الأخبار |
علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  شعبية ترامب وأوراق بايدن.. بقلم: د. أيمن سمير  أعداد الإصابات تحلّق عالمياً: الفيروس يطال بولسونارو  مسلسل التفجيرات «الغامضة» يتواصل: إسرائيل تراهن على «أزمات» إيران  الصين تفرض رقابة على الإنترنت... وأميركا تدرس حظر تطبيقات صينيّة  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !  فرنسا.. حكومة جان كاستيكس: ماكرون «زعيم اليمين» الجديد؟  الجزائر: تسجيل 475 إصابة جديدة و9 وفيات بكورونا خلال الـ24 ساعة الأخيرة  “3 أعوام من الفوضى تكفي”.. جماعات جمهورية تستعد لإسقاط ترامب!  FBI: نفتح قضية جديدة متعلقة بالصين مرة كل 10 ساعات  الصحة العالمية تعلق على درجة خطورة تفشي الطاعون الدملي  ليبرمان يفتح النار على نتنياهو.. لماذا وصفه بالتابع الجبان؟  الجمهوريون في مأزق: ترامب و«كورونا» عدوّان انتخابيّان  هي كلمة للقيادة الرياضية السورية الجديدة.. بقلم: صفوان الهندي  حباً بالعدالة فقط!.. بقلم: زياد غصن  البرلمان المصري يحذر من يقترب من ثروات مصر في البحر المتوسط: ستقطع رجله  عودة «تنقيط الصواريخ»: غزة على طاولة قادة العدو  موسكو تتوعد لندن بالرد على عقوباتها  ماكرون يبقي على وزيري المالية والخارجية في حكومة كاستيكس  نجمة تونس الأولى نادرة لملوم: الصدق والوضوح هما مفتاح قلبي وهذه هي خطوطي الحمراء     

الأزمنة

2016-06-25 01:51:45  |  الأرشيف

من أين يأتي المواطن بحاجات الرضيع؟! مستلزماته فقط.. تساوي الدخل كله!!

الأزمنة – مجد سليم عبيسي
كلما تغيرت أسعار صرف الدولار في السوق تغيرت معها تكاليف المعيشة للأسرة، ويمكن الاستئناس بمؤشر تكاليف الحد الأدنى لمستوى المعيشة لأسرة سورية متوسطة مكونة من خمسة أفراد في دراسة مستفيضة بداية العام الحالي، الذي يشير إلى إجمالي تقديري بلغ 175 ألف ليرة شهرياً، ولسنا هنا بمدعاة الاستفاضة في نشر الدراسة لأنها غير رسمية، ولكن للإشارة فقط إلى حجم المخرجات وحقيقة الدخل وموقع مستلزمات أصغر أفراد الأسرة "الرضيع" الذي –على جماله- يحتل اليوم المرتبة الأولى في كسر الظهر؟!
 
أرقام ارتفاع التكاليف:
تشير الدراسات إلى أن استهلاكاً وسطياً شهرياً للأسرة قد ارتفع منذ بداية عام 2016 بقيمة 50000 ل.س، بارتفاع 40% عن بداية العام، أعلى من ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء.
أسعار العقارات تغيرت خلال هذه الفترة في الضواحي، التي تشهد كثافة سكانية وعمرانية، حيث انتقلت من وسطي 40 ألف ليرة إلى وسطي 60 ألف ل.س لمنزل من غرفتين وصالون، أما وسط المدينة فإن السعر الأدنى للإجارات بدأ من 75 ألف ل.س، لشقة بمساحة 90 متراً، في مناطق المدينة غير المترفة.
تكاليف الغاز والتدفئة شهرياً لم ترتفع شيئاً يذكر.
الصيانة والمياه والكهرباء: 2600 ليرة، حيث ارتفعت تكاليف الكهرباء المنزلية، بفرض الاستهلاك الوسطي 600 كيلو في الشهرين، إلى 300 ليرة شهرياً، وأسعار المياه بوسطي شهري 300 ليرة، أما تكاليف صيانة المنازل مثل الصحية، والدهان وغيرها، فقد ارتفع شهرياً من 1500 ل.س، إلى قرابة 2000 ل.س، مع ارتفاع أسعار العدة والأدوات، ومحاولة المهنيين المحافظة على دخلهم بمقدار تراجع قيمة الليرة حتى باتت أجرة مجيئهم فقط أعلى من كشفية الطبيب!
ناهيكم عن ارتفاع الألبسة الصيفية والشتوية والتي تكلف وسطياً الأسرة شهرياً 6000 ليرة من حاجات اللباس، ويمكن إضافة 4000 ليرة استهلاك الفرد السنوي للأحذية.
المتفرقات والتعليم والصحة والأدوات الكهربائية والأثاث والاتصالات كلها زادت على كاهل المواطن السوري محدود الدخل منذ بداية العام وحتى اليوم بنسب متفاوتة أدت في المحصلة إلى زيادة الحاجة لرفع مستوى الدخل بمقدار 400% والتي لا يستطيع المواطن الشريف تحصيلها من دون الالتواء والحلزنة والقفز من فوق وتحت الطاولات..
وهذا بالنسبة للأسرة الطبيعية، وطبعاً الموظف السوري يتأقلم مع المصروفات بمبلغ يتراوح بين 30 – 50 ألفاً شهرياً مع فتح حساب استدانة شهرية يصل إلى 15 ألف ليرة شهرياً في ظل الحرمان من الكثير الكثير. أما الأسرة التي لديها طفل؛ فمصروفاته الشخصية فقط والتي لا يمكن الاستغناء عنها تساوي هذا المبلغ وتزيد.. !!
 
