الأخبار |
أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هونغ كونغ تغلق جميع المدارس بسبب ارتفاع حالات الإصابة بـ"كورونا"  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  غاز المتوسط.. العملاق الصيني يدخل من بوابة قبرص  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  تجار في طرطوس يتاجرون بلحوم الأبقار النافقة بسبب وباء الجدري ويبيعونها للمواطنين  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  صراع «السيادة» على سوق الطاقة: أسعار من ثلاثة أرقام صارت ماضياً بعيداً!  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية     

الأزمنة

2016-06-27 00:44:53  |  الأرشيف

ما وراء مشتريات الذهب

ديما محمد
استُخدم الذهب وسيلةً للدفع وللتبادل لفترة طويلة قاربت الألفي سنة، فهو الملاذ الاقتصادي الأكثر أماناً لما يتمتع به من خصائص وميزات لا تملكها العملات والمعادن الأخرى، جعلته مع تطور الاقتصاد أحد أهم أدوات التحوط ضد مخاطر تقلبات أسعار الصرف. وانطلاقاً من قاعدة الذهب التي تقول بأنّ من يملك الذهب يضع القوانين، ومع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الظروف الاقتصادية والسياسية كانت وراء التغيرات التي مرّ بها نظام النقد الدولي حتى وصل إلى وضعه الحالي، فإنّ الاتجاه نحو تخزين الذهب في ظل التغيرات الاقتصادية والتوترات السياسية يعتبر الخيار الأفضل للمستثمرين -أفراداً ودولاً- للحفاظ على استقرار أوضاعهم الاقتصادية.
واليوم تكثر  التساؤلات حول الأسباب التي أدت إلى ارتفاع أسعار الذهب في الفترة الماضية واختلال العلاقة بين العرض والطلب على المعدن الأصفر وتحول المستثمرين والبنوك المركزية الكبير نحو شراء الذهب وتخزينه. لذا سيتم فيما يلي تناول أهم الأسباب الدافعة للتحول نحو سياسة المشتري للذهب وليس البائع سواءً من قبل البنوك، المستثمرين الأفراد، أو حتى الدول:
الأسباب الكامنة وراء تخزين الذهب:
     الاضطرابات الأمنية والسياسية:
 من المتعارف عليه تاريخياً أنّ الطلب على الذهب يتضاعف في ظل الأزمات والتوترات السياسية، ويقبل المستثمرون على شرائه وتحويل مدخراتهم إليه، باعتباره استثماراً مضموناً ومخزوناً استراتيجياً، يحميهم من التذبذب في أسعار الصرف التي تتأثر بالأوضاع الأمنية والسياسية. فكما ساهمت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وما تلاها من غزو أمريكا لأفغانستان والعراق في دعم سياسة التوجه نحو تخزين الذهب، فالأزمات التي تعصف حالياً بالشرق الأوسط وتَمدد الإرهاب إلى العديد