لماذا كلّ هذا التهويل للضربات الأميركية على سورية؟.. بقلم: جمال محسن العفلق

قبل الحديث عن الضربات الأميركية المحتملة على سورية في حال بدأت القوات السورية عملية تحرير إدلب آخر معاقل الإرهاب الدولي الحصينة لا بدّ من المرور على التاريخ الأميركي في الحروب والعقلية الاستعمارية لحكام الولايات المتحدة منذ نشأتها، فبعد إبادة السكان الأصليين توجهت أميركا إلى أولى حروبها فغزت نيكاراغوا عام 1833 ومن ثم المكسيك والبيرو وكوبا وكوريا وفيتنام واليابان والكثير من الدول إما لتغيير نظام حكم أو للاستيلاء على ثروات وأموال ودائماً كانت تكاليف تلك الغزوات كبير مالياً وبشرياً، وبحساب القوة نجد انّ جميع «انتصارات» الولايات المتحدة الأميركية كانت مكلفة لأنّ الماكينة الإعلامية لم تكن تذكر خسائر القوات الأميركية بل ما تحققه فقط وهو أمر يستحق التوقف عنده، ففي فيتنام فقط وحسب المصادر خسرت القوات الأميركية 58 ألف قتيل وأكثر من 150 ألف جريح ومئات الأسرى وتكلفة الحرب المادية تجاوزت 738 مليار دولار. وهذه الأرقام في حينها ليست بالأرقام البسيطة ولا المقبولة لو أردنا قياس القوة الأميركية عسكرياً ومادياً مع القوة المدافعة في فيتنام.
 
واليوم في سورية نجد الولايات المتحدة تهدّد وتزداد نبرتها الإعلامية في التهديد والوعيد في حال أرادت القوات السورية تحرير مدينة إدلب وإخراج الإرهابيين منها، فما هي أسباب هذا الرفض الأميركي لهذه العملية وهل أميركا قادرة على تنفيذ هذا التهديد؟
 
تدّعي الولايات المتحدة أنها تحارب الإرهاب! وهذا الإرهاب اليوم ملتصق بالجماعات الإسلامية وأساسها جميعاً الإخوان المسلمون والحركة الوهابية، ومن هاتين الحركتين تفرّعت الجماعات الإرهابية مثل القاعدة ومن ثم النصرة وداعش وجبهة تحرير الشام والكثير من الأسماء، لكن الأساس هو الإرهاب والفكر الظلامي. وقد ادّعت الولايات المتحدة سابقاً أنها غزت أفغانستان لمحاربة الإرهاب وأعلن بوش الابن الحرب الصليبية على الإرهاب، وبنفس الصواريخ التي قصفت أفغانستان لمحاربة الجماعات الإرهابية يريد اليوم الرئيس الأميركي ترامب قصف سورية لحماية نفس الجماعات الإرهابية في إدلب والحجة لدية معلومات شبة مؤكدة بأنّ الجيش السوري سوف يستخدم المواد الكيميائية! فبعد فشل دول العدوان على سورية في إثبات استخدام الجيش السوري لهذه المواد في معارك تحرير الغوطة وريف درعا، وفشل دول العدوان في تثبيت الجماعات الإرهابية في الجنوب وفي محيط دمشق، وانحصار القوة الإرهابية في إدلب آخر معاقل الإرهاب، والتقارير المؤكدة لدى الإدارة الأميركية تؤكد أنّ الجماعات الإرهابية لن تستطيع الصمود أمام الجيش السوري والحلفاء فأكثر القادة لتلك الجماعات هم لصوص مال ويستثمرون الأموال في دول عديدة ويمتلكون ملايين الدولارات ومصالحهم الشخصية أهمّ بكثير من خوض حرب عن أميركا والعصابات الصهيونية، ويعلم الأميركان أنّ أهالي إدلب يرفضون وجود تلك الجماعات وليسوا حاضنة قوية يمكن الاعتماد عليها في حماية تلك الجماعة، فنحن هنا نتحدث عن خزان بشري كبير ينتظر لحظة البدء بالعمليات العسكرية السورية ليخرج عبر الممرات الآمنة او ليكون يداً للجيش السوري في الداخل لتحرير المحافظة من العصابات الإرهابية، وتعلم دول العدوان أنّ تحرير محافظة إدلب سيكون عملياً هو يوم تحرير آخر الأراضي السورية من الجماعات الإرهابية، وبعد ذلك سيكون على الأميركان مغادرة الأراضي السورية التي دخلوها بدون موافقة الحكومة السورية، وهم في الواقع قوة احتلال ومن حق السوريين إخراج أيّ قوة احتلال بالطريقة التي يرونها مناسبة، وهذا أمر سيضع الإدارة الأميركية في حرج كبير على الصعيدين الدولي والداخلي. والمعضلة الأخرى التي تدفع قوى العدوان لهذا التصعيد الغير مسبوق هي إلى أين سيتمّ نقل المسلحين؟
 
