الأخبار |
بصور جريئة مستلقية على المكتب البيضاوي.. باريس هيلتون تعلن ترشحها لانتخابات الرئاسة الأمريكية  لأول مرة.. الولايات المتحدة تسجل 60 ألف إصابة بكورونا خلال يوم  دولة خليجية تعين قاضيات للمرة الأولى في تاريخها  مسؤول أمريكي يعتذر عن حضور عشاء مع الرئيس المكسيكي بعد تأكيد إصابته بكورونا  الرئيس العراقي: الانتهاكات العسكرية التركية تجاوز على أراضينا  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  لعبة أردوغان الخطرة.. بقلم: نورا المطيري  “كورونا” يهزم ترامب .. والرئاسة طارت ..!!.. بقلم: صالح الراشد  انتهاء امتحانات شهادة التعليم الأساسي.. أسئلة اللغة الإنكليزية واضحة وشاملة  الصحة المصرية: تسجيل 1025 إصابة جديدة بكورونا و75 حالة وفاة  علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  الدفاع الروسية: هيئة تحرير الشام تخطط لاستفزازات في إدلب واتهام الحكومة باستخدام أسلحة كيميائية  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  عشرات آلاف العمال الأمريكيين يضربون ضد العنصرية في 20 الجاري  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !     

الأزمنة

2015-11-14 01:47:05  |  الأرشيف

التعليم في سورية .. عن المناهج الجديدة والأدوات !! وللنهوض اقتصادياً المطلوب تكريس للتعليم التقني والمهني تعليمياً واجتماعياً