من دول العالم، إضافة إلى مخاطر تحول الحروب الإقليمية إلى عالمية، دفعت العديد من المستثمرين نحو شراء الذهب لضمان البقاء عند المستوى الاقتصادي المرغوب. و في هذا الإطار أكدت عدة تقارير دولية أنّ كثيراً من المستثمرين الإقليمين والمحللين في الشرق الأوسط حوّلوا جزءاً كبيراً من استثماراتهم وما يمتلكونه من سيولة إلى الذهب، بسبب التغيرات والأحداث الجارية في المنطقة.
عام 2015م انخفض الطلب على الذهب إثر التسوية اليونانية مع الاتحاد الأوروبي وإعادة فتح البنوك، ما ساعد على استعادة الثقة بأسواق المال العالمية الأمر الذي أدى إلى تراجع الإقبال الشديد على الذهب. بالنتيجة طالما هنالك توترات وحروب و أزمات، سيبقى الذهب الملاذ المالي الأكثر أماناً، وستبقى سياسة تخزينه هي الخيار الأفضل إلى حين الوصول إلى اتفاقات تعيد الاستقرار الأمني والسياسي.
     تقلبات أسعار العملات عالمياً:
باعتبار الذهب أهم أدوات التحوط ضد مخاطر التغير في سعر صرف العملات والمخاطر المحيطة بأدوات الدين، فإن هذا يعني أنّ المستثمرين بإمكانهم استخدامه في سوق النقد الأجنبي لتغطية المخاطر الناتجة عن تذبذب أسعار صرف العملات وحرب العملات التي تقودها القرارات السيادية. العديد من الدول تلجأ حالياً لتعزيز احتياطياتها من الذهب بدلاً من العملات الاحتياطية وبالأخص الدولار الذي تعرض لتقلبات حادة خلال الفترة الماضية مع زيادة معدلات التضخم والعجز في الولايات المتحدة الأمريكية. الأمر الذي انعكس بتحول موقف البنوك المركزية من بائعة إلى مشترية، مخالفة بذلك موقفها السابق في الفترة الماضية، مع استمرار هذه السياسة نتيجة الظروف الاقتصادية وانخفاض القوة الشرائية للعديد من العملات، متجنبة بذلك مخاطر التضخم وخاصة على المدى البعيد. 
     تخزين الذهب كغطاء لإصدار العملات وضمان الاستقلالية:
بالمبدأ، تستمد العملة قوتها من حجم تغطيتها بالذهب في البنك المركزي، ويتناسب حجم النقد المتداول مع حجم الاحتياطي الذهبي، وانطلاقاً من القاعدة التي تقول بأن من يملك الذهب يضع القوانين، فإنّ تخزين الذهب يأتي في إطار حفاظ الدولة على استقلالية سياستها الاقتصادية التي تنعكس على استقلالية قراراتها السياسية. و تأتي أهمية سياسة التخزين من الدور الذي تلعبه الاحتياطيات الذهبية في بعض الدول في تحفيز الاقتصادات، حيث تستخدم كغطاء لإصدار العملات الوطنية، فنتيجة ارتفاع أسعار الذهب تكتسب الدولة إمكانية إضافية بإصدار وصك مزيد من العملة المحلية، الأمر الذي ينعكس زيادة بالإنفاق وبالتالي يدعم بدوره النشاط الاقتصادي.
 