نظرياً الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ هجوم صاروخي لضرب بنك أهداف محدّد تعتقد الولايات المتحدة أنه كاف لوقف عملية تحرير إدلب وإرباك الجيش السوري وتأخير تقدّمه فهل هذا كاف لوقف العملية؟ بالتأكيد عشرات او مئات الصواريخ لن يكون كافياً لتغيير واقع المعركة مع الأخذ بعين الاعتبار انّ المموّل للحرب وهو المال العربي سيكون عاجزاً عن الاستمرار بالتمويل، فهو غارق بحرب اليمن التي بدأ بها على أن ينهيها في ثلاثة أسابيع، واليوم دخل عامه الثالث وهو يراوح في المكان نفسه. وعلى قوى العدوان الاختيار إما الاكتفاء بهذا العمل الاستعراضي أو الدخول بالحرب من خلال قوات على الأرض وهذا ما لا يمكن تنفيذه لأنّ وجود قوات على الأرض يعني أنها أصبحت هدفاً للقوات السورية والمقاومة الشعبية وهذا لا طاقة لها فيه.
 
لأنّ الدول الغربية وعلى رأسها أميركا تدّعي قوة لا تملكها وما زالت بيروت موجوده شامخة تذكّر القوات الأميركية والفرنسية بمصيرهم، والخوف من هذه التهديدات وهذه الضربات لا معنى له، فأكثر الحروب الأميركية كانت نتيجتها خاسرة، ونحن هنا لا نتحدث عن قوة أميركا او نستهين بها بل نتحدث عن قوتنا الحقيقية في الردّ على أيّ عدوان ونراهن على قوة الأرض وحقنا في العيش والبقاء، وهذا أهمّ من أيّ صواريخ قد تطلق علينا من البحر او قواعد عسكرية موجوده لدى دول يُفترض أنها دول شقيقة!
 
وعلينا فهم حقيقة الخوف الأميركي من المبادرة بهجوم، فالسعي الأميركي ليس لتشريع العدوان القائم أصلاً، بل لطلب العون من الدول الأخرى. وتقاسم الهزيمة المتوقعة مع تلك الدول، قد يعطل العدوان الأميركي لبعض الوقت تنفيذ القرار السوري والدول الحليفة تحرير إدلب، لكنه لن يلغيه بالتأكيد، فالقرار اتخذ وانتهى الأمر، وطرح مشاريع إعادة الإعمار أصبح قريباً جداً، وسنة حرب إضافية على السنوات الثماني السابقة لن يؤثر على شعب تعوّد الصمود وأتقن الحرب والسلم.
 
انّ كذبة الأسلحة الكيميائية تصدّقها عقول الذين تعوّدوا على الخضوع والانصياع لأوامر السفراء الأميركيين، وتلك الذرائع تسقط إذا بحثنا في كمية اليورانيوم المنضّب التي استخدمتها القوات الغازية الأميركية في العراق، والأسلحة الفوسفورية التي تستخدمها العصابات الصهيونية ضدّ المتظاهرين في فلسطين المحتلة، والقنابل المحرمة دولياً التي تستخدمها السعودية ضدّ الشعب اليمني ومصدرها مصانع السلاح في الولايات المتحدة الأميركية.
 
إنّ الولايات المتحدة الأميركية بإدارتها الحالية تمثل أقبح وجوه الغطرسة والكذب والنفاق، وعلينا أن ننتظر قادم الأيام لنثبت للعالم أنّ هذه القوة ليست إلا وهماً صنعه الإعلام وروّج له الأتباع، كما داعش الوهم الذي أصبح من الماضي وفشل رغم كلّ الدعم الدولي من إعلان دولة الخرافة.

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018