أخبار سورية

ظاهرة الغش الأزلية في الصناعة المحلية تبدأ من العلكة ولا تنتهي بالدواء.. صناعيون: لسنا نحن بل الذين يصنّعون في ورشات بالخفاء ويقلدوننا

يسرى ديب:
بعدما أعياه شرب الدواء المحلي من دون جدوى، راجع رامي شحود طبيب الأطفال مصطحباً ولده الصغير الذي تطورت حالة الرشح عنده إلى التهاب في صدره، فهمس له الطبيب بضرورة شراء الدواء الأجنبي المضمون للحصول على نتائج حقيقية! وهذا ما حصل!
الخبر الأكثر تكراراً في وسائل الإعلام هو ضبط مواد مغشوشة من كل الأشكال والأنواع…, وإذا كانت هذه حال المواد التي تم كشفها فما هو الحجم الحقيقي للغش؟
في أيام الرخاء كانت أخبار الغش يومية، فهل يمكن أن نتخيل الحالة مع ظروف حرب كهذه؟
قد يكون الغش في المواد الغذائية والأدوية هو الأكثر خطورة من بقية المواد، ولكن لا يوجد أسوأ من مشاعر «الطعن» التي يشعر فيها كل من يكتشف أنه تعرض لغش فيما تسوقه، ودفع مبلغاً للحصول على سلعة تبين أنها لا تستحقه؟
تتوحش أشكال الغش، خلال الحرب، ففي تموين حماة ضبوط تؤكد أن إحدى عينات اللبنة المأخوذة من الأسواق لا تحتوي على ذرة حليب واحدة، وكل محتوياتها عبارة عن خلطة مواد كيماوية من بينها الكلس، وصولاً إلى الغش في الأدوية والتحايل على المادة الفعالة المستوردة بصلاحيات شبه منتهية، ليعاد تصنيعها محلياً بعبوات دوائية تسجل عليها صلاحية جديدة!
في أنواع اللحوم، والألبسة والأحذية والمواد الكيمياوية لا منتجات بمنأى عن نوع ودرجة من الغش!
ما أسباب انتشار هذه الظاهرة، ولماذا استمرت قبل الحرب واستفحلت خلالها؟
 
لا نوافق!!
عند محاولة الوقوف على مسوغات ظاهرة الغش من أصحاب الشأن من المصنعين والصناعيين، تضيع الجهود في تفاصيل من نوع: تعريف الغش وأنواعه، ومن ثم رمي الكرة في ملعب آخر وهو أن من يخالف ويغش ليس من أصحاب الشركات المعروفة بل هم أولئك الذين يصنعون في ورشات بالخفاء ويقلدون الماركات المعروفة، أو من قبل الذين يعملون بقرار صناعي، وليس الحاصلين على ترخيص، وهو إجراء تم العمل فيه في فترة الحرب لأصحاب المنشآت الذين تهجروا، ولم يغادروا البلد، مؤكدين أن من يريد أن يستمر لا يستطيع أن يغش.
رئيس غرفة صناعة دمشق الصناعي سامر الدبس حسم الحديث بعد انتظاره وقتاً ليس بالقليل ليتحدث إلينا، حاسماً الأمر بأنه لا يوافق على طرح فكرة الغش في الصناعة المحلية، ويرى في هذا العنوان ظلماً للصناعة والصناعيين.
في البداية قد يبدو الأمر منطقياً لولا أن المعاناة يومية مع كل ما نتسوقه من مواد بكل أنواعها سواء كانت غذائية أو كيميائية أو نسيجية منتجة محلياً أو مستوردة.
أحد الصناعيين بعدما توقف عن الحديث الرسمي للصحافة، روى الكثير من القصص التي تنتهي بتأكيد حوادث الغش في كل المواد!
تحدث الرجل بما يعلمه عن قيام أحد مصنعي الأدوية باستيراد مواد فعالة، في الأشهر الأخيرة من صلاحيتها ومن ثم يعيد استخدامها في تصنيع الدواء المحلي ويضع لها صلاحية خاصة تبدأ من تاريخ تصنيعه في سورية.
وعن تحذيره لأولاده من شراء حلويات تدخل فيها أنواع من الجبنة، الداخلة في صناعة أنواع من الحلويات، وخاصة لأن سعر الكيلو من جبنة القشقوان أعلى من سعر الحليب الذي يحتاجه للتصنيع في بعض الأماكن.