*أحمد سليمان
 حين نستعرض تجارب دول شرق وجنوب آسيا ذات النهضة الاقتصادية المؤثرة بقوة في الاقتصاد العالمي وهي كانت في معظمها إما تعاني من آثار حروب مدمرة لبنيتها التحتية إما من قلة الموارد، يستوقفنا النظام التعليمي الذي اتبعته وبنت من خلاله الأجيال التي نهضت بهذه الدول وحولتها من دول على الهامش إلى دول ناجحة بكل المقاييس ويتمتع سكانها برفاهية لا يتمتع بها سكان الدول الأوروبية التي سبقتها إلى النهوض الاقتصادي بعشرات السنوات..
 وإذا كان النظام التعليمي الذي اتبع في دول شرق آسيا كان وراء نجاح هذه الدول ليس على المستوى الاقتصادي فحسب بل في مختلف جوانب الحياة، فإن سره يكمن في تحديد ما تهدف إليه كل دولة من بناء أجيال تصنع تنميتها بيدها ومكانتها عبر إدارة كفؤة لهذا القطاع وإرادة لا تنكسر وتحفيز عال للعاملين في هذا القطاع وخاصة المعلمين والمدرسين مع مناهج تحاكي التطور السائد في العالم المتقدم مع الأخذ بالاعتبار ميول التلاميذ وتنميتها وتطوير قدراتها وخلق البيئة المناسبة للإبداع والابتكار وفي مختلف الميادين مع التركيز على تجسير الفجوة التي تعاني منها بلدانهم في المجالات التقنية الحديثة، الأمر الذي جعل من علمائها ومن مواطنيها الرقم الصعب في مجالات التكنولوجيا والاتصالات وهي الفجوة نفسها التي لم تتمنكن الدول الأوروبية والغربية تجاوزها من دون الاستعانة بعلماء وخبراء هذه الدول بل حتى إن معظم شركاتها المتخصصة في هذه المجالات وغيرها فتحت فروعاً لها في تلك الدول.
مراوحة منذ عقود
 نسوق هذه المقدمة ليس للمقارنة بيننا وبين هذه الدول في التقدم الحضاري والتقني والتكنولوجي رغم أن استقلال بعض هذه الدول وانتهاء الحروب فيها يتزامن مع استقلال بلدنا، إضافة إلى أن القطاع التعليمي لدينا يأخذ من ميزانية الدولة الحصة الأكبر. فما السر الذي يجعلهم ينهضون ونحن نراوح في المكان منذ عقود، مع العلم أن ما جرى في سورية في السنوات الخمس الأخيرة يدفعنا إلى إعادة النظر بمختلف جوانب الحياة وبخاصة الجانب التعليمي ونظامه الذي لابد من إعادة بنائه على أسس وقواعد جديدة بعد تحديد توجهات الدولة على المدى البعيد وأهدافها المتعلقة ببناء بلد حضاري حديث يستثمر ما لديه من طاقات وكفاءات ويحولها إلى قيم مضافة تزيد من متانة الاقتصاد الوطني ليستطيع الاستجابة للمتطلبات التي تقع على عاتق الدولة.. تكتيكياً.
فالمناهج التعليمية التي درسنا فيها لسنوات طويلة بكل أخطائها وتخلفها عن مناهج التعليم في الدول المتقدمة شكلت ذخيرة للطلاب المتخرجين وثباتاً ومنهجاً في حياتهم لم يستجب لمعطيات العصر ومتطلبات سوق العمل واحتياجات المجتمع..
 إلا أن التغيير الأخير في منهاج التعليم والذي مر عليه نحو خمس أي قبل الأزمة التي خلفت ما خلف من دمار وتخريب على المستوى المادي فيما شكل الاستهداف المباشر للكوادر التعليمية كارثة بكل المقاييس حتى إن بعض التنظيمات المسلحة التي سيطرت على بعض المناطق صدقت نفسها وقامت بتغيير المناهج الدراسية لتعزيز سيطرتها المسلحة بسيطرة فكرية إلا أن هذه المناهج التي لا تنتمي إلى العصر ولا العلم وكأنها عبارة عن جزر مقطوعة في حين ما زالت تجربة المنهاج الجديد بحاجة إلى إعادة النظر على المستوى التكتيكي لكونه يواجه مشكلات في تطبيقه مع إنه كما تقول الوزارة يعد تجربة جديدة لتطوير العملية التربوية ولمواكبة آخر المستجدات والتقنيات الفكرية والعلمية التي حصلت في هذا القطاع المهم في ظل تقدم العلوم والمعارف وتكنولوجيا المعلومات في العالم.
فالمناهج الجديدة قربت الطالب من الواقع رغم وجود أخطاء أساسية فيها يتم تصحيحها بشكل دائم إما من خلال إرسال الملاحظات إلى الوزارة وإما بقيام المعلم نفسه بتصحيحها، إلا أن هناك معاناة من قلة عدد الحصص الدرسية بحيث لا يتمكن المعلمون من إنهاء المنهاج وتؤثر على استيعاب الطالب إلى جانب الوقت القليل لمدة الحصة الواحدة البالغة 45 دقيقة فيما الدرس الواحد من أي مادة يحتاج إتمام شرحه للطلاب لحصتين أو ثلاث وهو مقرر في حصة واحدة. فيما يشير آخرون إلى عدم وجود وتوافر الوسائل التعليمية المساعدة التي يجب أن تكون موجودة للمساعدة في العملية التعليمية بالإضافة إلى وجود أكثر من 30 طالباً في الصف، فيما المناهج تقوم على تقسيم الطلاب إلى مجموعات وهو مالا يمكن فعله. فالعدد زائد على الحد.. ففي كل شعبة ما يزيد على 50 طالباً والحوار العملي يجب أن يكون بين 15-20 طالباً.
 وفي حين يجمع المعلمون على أن المناهج الجديدة تمكنت من تحريك ذهن الطالب ودفعه إلى التفكير وإطلاق أفكاره وخياله مع التفاعل والتجاوب الكبيرين إلا أن للطلاب وجهة نظر أخرى تتقاطع بعضها مع ما ذهب إليه المعلمون من ضيق الوقت للحصة الواحدة الذي لا يسمح للمدرس بشرح الدرس بالكامل ومشكلة النصوص التي تأتي في الامتحان العام من خارج الكتاب وأخطاء موجودة في بعض الكتب إلى جانب عدم وجود مكان لتطبيق التجارب العلمية كالمخبر الموجود في بعض المدارس في حين لا يتسع لأكثر من عشرة طلاب بينما في كل صف أكثر من 45 طالباً وأن المناهج كبيرة وضخمة وتحتاج حصصاً أكثر مما يتطلب بطرح أنموذج لأسئلة دورات يعده مؤلفو الكتب في الوزارة ليتمكن الطلاب من الاطلاع عليها.