"على جماله" يكسر الظهر:
من لديه طفل؛ كان الله في عونه، فرب الأسرة المكونة من ثلاثة أشخاص و"طفل" يزداد مصروفها الشهري عن الأسرة العادية ذات أربعة الأفراد بمقدار 30000 ليرة سورية فقط لا غير.. نعم، الرقم صحيح؛ فقد بات هذا الرقم هو الحد أدنى لتلبية حاجة طفل واحد من الحليب والفوط، وبالاعتماد أن متوسط راتب الموظف 30000 ليرة سورية شهرياً، ومن دون إجراء عملية حساب يتبين أنه لا يبقى من راتب الموظف شيء!!.. أي إن الفوط والحليب استهلكت دخل الموظف الشهري كله، ناهيك بمستلزمات أخرى من لباس وكشفية أطباء وأدوية لم يلق لها بالاً بعد.
 
إن تحملنا عناء الحساب، وتحت وطأة ارتفاع سعر الصرف الملعون غير المنضبط، نستطيع القول إن حليب الطفل الذي لا يتجاوز عمره ستة أشهر بات يكلف الأسرة ما يزيد على 22 ألف ليرة شهرياً، على اعتبار أنه غذاء أساسي ويتطلب شهرياً ما لا يقل من 10 علب؛ وقد أصبح سعر العلبة الواحدة اليوم 2200 ليرة سورية بعد أن كان ثمنها 265 ليرة سورية لا غير قبل عدة سنوات!!.
ويمكن أن نضيف عليها مبلغ 7500 ليرة تقريباً مستلزمات أخرى لا يمكن الاستغناء عنها والمتمثلة بالفوط التي تجاوز سعر الكيس المغلف منها ومن ماركات معروفة أكثر من 1500 ليرة؛ هذا في حال كان الطفل خفيف الظل ولا يستهلك سوى خمسة أكياس في الشهر!!
وإذا ضرب رب الأسرة  من ذوي الدخل المحدود أقاصي الأسواق باحثاً عن نوع أقل ثمناً ولو على حساب الجودة؛ فلن يوفر بعد عناء رحلة البحث سوى 1000 ليرة شهرياً في أحسن الحالات، وسيعوضها مضاعفة بزيادة استخدام مواد التنظيف لملابس الطفل نتيجة تسريب النوعيات الرديئة.
 
جولة سوقية..
بالقيام بجولة على أسواق مستلزمات الرضع الأساسية من حليب وفوط، وجدنا فروقات بسيطة بالنسبة لأسعار حليب الأطفال "نظراً لأنها تباع في الصيدليات" بحيث لم تتجاوز الفروقات الـ 50 ليرة سورية بين صيدلية وأخرى، في حين كان هناك تفاوت كبير بين أسعار الفوط بين المحال أسوة بباقي السلع، وكغيرها من البضائع ليس لها ضابط يوحد سعرها، إذ قارب الفرق 200 ليرة سورية بين محل وآخر بعد بضعة أمتار في السوق نفسه!!
ولدى أخذ رأي الصيادلة بسعر الحليب اتفقوا على أن السعر مرتفع وقد تضاعف عشرة أضعاف عما قبل الأزمة، ولكن التسعير يأتي من وزارة الصحة ولا دخل لهم فيه وأن مرابحهم لم تتضاعف فعلياً كما تضاعفت الأسعار.
أما بالنسبة لمحال بيع الفوط فقد اختلفت إجابات أصحابها وتذبذبت تماماً كما الأسعار بلا منطقية..
خالد 37 عاماً: إن فوط الأطفال ارتفعت أسعارها علينا من المصدر، ونحن متهمون دوماً ولكن فعلاً للدولار كل العلاقة.. فمعظم ماركات فوط الأطفال مستوردة، وبالتالي فهي ترتفع بشكل مطرد مع انخفاض قيمة العملة.
أبو جعفر 55 عاماً: ارتفاع أسعار الفوط ليس له علاقة بالدولار، ولكن الحجة دوماً هي سعر الصرف، والدليل أنه ما مبرر أنه لدينا فوط من ماركات وطنية وأسعارها أغلى من المستوردة؟! وحتى الفوط "الفرط" التي تأتينا بأكياس كبيرة ونبيعها بالكيلو أصبح رأس مالها علينا يقارب الأكياس الجاهزة المغلفة وأحياناً أغلى رغم رداءة النوعية في الأغلب، ولكننا نضطر لجلبها لأن عليها طلباً أكثر من الماركات المعروفة؛ لأن مواطننا يظن أن شراءه الفوط بالكيلو أرخص.. وللأسف يكون قد حصل على نوعية أسوأ وبسعر أعلى.. هذا هو الواقع.
 