متشددة وحازمة
لا يرغب أمين سر نقابة صيادلة سورية د. طلال عجلاني في الحديث عن أي مشكلة في الدواء المحلي، لكيلا يؤثر في سمعة الدواء، ويؤكد أن الشروط متشددة في استيراد المادة الفعالة والمقدرة بثلثي المدة، أي إذا كانت صلاحية المادة الفعالة ثلاث سنوات، فيجب أن تكون المدة المتبقية على الصلاحية عامين لكي يسمح باستيرادها، ولكنه لم ينف وجود التهريب، والذي لا يمكن التأكد من صلاحيته ومواصفاته، ويعتقد أن الأمر يتعلق باستجابة المريض لهذا النوع من الدواء أو ذاك، فمن بين كل عشرة مرضى قد يكون شخصاً منهم لم يستفد.
وعند السؤال عن مشكلات صناعة الدواء أصبح في الإمكان الحصول على معلومات مختلفة، إذ يرى عجلاني أن الحرب تسببت بمشكلات كبيرة لهذه الصناعة، أبرزها تأخر وصول المادة الفعالة المستوردة مدة قد تفوق الشهرين وهذا يتطلب شروطاً لحفظها، ويزيد من تكاليفها وكل هذا يتسبب في مشكلات كبيرة في صناعة الدواء، كما قال، مضيفاً أن سعر الدواء لم يرتفع بالمقدار الذي يناسب التضخم الحاصل في مختلف السلع رغم أن مصنع الدواء مواطن، كما عامة المواطنين، الذين يجب لحظ ظروف معيشتهم.
ليس نحن!
نائب رئيس القطاع الكيميائي في غرفة صناعة دمشق أكرم الحلاق يرى أن المواد المغشوشة الموجودة في الأسواق هي من صنع ورشات التزوير المنتشرة في أطراف المدينة التي تطرح منتجاتها في الأسواق بأسماء ماركات معروفة، ودليل ذلك وجود سلع بأسماء منتجات كانت معاملها مغلقة في فترة الحرب، كما في بعض أسماء المنظفات مثلاً، وأن هذا الموضوع تسعى غرفة صناعة دمشق لمحاربته من خلال تشكيل فريق عمل لتتبع هذه الورشات، وإعلام الجهات الرقابية بأماكنها، لاتخاذ الإجراءات الرادعة بحقها، وأن هناك تعاوناً وتنسيقاً بين غرفة الصناعة ووزارة التجارة الداخلية في مواجهة هذا الأمر.
أضاف الحلاق: إن غرفة الصناعة تقوم بواجبها في توجيه الصناعيين إلى الالتزام بالمواصفة لحمايتهم من تبعات المخالفة التموينية، وأن هناك حالات فردية من المخالفات لا يمكن تعميمها، ولا يمانع حلاق بعقوبات رادعة للمخالفات الجسيمة المتعلقة بالغذاء والدواء وقمعها بقسوة، على عكس المخالفات غير الجسيمة التي تتعلق بأخطاء أثناء التصنيع، أما زبدة الكلام التي انتهى إليها فهي أن من يمتهن المخالفة في المواصفة هم من يسعون للربح السريع.
ويعتقد أمين سر غرفة صناعة دمشق فراس الجاجة، أن التزام المواصفة أمر مطلوب، ولكن الواقع يفرض مواصفة تبعاً للسعر، وأن هناك حاجة لمنتج أرخص لكي يستطيع الناس شراءه، ويرى أن 95% من التجار والصناعيين يعملون ضمن المواصفة.
يتوافق هذا القول مع رأي خبير الأسعار الأسبق في وزارة التجارة الداخلية وعضو جمعية حماية المستهلك الدكتور جمال السطل الذي يرى أن ارتفاع أسعار المنتجات عالية الجودة وعدم قدرة المستهلك على شرائها يدفع الغشاشين من أصحاب الورش غير المرخصة لطرح سلع وتسويق سلعهم المغشوشة، وهذا النوع من السلع لا يعيها المستهلك ويندفع لشرائها لرخصها بالمقارنة مع السلع عالية الجودة.
«الحق على الضرائب»
يعتقد أحد العاملين في التجارة سمير اسحاق أنه لا يمكن فصل ظاهرة الغش في الصناعة المحلية عن الواقع الصناعي بمجمله، يضيف إن الضرائب تضاعفت منذ خمس سنوات بنسبة 700% والغش أصبح ضرورة للبقاء على قيد الحياة وعشرات الورش الصغيرة تغلق نتيجة هذا الواقع الضريبي، ويعترض اسحاق على مصطلح الصناعة الوطنية ويعتقد أن مصطلح «المحلية» مناسب أكثر لأن أكثر من 70 % من مكونات السلعة المنتجة محلياً مستورد!