ورغم ما ذهب إليه الطلاب والمعلمون من ملاحظاتهم على المناهج الجديدة بشكل عام والتي تتطلب بعض التعديلات والأدوات، إلا أن السؤال الأهم هل هذه المناهج الجديدة تستطيع أن تأخذ بعين الاعتبار نهوض سورية في ظل عدم توافر الأدوات والوسائل لتطبيقها وخاصة في المدارس النائية وخاصة ما يتعلق بتطبيقات التكنولوجيا وغيرها، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بهذا القطاع جراء الأزمة من الجوانب المادية والتي أدت إلى تخريب نحو 4 آلاف مدرسة وخسارة مئات آلاف الطلاب لمدارسهم إضافة إلى خسارة آلاف الكوادر التعليمية إما موتى أو مخطوفين أو مستقيلين وخسارات مادية تقدر بأكثر من 170 مليار ليرة حسب إحصاءات نهاية العام الماضي.
الثقافة المجتمعية
 كل ذلك يتطلب إعادة النظر في تطبيق هذه المناهج بعد هذه السنوات والتوجه بشكل أكثر إلى المناهج المهنية والتقنية وإعطائها الأهمية ليس من الجوانب التعليمية والتربوية فحسب بل حتى من الجوانب الاجتماعية وهذا بالطبع يتطلب إعادة النظر في الثقافة المجتمعية التي تعطي الطبيب والصيدلي والمهندس والتي جاءت من درجات القبول الجامعي للمتقدمين لهذه الفروع وانعكاسا لها، في حين من يدخل التعليم المهني والتقني هو صاحب العلامات المتدنية في شهادة التعليم الأساسي أو الإعدادي كما كانت.. وهذا التعليم حالياً يعاني مشكلات تتعلق بتعدّد الجهات المسؤولة وعدم وجود إدارة موحّدة للإشراف وتماثل المهن والاختصاصات في الوزارات إلى عدم تنفيذ أي استراتيجية موحّدة، إضافة إلى ضعف التنسيق بين الوزارات بما يخدم الاحتياجات وسوق العمل كما بينت وزارة التربية التي أشارت أيضاً إلى قلة الموارد المخصصة للتدريب وإعادة التأهيل للمدرسين والمدربين والبحث والتطوير وإعداد المناهج والمعايير والتقويم، مع عدم وجود مرصد لقطاعي التعليم والتدريب والأعمال، وعدم كفاية خريجي التعليم التقني، ما يؤدّي إلى عدم اجتذاب الاستثمارات إضافة إلى ضعف المقوّمات التي تمكّن من التحفيز المادي والمعنوي للمدرسين والمدربين الأكفاء لاجتذاب الطلبة.
علاقة مقطوعة
 ويصف معاون وزير التربية لشؤون التعليم المهني والتقني الدكتور سعيد خراساني العلاقة بين النظام التعليمي والمؤسسات بالمتباعدة والمقطوعة أحياناً، ولاسيما أن أهدافهم وطرائق عملهم مختلفة، يضاف إلى ذلك صعوبة تحديث الشركات لأن معظمها عائلية صغيرة لا تتمتع بقدرة استيعاب كبيرة، مع ضعف التغذية الراجعة لسوق العمل وعدم وجود كوادر مؤهّلة مختصة في مجال تدريب الطلاب في المؤسسات الاقتصادية ما يشكل عبئاً إضافياً على نظام التعليم المزدوج، مع عدم وجود نظام يسمح بالانتقال من المؤسسات التعليمية إلى المؤسسات الاقتصادية وبالعكس.
إعادة الإعمار
ومع التحدّيات التي تواجه هذا النوع من التعليم على المستوى الحكومي المتمثلة بعدم استقلالية المؤسسات التعليمية في الإنفاق المالي على العمليات التدريبية والتعليمية مع دور منوط بالتعليم التقني في إعادة الإعمار، ناهيك عن النظرة الاجتماعية للتعليم التقني وعدم جاذبيته لأسباب يمكن تجاوزها الأمر يتطلب حسب خرساني من الحكومة تبنّي طريقة متكاملة من خلال تحليل مضامين هذا النظام التعليمي وتطوير السياسات المتبعة بشأنه بالاعتماد على حاجات الطلاب والأهداف الاجتماعية من أجل تطوير مستدام لحاجات سوق العمل، مع تنويع مناهج التعليم التقني، وتطوير طرق الانتقال بين التعليم الثانوي وما بعده وتوسيع نطاق التعليم التقني ما بعد التعليم الثانوي بالإضافة إلى إعادة النظر في موضوع قبول الطلاب حسب الرغبة والمهارة لا حسب الدرجات وزيادة اهتمام الدولة بتطوير الإدارات المختلفة ومنها الهيكلية لتكون مرنة وفعالة، إضافة إلى السعي لتجويد أداء التعليم التقني نظراً لحاجة سوق العمل المتزايدة إلى الأكفاء ولاسيما في إحداث كليات العلوم التطبيقية التي شجّعت الطلاب على الالتحاق بالتعليم المهني والتقني وإنشاء المؤسسات والحواضن ذات الصلة لدعم الالتزام والابتكار لمواجهة البطالة والنقص في العمالة وربط التعليم التقني مع التعليم مدى الحياة، مع إقرار سياسات التعليم التقني بتنوع القطاع الخاص الذي يمثل المشاريع الكبيرة والمتوسطة والصغيرة والمنزلية المشاركة في كل المجالات.
الاستثمار في الأطفال
 وتؤكد مؤسسة بروكينجز المختصة بقضايا جودة التعليم في العالم النامي، في تقرير لمركز التعليم العالمي فيها.. أن الاستثمار المبكر في حياة الأطفال هو أحد أهم الاستثمارات التي يمكن للدول أن تقوم بها، وأن التعليم المبكر يحسّن من قدرات التعلّم والتحصيل المدرسي وإنتاجية سوق العمل، وأنه كلما بكّرنا بالاستثمار زاد العائد الاقتصادي الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراء عاجل لتطوير المهارات الأساسية لدى الأطفال والشباب لتمكينهم من التقدم في المدارس وإيجاد فرص عمل لائقة تناسب سوق العمل في المستقبل الذين سيحيون فيه.

عدد القراءات : 10697

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245709
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020