فيهما أمام السيدة فيروز هما «سفر برلك»، و«بنت الحارس»، ومن أفلامه أيضاً: «أحلام المدينة»، «الشمس في يومٍ غائم»، «الليل»، «صندوق الدنيا»، «الليل الطويل»، إلى جانب الأدوار التي أدّاها في موجة الأفلام التجارية خلال سبعينيات القرن العشرين.
وللإذاعة حكاية أخرى، روى فيها ذكرياته في برنامجه الشهير «حكواتي الفن»، عبر أثير إذاعة دمشق، التي شارك فيها بعشرات المسلسلات الإذاعية، وقدّم برامج عديدة... إذاعةُ لطالما رددت صدى أغنياته على مسارح دمشق وحلب، كمونولوجيست: «يا ولد لفلك شال»، «تمام تمام هدا الكلام»، «شروال أبو صياح»، «لا تدور ع المال»، «حبوباتي التلموذات»، «شيش بيش»، «قعود تحبك»، «الحب تلت لوان»، «الخنافس»، وأغنياتٍ أخرى أدّاها خصيصاً للسينما كـ «زحليقة وتلج»، «ليش هيك صار معنا»، و«الاوتو ستوب».
وتبقى في البال أغنيته للشام التي غنّاها في 2012 من كلماته وألحان سمير كويفاتي: «أنا سوري من أرض الشام وعطر الياسمين الفواح... مهما درت وشفت بلاد.. غير بحضنا ما برتاح».
«أبو عامر» سيلف شاله اليوم، ليودعه محبّوه من منزله في منطقة المزة إلى مثواه الأخير؛ مقبرة «باب الصغير» في حضن الشام، المدينة التي ولد ونشأ فيها... وتتلقى أسرته العزاء في صالة «جامع الأكرم» أيام الجمعة، السبت، والأحد بين الساعة السادسة، والثامنة مساءً.

عدد القراءات : 8884

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245727
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020