يضيف اسحاق أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل السلعة المستوردة تخضع لختم هيئة المواصفات والمقاييس؟ ولماذا نشتري سلعة مستوردة بمواصفات معينة ثم نجدها بمواصفات أخرى؟
ويرى أن سبب انتشار هذه الظاهرة هو آليات العمل الحكومي الرقابية الضعيفة في المنتج المحلي والمستورد، ويعتقد أن الغش لن ينتهي فقد كان وما زال وسيبقى ولكن مستواه ينخفض عندما توضع شروط المنافسة المتكافئة، ولنا في شركة الشرق للألبسة القطنية مثال، فالقطاع الخاص منافس للشرق ولكن منتجاتها المعروضة في صالات الحريقة تحصل على ثقة أكبر بكثير من منتجات منافسة، ونسب المبيعات تشهد على ذلك.
يضيف اسحاق إن فساد الصناعة المحلية ناتج في النهاية عن ضعف البيئة التشريعية من ناحية الضرائب وعدم توفير شروط المنافسة الحقيقية من ناحية أخرى، وأنه لو طلبنا من وزارة المالية إحصائية بعدد الورشات التي تقدمت بطلب إغلاقها منذ سنة حتى الآن لوجدنا الرقم كبيراً «وأنا أعرف عدة ورشات أغلقت أبوابها وشردت عمالها بسبب الضرائب»
وكمثال عملي أقول إن مواطناً استثمر فرناً خاصاً في جرمانا كانت ضريبته 17000 ليرة، وبعد أربع سنوات انتهى الاستثمار وعندما أراد الحصول على براءة ذمة فوجئ بأن ضريبة المحل أصبحت 160 ألف ليرة، وبأثر رجعي لثلاث سنوات، وهذا ما وصفه بـ«خراب بيت»!
مدير حماية المستهلك في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك د. حسام نصر الله يفضل التعامل الورقي معنا للحديث عن ظاهرة الغش في الصناعة الوطنية، ويبين أن إجمالي عدد الضبوط المنظمة بحق المخالفين على القانون رقم 14 لعام 2015 خلال سنوات الحرب بلغ نحو 199,5ألف ضبط تتضمن الضبوط المنظمة بمخالفات الغش والتزوير والتقليد وغيرها.
ولمزيد من التفصيل في تفاوت حالات الغش خلال سنوات الحرب ذكر نصر الله أن عدد الضبوط في عام 2013 بلغ أكثر من28,2 ألف ضبط، ونحو 52,3ألف ضبط في العام التالي، ثم انخفض إلى 36,7 ألف ضبط في العام2015، وعادت إلى الرقم 39,5 ألف ضبط في العام الذي تلاه، وأكثر من 31,8 ألف ضبط خلال العام الماضي.
وعن أنواع المواد الغذائية الأكثر عرضة للغش؟ أجاب نصر الله أنه من خلال متابعة الأسواق والفعاليات التجارية والباعة في المحافظات تبين أن أكثر المواد الغذائية عرضة للغش هي المواد المكشوفة (الحليب ومشتقاته _ الأجبان والألبان _ المعلبات بأنواعها المختلفة _ اللحوم …… إلخ) وهذا على سبيل المثال لا الحصر، إذ إن أي مادة غذائية يمكن أن تتعرض للغش في حال وجود «ضعاف النفوس ممن يستغلون ظروف الحرب لتحقيق مكاسب ومنافع شخصية والإثراء بأسرع وقت وبأقل تكلفة».
في إجابة د. نصرالله تظهر الهوة الكبيرة بين التصريحات والواقع، فالإجراءات التي تحدث عنها كفيلة بردع أو على أقل تقدير تخفيض أعداد المخالفات عن الشكل الكبير الذي يحصل الآن:
فهو يرى أن الوزارة تقوم بمتابعة هؤلاء وضبط المخالفين منهم واتخاذ أشد العقوبات الرادعة بحقهم وإحالتهم إلى الجهات المختصة (القضاء أو الجهات الأخرى) وتقوم بشكل مستمر بتوجيه مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك في المحافظات للعمل على تشديد الرقابة التموينية على جميع المعامل العاملة في مجال تصنيع المواد الغذائية بأنواعها كلها وتدقيق الفواتير ومصدر المادة وسحب العينات من المواد المشتبه بمخالفتها وتحليلها واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين والتي تصل إلى حد الإغلاق الإداري والإحالة إلى القضاء, كما تم متابعة أسعارها وضبطها منعاً لبيعها بسعر زائد عن السعر المحدد أصولاً وهذه المواد والسلع خاضعة للرقابة الدائمة وتتخذ الإجراءات القانونية والعقوبات الرادعة بحق من تثبت مخالفته سواء للمواصفة أو السعر!
