تحليل وآراء

ثالوث الشر ورحلة الهروب إلى الأمام: هل يجدون ضالتهم في معركة إدلب؟

فراس عزيز ديب
عندما تمتهِن الكذِب عليكَ التأكُّد من امتلاككَ ذاكرةً قوية، هذهِ الحكمة مفيدة لمن تخونهم ذاكرتهم وهم يُمعنون في سرد الأكاذيب، فيقعون في مطبِ التكرار والتناقض ليصبحوا منكشفين لمن يُصغي إليهم وكأنهم ذئاب تُجيد العِواء خلفَ ستار الظلام، لا يلبثون أن يهرَعوا هرباً عندما يداهمهم نور الحقيقة.
هذه المفارقة ليست حِكراً على الحياة الاجتماعية بل تتعداها لمن يمارسون السياسة في وقتٍ أصبحت فيه ممارستهم لها على طريقةِ من مارسَ أقدمَ مهنةٍ عرفها التاريخ، ليصبح الكذب بالنسبةِ لهم أشبهَ بمادةٍ دستورية مكتوبةٌ بدماءِ الأبرياء الذين تورطوا بقتلهم، كيف لا والسياسة الدولية اليوم قائمة على سياسيين من شاكلةِ النظام التركي، الأميركي، و«كراكوزات» الأنظمة الأوروبية المتهالكة، هنا الكذب لا يصبحُ ملحَ الرجال كما يقول المثل الشهير، لأن الرجولة بالأساس موقف، بل إن الكذب يصبحُ موصوفاً بأسماء تلك الزعامات، فمن غير المنطقي اليوم أن نقول أردوغان الكاذب، الأدق أن نقول الكذب الأردوغاني، والخداع الأوروبي والهبل الترامبي، تحديداً إن البوتقة الوحيدة التي تجمع ثالوثَ الشرِّ هذا عنوانها الأساسي أنهم «ضحايا» الصمود السوري، ومن ثمّ فإن الوضع المزري لهؤلاء سيعني حُكماً سعيهم لتحقيقِ انتصارٍ ما في الملف السوري ينقذ ماء وجههم، فهل تشكلُ معركةَ إدلب المنتظرة خشبةَ الخلاصِ لهم، فيعيدون خلط الأوراق بما يضمن بثّ الروح في مصداقيتهم؟
من الرئيس الأميركي دونالد ترامب نبدأ، إذ لم يكُن حتى أكثرَ المتفائلين برحيلهِ يتوقعون أن تصبحَ إجراءات عزلهِ أمراً واقعاً لا يفصلها عن التطبيق إلا انتخابات التجديد للكونغرس الأميركي التي ستجري بعد شهرين تقريباً، ففي حال نجح الديمقراطيون بتحقيقِ انتصارٍ ما وهو أمرٌ متوقع حسب استطلاعات الرأي فإن مسألةَ بقاء ترامب في الحكم باتت شبهَ مستحيلةٍ وإن كانوا بحاجةٍ لموافقةِ الثلثين لتمرير عزله، تحديداً أن ترامب ليس عضواً في الحزب الجمهوري بل يمتلك عداوات ضمن الحزب الأكثر قرباً له، أما الديمقراطيون فالقضية بالنسبةِ لهم تصفيةَ حساباتٍ ليس مع ترامب فحسب بل مع روسيا ذاتها التي ما زالوا يتهمونها بأنها السبب بوصول ترامب إلى البيت الأبيض.
لكن إخفاق ترامب ليس محصوراً فقط بالوضع الداخلي، فعلى مستوى السياسة الخارجية أخفق في جميع الملفات حتى قادَ الولايات المتحدة للمواجهة مع الحلفاء قبلَ الأعداء بما فيهم الاتحاد الأوروبي وتركيا، أما الخصوم فلا الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وإعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني نجحا بجعلِ اللوبي الصهيوني يمد يد العون له، ولا حتى نزوعهُ إلى «السلام» في ملف كوريا الديمقراطية جاء بنتيجةٍ، تحديداً بعد الإعلان عن إلغاء زيارة وزير خارجيته مايك بومبيو إلى بيونغ يانغ بذريعةِ عدم حدوث تقدمٍ لدى الكوريين بما يتعلق بنزعِ سلاحهم النووي، إلغاء لم يكن رسالةً لكوريا الديمقراطية فحسب لكنه في الوقت ذاته كان رسالة للخصم الأقوى أي الصين.
أما أحفاد الاستعمار القديم في القارةِ العجوز فهم ليسوا بحالٍ أفضل، فبعد سقوطهم في مطبِّ قبول الأعداد الهائلة من اللاجئين بهدف الاستثمار بهم سياسياً على أمل إسقاط «النظام السوري» بذريعتهم، وقفوا صاغرينَ أمام شروط السلطان العثماني دون أن يتمكنوا من ممارسة أيّ ضغطٍ عليه، لأنه يومها كان محمياً بقرارٍ أميركي بسبب الحاجة إليه في الملف السوري، كما أن الرئيس الحالي دونالد ترامب برعَ في إذلالهم، من رفعِ الرسوم والضرائب على بضائِعهم، وصولاً لتهديدهم بفرض عقوباتٍ على كبريات الشركات الأوروبية التي لا تلتزم بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران، أي إن التصرفات الأميركية والخنوع الأوروبي يوحيان بأن قضية لحاق الأوروبيين بالولايات المتحدة خارج الاتفاق النووي مع إيران مسألةَ وقتٍ لا أكثر، يحاول الأوروبيون تمريرهُ بسحب بعض الشركات الأوروبية العاملة في إيران كتوتال الفرنسية، وصولاً لوقف الرحلات الجوية إلى إيران بهدف انتظار ما ستؤول إليه إجراءات عزل دونالد ترامب مستقبلاً، هذه الدونية التي باتت تعيشها السياسة الأوروبية تجعلنا على يقينٍ بأنهم سيبحثون عما يعيد إليهم الروح والمكانة، وهل هناك أفضل من الملف السوري وقضية «استخدام النظام للسلاح الكيماوي» لتحقيق ذلك؟!