اعترافات مسؤولة..
اعترف مدير الأسعار في وزارة التجارة الداخلية و حماية المستهلك في وقت سابق أن الأسرة التي لديها أطفال رضع تعاني الأمرين من ارتفاع أسعار مستلزمات الأطفال ولاسيما الفوط والحليب.
وعزا –كالعادة- ارتفاع الأسعار إلى تذبذب سعر صرف الدولار معرضاً على تعرض بعض معامل الشركات السورية ضمن هذا المجال للحرق والتخريب  الأمر الذي اضطر للاستيراد من الخارج، وهو ما رتب تكاليف إضافية أدت إلى زيادة في أسعار منتجاتها. وأضاف: إن أسعار الحليب التي يستخدمها الطفل دون عمر 6 أشهر يتم تسعيرها عبر وزارة الصحة، أما بقية أنواع الحليب، فإن أسعارها تخضع لوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك.
مضيفاً: إن كل أنواع حليب الأطفال في أسواقنا المحلية مستوردة وأسعارها طبعاً تتعرض لتذبذب سعر الصرف. وإن حليب البودرة مستورد، لذا فإنه يخضع لآلية تسعير تحددها لجنة من وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، وهذه الآلية تعتمد على معايير عديدة منها تقييم تمويل المستوردات وبنود التكلفة، بينما فوط الأطفال المحلية الصنع تخضع إلى تسعير مكاني وفقاً لمديريات التجارة الداخلية في المحافظات، وذلك يعني مراعاة ظروف الإنتاج والتكلفة الإنتاجية ناهيك عن أن جزءاً من المواد الأولية للمنتجات المحلية الصنع من حليب وفوط يتم استيراده من الخارج أيضاً وهذا يزيد من السعر، في المقابل فإن حليب الأطفال مدعوم من الدولة وهناك جهود حثيثة لدعم المنتج الوطني والاقتصار على استيراد المواد الخام فقط بما لا يضر بمسألة الجودة وفق الحدود المنطقية.
كما بين مصدر في وزارة الصحة أن الوزارة تقوم بتسعير حليب أطفال الرضع فقط وحتى السنة الأولى من عمر الطفل، حيث إن تسعير حليب الأطفال يتم من خلال لجنة تابعة لوزارة الصحة بالتعاون مع وزارة الاقتصاد، ثم يقوم البنك المركزي بتمويل استيراد المواد الأولية اللازمة للصناعات الدوائية والأدوية الجاهزة التي لا يوجد منها تصنيع محلي، وأيضاً حليب الأطفال بغية عدم ازدياد أسعار هذه المواد ولتبقى تكلفة تصنيع الأدوية واستيرادها بما فيها استيراد حليب الأطفال ضمن الحدود المقبولة  للمواطن.
 
تعقيب:
طبعاً التصريحات المسؤولة كما كانت فيما مضى ستكون اليوم، تتكلم عن طبائع سياسات التسعير وكيف أن الدولة ما زالت تدعم العديد من القطاعات ومنها "حليب الأطفال" الذي لا توحي أسعاره التي وصل لها اليوم بأنها تتكئ على أي دعم حكومي!! وأن الجهود الحثيثة لدعم المنتج الوطني وصولاً للجودة والسعر المنطقي هي في الحقيقة تصريحات "قديمة – جديدة" نتائجها نراها اليوم بارتفاعات كبيرة في أسعار هذه المواد حتى لم يعد للمواطن القدرة على موازنة كتلتها السعرية مع كتلة الدخل المتضائل!!
في النهاية النتيجة واحدة، والمواطن يريد حلاً فاعلاً سواء لجهة ارتفاع الأسعار أو لمسألة ضبطها والرقابة عليها، فكثير من الباعة يتحكمون بالسعر حسبما تشتهي أنفسهم ضاربين بالصك السعري لكل منتج عرض الحائط، والدليل.. التباين في الأسعار بين المحال المتجاورة وحتى الصيدليات التي تبيع حليب الأطفال والفوط. وعند سؤال الجهة المعنية عن هذا الموضوع يأتي الجواب: إننا موجودون في السوق ونعتمد على مبدأ الشكوى والشك، وأمام هذا الواقع على كل مواطن يشعر بأنه مغبون بالسعر أن يتقدم بالشكوى متحمّلاً أعباء الإجراءات الروتينية لوصول الشكوى وعلاجها، وبالمحصلة دائماً يقع الغبن على المواطن.. هل سمعتم بمواطن اشتكى فعادت له نقوده مع اعتذار يعيد له عنفوانه مع تبويس شوارب؟!... دمتم.

عدد القراءات : 10248

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245671
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020