«على السريع»
وعن أنواع المنشآت الأكثر مخالفة، قال نصر الله إنه يمكن تحديدها بالمنشآت والورشات الصغيرة المنتجة للمواد الغذائية بأنواعها والتي تلجأ إلى الغش في المواصفات بهدف الكسب غير المشروع ولا يمكن حصرها بعدد معين لكن تتم متابعتها من قبل جهاز حماية المستهلك واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين وفق أحكام القانون وذلك من خلال متابعة المواد والسلع في الأسواق للوصول إلى مصدرها الأساس.
كيف ترى القوانين الخاصة بالتعامل مع ظاهرة الغش, هل هي كافية ورادعة بما يكفي؟
إن القانون رقم 14 لعام 2015 يواكب الواقع الحقيقي للأسواق، وينص في متن مواده على عقوبات رادعة للمخالفين، بدءاً من الغرامة المالية التي تتراوح بين 25000 ل.س وتصل إلى المليون ليرة، والإغلاق الإداري الذي يصل إلى مدة شهر كامل للمنشأة كما يتضمن عقوبة سجن لمدد مختلفة، وذلك حسب نوع وجسامة المخالفة المرتكبة من قبل المخالف، وتقوم الوزارة بدراسة القانون وخاصة موضوع العقوبات وتوسع قاعدتها وتصبح أكثر حزماً في ضبط المخالفات والتجاوزات في الأسواق، حيث طالت التعديلات المقترحة العقوبات المفروضة بما يخص المخالفات الجسيمة وغيرها، وتهدف التعديلات المقترحة على القانون إلى مواكبة التطورات الاقتصادية والتجارية، ومواكبة القوانين المماثلة له في الدول المتقدمة للوصول إلى قانون عصري يخدم كل حلقاته (التاجر المستهلك المنتج المستورد) وبالنسبة للعقوبات فإن الوزارة تعمل على مدار الساعة، كما يقول، لمراقبة الأسواق كلها وضبط الأسعار!
لم تضبط!
لا تتفق الأستاذة في كلية الاقتصاد د.رشا سيروب مع ما يقوله مدير حماية المستهلك وترى أن المشكلة في ظاهرة الغش في الصناعة المحلية تكمن في غياب رقابة هيئة المواصفات والمقاييس في ضمان جودة المنتج، مع تغييب الجزء الخاص بحماية المستهلك من قبل وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التي حددت دورها بمفهوم ضبط الأسعار (علماً أنها غير مضبوطة) وإهمال مهمتها الأساسية وهي حماية المستهلك بالسعر والجودة على السواء.
سيئة الصنع
يفند الباحث الاقتصادي د. حيان سلمان ومعاون وزير الكهرباء الأسباب الحقيقية وراء انتشار ظاهرة الغش ويقول: إن أي ملاحظ لحركة الأسواق سواء كان من ناحية حركة التداول أو نوعية السلعة يجد تغيرات كبيرة، تتجه بشكل عام نحو تغير في الطلب الكلي على العرض الإجمالي وتراجع مستوى الطلب، ونتج عن هذا عدد من الآثار من أبرزها، كما يرى الخبير الاقتصادي سلمان، زيادة نوعية السلع والبضائع سيئة الصنع، ويمكن القول منتهية الصلاحية في الأسواق، والتي مصدرها غير نظامي، ووصلت البلد عن طريق التهريب وخاصة من تركيا ولبنان، وتتميز بأنها نسبياً رخيصة وبدأت تنافس السلع الجيدة، وهنا ينطبق المبدأ: في ظروف الأزمات السلع الرديئة تطرد الجيدة، كما تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة، والسبب أنها منخفضة التكاليف، وتالياً الأسعار، وخاصة للسلع سريعة التداول والاستهلاك كالألبسة والأغذية. يضيف د. سلمان أن من نتائج الحرب تدمير الكثير من المنشآت وخاصة الصغيرة والمتوسطة، وبالأخص المرتبطة بالمستهلك، وهذا أدى إلى تناقص العرض من السلع والخدمات في الأسواق المحلية، فانتشرت السوق السوداء، وتوسعت أفقياً وعمودياً، وهذا أدى إلى ما يدعى «سوق السلع البديلة» التي حلت محل السلع الأساسية والمكملة، وبدأ تجار السوق «تجار الأزمات» يؤمنونها من مصدرين: مصادر غير نظامية «اقتصاد الظل» وهي الورش والمعامل الصغيرة التي نشأت في ظل الحرب، وبدأت تتعامل بتجاوب مباشر مع طلبات السوق مستخدمة أسوأ أنواع مدخلات الإنتاج هادفة إلى تحقيق أكبر ربح ممكن.