أما النظام التركي فهو فيما يبدو الحلقة الأقوى في هذا الثالوث، فنقطة قوته تكمن أساساً بقدرتهِ على المناورة والتعاطي بواقعيةٍ سياسيةٍ بعكس الباقين، هو فعلياً لا يمر بظروفٍ جيدة فالعلاقة مع الأميركي مجمدة بل إن العقوبات ضدهُ مرشحةٌ للتصاعد، أما الصديق الأوروبي اللدود فوجهَ له صفعتين متتاليتين الأولى عندما استبعد تقديمَ مساعداتٍ ماليةٍ عاجلة تُنقذ الليرة التركية من التدهور بسبب العقوبات الأميركية، والثانية عندما أعلن الاليزيه قبل أمس عدم إمكانية انعقاد القمة الرباعية التي دعا إليها رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان كلاً من قادة فرنسا وألمانيا وروسيا لمناقشةِ ما سماه «الوضع في سورية» مطلعَ الشهر القادم، لكن التركي كان ولا يزال يمتلك أوراقاً للمناورةِ في كلِّ الاتجاهات، وهو بارعٌ ببيع الوهم حتى لأصدقائهِ المستجدين فكيف ذلك؟
منذ ظهور زعيم تنظيم النصرة الإرهابي «أبو محمد الجولاني» في فيديو يتفقد فيه «المجاهدين في الثغور»، كان واضحاً أن القضية رسالةٌ لمن يعنيهم الأمر بأن الوعود التركية المتكررة بإمكانية غربلةِ المعارضة وفقَ اتفاق مناطق وقف التصعيد وصولاً للتخلص ممن يسمونهم الإرهابيين هي أمرٌ غير قابل للتطبيق، ليس لغيابِ الإرادة التركية لتحقيق ذلك فحسب بل لأن النصرة نفسها باتت الذراع الأميركية في معركة إدلب، والتي تريد الولايات المتحدة من خلالها فبركةَ ما تشاء لتبريرِ ردات فعلها، أي إن التركي اليوم لا يمون على قادةِ النصرة. أما السعي التركي لمبادلة وقف العملية العسكرية على إدلب بما يسمونها تسهيل تشكيل عمل «اللجنة الدستورية» المنبثقة عن مؤتمر سوتشي للحوار السوري السوري، فهي عملياً كمن يبيع السمك بالماء، فالروسي والإيراني يُدركان قبل غيرِهما أن التركي لديهِ هامشَ مناورة بما يتعلق بالأسماء والصلاحيات، وأن الأمر النهائي سيكون حكماً بيد الولايات المتحدة التي كانت ولا تزال تعترِف بمؤتمر جنيف كطريق وحيدٍ للوصول نحو الحل السياسي، أي إن التركي ليس لديهِ ما يقدمه، فماذا ينتظرنا؟
يبدو من الوقائع السياسية المُتاحة أن معركةَ إدلب باتت حاجةً للجميع، فالجانب السوري ومن معهُ يعتبرون استعادةَ إدلب أشبه بإنقاذ البشريةِ جمعاء من أسوأ خزانٍ إرهابي متطرف عرفهُ التاريخ، ولعل أسوأ ما في هذا الخزان ليس تركيبتهُ المتداخلة من جنسياتٍ واتجاهات راديكاليةٍ متنوعة، بل الأسوأ أنه محمي من دولٍ كانت ولا تزال تدعي أنها ضحية لهذا الإرهاب.
في الجانب الآخر فإنهم يرون المعركة سبباً للهروب من انتكاساتهم الداخلية، فالأوروبي يريد العودة لنغمةِ «الملفات الإنسانية»، والأميركي يريد نقلَ معركتهِ مع الدولة العميقة والديمقراطيين إلى الأرض السورية، أما التركي فهو حكماً سيكون الخاسر الأكبر ليس فقط لأن تشظي انفجار هذا الخزان الذي ساهم ببنائه وتعبئتهِ سيصيبه بمقتل، بل لأنه على مستوى التحالفات لن يجدَ نفسه وبمعنى آخر:
لم تكن التصريحات التي أطلقتها وزارة الدفاع الروسية عن النية الأميركية بتوجيه ضرباتٍ للجيش العربي السوري بذريعةِ استخدام السلاح الكيماوي في إدلب هي فقط من باب كشف ما تسعى إليهِ الولايات المتحدة، ربما أن هذه التصريحات وما يرافقها من استعدادٍ سوري للمعركة يعني حكماً أن هذه المعركة ستكون آخر معارك الناتو في سورية، وهي لا تقبل القسمة على اثنين فمن ليس معنا فهو ضدنا، هي استنساخٌ لمعركة حلب مع فارقٍ بسيط أن الناتو في تلكَ المعركة لم يتدخل بشكلٍ مباشر، واهم من يظن أن كل تلك الحشود هي فقط لمواجهة الإرهابيين. وواهمٌ من يظن أن قبل المعركة كما بعدها، ليس على مستوى العلاقات الدولية فحسب لكن على مستوى ما يسمونه «الحل السياسي في سورية» أيضاً، من هنا يمكننا أن نفهم سبب سعارِهم لمجرد سماع خبراً مفاده.. الجيش العربي السوري سيبدأ معركة تحرير إدلب من الإرهابيين، هم فعلياً امتهنوا الكذب مراراً وتكراراً، لكنهم كانوا ولا يزالون يمتلكون ذاكرة السمك.
الوطن
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018