     التوقعات التشاؤمية حول تطورات الأحداث الاقتصادية:
يعتبر اعتماد المستثمرين على سياسة التوجه نحو تخزين الذهب مؤشراً سلبياً بالنسبة إلى معدلات النمو الاقتصادي المنخفضة حالياً، حيث تأتي كثرة شرائه كإجراء احترازي خوفاً من تدهور أكبر في الأحداث. كما أنّ تبادلية العلاقة بين ما يجري في سوق النفط والأسواق المالية وتأثير ذلك على حجم التبادل النقدي وانعكاسات ذلك على أسعار صرف العملات وتراجع مؤشرات الأسهم، يلقي بظلاله على انخفاض ثقة المستثمر بالأسواق المالية والعملات الأمر الذي يدفعه نحو شراء الذهب كأفضل خيار للاستثمار.
كما أنّ التوقعات السلبية حيال النمو الاقتصادي تعمق المخاوف حيال المستقبل الاقتصادي الأمر الذي ساهم في مزيد من الدفع نحو الذهب الأكثر أماناً، حيث تشير توقعات المنظمات الاقتصادية (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، تقارير الأمم المتحدة وغيرها)، إلى تراجع معدلات النمو أو نموها بوتيرة أبطأ من المتوقع في السنة الحالية والسنة القادمة، مع استمرار الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد العالمي بالإضافة إلى توقعات سياسات التيسير الكمي التي تقوم بها البنوك المركزية في العديد من الدول الأمر الذي يدعم زيادة ممتلكات الذهب.
     سياسة الصين في تخزين الذهب وفك ارتباط اليوان بالدولار:
تأتي سياسة الصين لتحويل جزء من احتياطياتها من النقد الأجنبي إلى ذهب ومشترياتها الضخمة منه، من نيتها زيادة قوة عملتها في النظام المالي الدولي في أعقاب سياسة التيسير الكمي التي قامت بها لتحفيز النشاط الاقتصادي، والتي أدت إلى تخفيض قيمة اليوان الصيني، و في إطار سياستها للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر مالك للذهب في العالم، بعد أن تمّ ضم اليوان لسلة عملات صندوق النقد الدولي، الأمر الذي سيدفع أسعار الذهب نحو الارتفاع، إلا أنّه من المتوقع أن تعاود الأسعار التراجع بعد وصول الصين إلى هدفها. بالإضافة إلى نيتها فك ارتباط عملتها اليوان بالدولار لتقليص هيمنة الدولار على التجارة العالمية،
وفي هذا الإطار ذكر  بنك "أميركا ميريل لينش"، أن الصين ربما تخطط خلال العام الجاري 2016م لتنفيذ خطوة فك ارتباط عملتها اليوان بالدولار ضمن عمليات تحرير تدريجي، وبالتالي تصبح العملة الصينية عملة مستقلة مثلها مثل العملات التي تشكل وحدات السحب الخاصة بالصندوق.
يذكر أن الصين، أعلنت في منتصف العام الفائت أنها رفعت مدخراتها من الذهب بإضافة 604 أطنان لتصل إلى 1658 طناً بزيادة بنسبة وصلت إلى 57%، لتكون بذلك المرة الأولى منذ عشر سنوات التي تقوم فيها الصين بتحديث مدخراتها.  ومن الممكن أن يكون الرقم أعلى بأضعاف بسبب التدفق المتزايد للذهب إليها.
     فوائض البترول والاتجاه نحو الذهب:
شهدت أسعار البترول في العام 2014م ارتفاعاً قياسياً، أدى إلى تراكم فوائض كبيرة لدى العديد من البلدان المصدرة للبترول، تمّ توجيه هذه الفوائض نحو الذهب كملاذ استراتيجي آمن، بالإضافة إلى أنّ ارتفاع أسعار النفط زاد الدخول القومية للدول المنتجة، ما أدى لارتفاع مستوى المعيشة الأمر الذي أسهم أيضاً في دفع الأفراد لشراء الذهب ما أدى إلى ارتفاع أسعاره.
     تحول سياسة البنوك المركزية وترويج مجلس الذهب العالمي:
يعكس الإقبال الكثيف على شراء الذهب من البنوك المركزية تحول موقف البنك المركزي من بائع إلى مشترٍ، الأمر الذي يعني تحول الذهب إلى أداة استثمارية في ظل ما يعانيه الاقتصاد العالمي من تباطؤ واضطرابات ما ينذر نوعاً ما بسحب الذهب من التداول في الأسواق، ويسهم بذلك في رفع أسعاره إلى مستويات قياسية نتيجة تزايد إقبال المستثمرين عليه، وبالأخص البنوك المركزية. ومن جهة أخرى، قد تعكس مشتريات الذهب الضخمة النشاط الذي يبذله مجلس الذهب العالمي للترويج للذهب، كأفضل خيار  للاستثمار في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية الراهنة.
 
 
 
خاتمة:
مما سبق يمكن القول: إنّ مع استمرار تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، واحتمال تمددها إلى أغلب دول العالم، يبقى الذهب الملاذ الأكثر أماناً في ظل غياب المؤشرات الدقيقة عن الحالة المستقبلية وضبابية الوضع السياسي والتغيرات في موازين القوى سواء الاقتصادية أو السياسية، الأمر الذي من شأنه أن يعزز ارتفاع أسعار الذهب في المدى القصير مع ازدياد حدة الأزمات التي تجتاح العالم.
 وبناء عليه، بإمكاننا أن نطرح التساؤل التالي: في ظل الظروف الحالية الاقتصادية والسياسية وفي ظل التخزين الضخم للذهب، هل يمكن العودة لنظام قاعدة الذهب، وفي ظل حالة استمرار عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والحروب والمخاوف التي تجتاح العالم؟
 لتبقى الإجابة مرهونة بتطورات الأحداث في المرحلة المقبلة.

عدد القراءات : 10434

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245719
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020