التعاقد مع تجار في دول مجاورة استغلوا ظروف الأسواق السورية، وكانوا يميلون إلى تأمين حاجات السوق مستفيدين من الفجوة بين «العرض والطلب» أو ما يدعى بعلم الاقتصاد بـ«الفجوة التسويقية»، واستطاعوا التلاعب بمواصفات السلع والخدمات، لإشباع هذه الفجوة بصرف النظر عن نوعيتها ومدى تطابقها مع المواصفات القياسية العالمية أو هيئة المواصفات السورية.
ويرى أن العقوبات والحصار الاقتصادي الظالمين والمفروضين بشكل أحادي من الدول المتآمرة على سورية والمخالفين لقواعد منظمة التجارة وميثاق الأمم المتحدة أديا إلى:
توقف الكثير من خطوط الإنتاج بسبب عدم القدرة على تأمين قطع التبديل.
تأثر دورة النشاط الاقتصادي بسبب عدم القدرة على تأمين مستلزمات الإنتاج، إن هذين العاملين أديا بشكل مباشر إلى تراجع العرض الكلي من المنتجات، وكما هو معروف في علم الاقتصاد «الأسواق لا تعرف الفراغ»، فملأ هذا الفراغ سلعاً مستوردة وأغلبها متعرض لعيوب صنع، وأوشك على انتهاء الصلاحية، وامتلأت الأسواق السورية بها، وهي من النوع الثاني، وبيعت بأسعار تعادل النوع الأول، ما أدى إلى الانعكاس السلبي على السلع المتداولة وخاصة الضرورية منها كالأدوية والأغذية والألبسة، كما ترافقت الحرب على سورية بزيادة النفقات والمصاريف لمكافحة الإرهاب وتراجع الصادرات والمستوردات أيضاً، لكن بقيت نسبة تراجع المستوردات أقل من نسبة تراجع الصادرات، فازداد العجز في الميزان التجاري، وتحول من حدود 400 مليون ليرة عام 2010 إلى أكثر من مليار ليرة عام 2015 وهذا أدى إلى تراجع القدرة الشرائية لليرة، وزيادة أسعار الصرف، حيث ارتفع سعر الصرف من 50 ليرة في عام 2010 إلى أكثر من 450 ليرة وسطياً خلال سنوات الحرب، وهذا كله أدى إلى ميل المستهلك لأن يؤمن حاجاته من السلع الأساسية عن طريق المصادر الخارجية، وخاصة تحويلات المغتربين وتالياً، زادت كتلة السلع والخدمات التي أتت إلى أسواقنا بطرق غير نظامية لتعوض النقص الإنتاجي، وهنا نذكر بعض الأرقام:
فحسب المجموعة الإحصائية لعام 2017 فقد كانت قيمة الصادرات 569 مليار ليرة، بينما في عام 2016 وصلت إلى 328 مليار ليرة، وكانت المستوردات للعامين نفسيهما 812 مليار ليرة ارتفعت إلى 2238 مليار ليرة، ما أدى إلى زيادة العجز في الميزان التجاري من 243 ملياراً عام 2010 إلى 1910 مليارات عام 2016، وكل هذا كان له أثره الكبير في التدفق الإنتاجي من السلع والخدمات، وحلت سوء النوعية بالدرجة الأولى، ومن نتائج الحرب أيضاً تراجع قيمة الناتج المحلي الإجمالي وكما هو معروف أن قيمة الناتج المحلي الإجمالي يعد بمنزلة الكعكة الاقتصادية التي تتوزع على كل مكونات المجتمع، وكمثال على ذلك، كانت قيمة الناتج المحلي الإجمالي لعام2010 نحو 1495 مليار ليرة ، بينما تراجعت 2016 إلى 642 ملياراً، وكان التراجع الأكبر في قطاع الإنتاج المادي الزراعة والصناعة، فكنا نصدر الأدوية إلى نحو 90 دولة من دول العالم، وبدأنا نستورد أدوية من أغلبية دول العالم، بسبب تدمير مرتكزات البنية التحتية بشكل خاص المعامل، كل هذه الأمور سهلت الطريق لـ «مافيا السوق» لاستحضار منتجات لتلبية الطلب الداخلي المتزايد على حساب النوعية، لكن منذ 2018 بدأنا نتلمس معالم الانتعاش الاقتصادي ونحن متأكدون من عودة التوازن إلى دورة النشاط الاقتصادي وتحقيق التوازن بين العرض والطلب.
تشرين

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018