الشـباب السوري .. طموحات تتحدّى سنوات الحرب وويلاتها.. طلبة جامعيون: نأمل أن تتحوّل أفكارنا إلى أفعال على أرض الواقع

إلهام العطار:
في حديقة كلية الآداب جامعة دمشق.. حيث عادت بنا الذكريات إلى أيام الدراسة، اجتمعنا، كانوا مجموعة شباب اختلفوا في الأعمار والكليات والمعاهد والمراحل الدراسية، وفي شكل لباسهم وقصات شعرهم وطريقة كلامهم.. ولكنهم اتفقوا على أنهم جيل الحرب الذي شهد تفاصيلها وعانى ويلاتها في حياته ودراسته، وسيبقى يعاني من قساوتها عند انطلاقته نحو حياته المهنية، فالحرب، كما قال أحدهم، وهو طالب في كلية الاقتصاد، شوّهت كل شيء، إنها لم تؤجل حلمنا في إيجاد فرصة عمل مناسبة، وفي تأمين المسكن وبناء أسرة متوازنة والمساهمة في خدمة الوطن فحسب، بل سرقت منا حتى أفكارنا، وتركتنا في ضياع لن تمحوه إلا أفكار واستراتيجيات تعيد رسم خطوط وملامح حياتنا للنهوض بواقعنا من جهة، ولمساعدتنا على تجاوز صعوبات الحياة من جهة ثانية وفي كل مجالات ومناحي الحياة.
ما يدور في أذهان الشباب السوري لم يكن ليغيب عن «تشرين» التي حاولت «لملمة» تلك الهواجس والأمنيات، وفردها بمناسبة الاحتفال بيوم الشباب العالمي على طاولات الجهات المختصة والمعنية في خطوة منها لإلقاء الضوء على حدود وتفاصيل ملف الشباب الذي وصفه الدكتور أكرم القش -رئيس الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان بأنه ملف عابر للقطاعات، فهو يضم شريحة واسعة من المجتمع وتعنى به جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية منها والأهلية والهيئات والمنظمات الشبابية التي تسعى مجتمعة للوصول إلى الإطار الوطني لتمكين الشباب، وهذا الإطار سيكون جزءاً من الخطة التنموية لسورية في مرحلة ما بعد الحرب مرحلة إعادة الإعمار والاستقرار التي يُعدّ الشباب فيها العنصر الفاعل والمؤثر في المجتمع.
 
أفكار وأمنيات
لم تكن تلك الجلسة مع الشباب لتتحمل السؤال والجواب، فالكل استفاض في الحديث ومن دون مقدمات، سناء الحجار -سنة ثالثة طب أسنان التي تلمح التفاؤل في عينيها أكدت أنها ستتابع تحصيلها العلمي رغم الصعوبات التي تواجهها من بعد عن عائلتها فهي لا تتمكن من السفر لرؤيتهم إلا فترة الانقطاع لتوفر عليهم مصاريف السفر وغيرها.
شوق لم يستطع سلطان ركاب الطالب في كلية الإعلام مداراته، فغلاء الأسعار وزيادة أعباء الحياة ومتطلباتها أمور أجلت الارتباط بينه وبين الفتاة التي يحب، أما محمد شيخ الأرض فقد نوه بقلة الأبواب المفتوحة أمام الشباب من حيث فرص العمل والتدريب فلا يوجد تحقيق للذات في ظل الظروف الراهنة.
وعند كفاح أبو حمدان -سنة رابعة هندسة عمارة حديث ذو شجون، فسياسة القبول الجامعي أبعدته عن إكمال دراسته في الطب البشري، وإلى جانبه وقفت سهى علي -سنة ثانية أدب عربي التي عادت إلى بلدتها حديثاً ولكنها لم تنس قضية التهجير وظروفها التي بدلت حياة الكثيرين، كما طالبت كغيرها من الشباب في حق المشاركة في صناعة القرار، وفي ضرورة الاهتمام بالتعليم المهني والتقني، وتفعيل النشاطات اللاصفية في المدارس، وإعادة العلاقة بين الطالب والمعلم، ودعم مشاريع التخرج مادياً ومعنوياً، وتوفير السكن الجامعي لكل الطلبة، ومراعاة ظروفهم، وصحتهم النفسية، وتشجيع التكنولوجيا في التعليم، وتشجيع الطلبة المتفوقين، وإقامة ندوات توعوية، وتوفير العلاج المجاني للمحتاجين وخاصة ذوي الشهداء وضحايا الحرب، وإيجاد فرص العمل، وإنشاء جيل قيادي من الشباب، وغرس القيم الأساسية والعادات والتقاليد في نفوس الشباب السوري، والعمل على محاربة الفساد بكل أشكاله، ودراسة تأثيرات قضية الهجرة على الشباب والمجتمع.
ملف الشباب يحتل أولوية خاصة
ما ذكره الشباب ما هو إلا غيض من فيض أمنياتهم التي لم تنته بانتهاء الجلسة، فالحديث عن الطموحات يطول ويطول ولكن ما يثلج الصدر أن تلك الأفكار تلاقت مع الدراسة التي يجري العمل عليها في الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان تحت عنوان «نحو استراتيجية وطنية للشباب في سورية»، الهدف منها وضع ملامح ورؤية متكاملة لملف الشباب الذي يحمل أولوية خاصة فهو وحسبما أوضح د. أكرم القش خلال حديثه يعد ثاني ملف معمق تقوم الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان بالعمل عليه، ويتابع: إن أولى خطوات ذلك العمل بدأت بدراسة ميدانية عن الشباب في كل المحافظات السورية بعينة حجمها 6000 شاب وشابة، تم من خلال آرائهم استبيان واقعهم ومشكلاتهم والتحديات أو الأولويات ضمن خمسة محاور أساسية كان التعليم أولها، ومن ثم العمل والمشاركة الاجتماعية والصحة والصحة الإنجابية، أما المحور الخامس فقد ركز على قضايا النوع الاجتماعي، وبعد أن خلصت الدراسة وتوصلنا عبرها إلى عدة مؤشرات، كان المطلوب العمل على الدراسات المعمقة لكل محور على حدة، لنتمكن من تفسير ووضع الأولويات والبرامج التداخلية لإشراك الشباب بشكل متكامل، فاتبعت الدراسة الميدانية بدراسة كيفية ودراسات تحليلية معمقة، ليتم بعد ذلك تقييم تلك النتائج من قبل الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان وجميع الوزارات والجهات المعنية ووضع المقترحات ضمن برنامج عمل متكامل للعمل عليه مستقبلاً، وقد تم إشراك الشباب والمنظمات والجمعيات في صياغة هذه الاستراتيجية بشكل كامل، ولكن للأسف عندما جاءت الحرب لم نتمكن من تنفيذ الكثير من تلك البرامج والأنشطة التي تم إعدادها لتمكين الشباب ضمن المحاور الخمسة، لذلك كان لا بد خلال فترة الحرب من الرجوع لتعديل ما توصلنا إليه من نتائج عبر إطلالة على الواقع مرة ثانية لرؤية ما خلفته الحرب من فجوات في المجتمع، وأين تعمقت المشكلات وما المشكلات الجديدة، وبالطبع عدنا للعمل بالمنهجية السابقة نفسها، إذ قمنا وبمساعدة الشباب على تشخيص الواقع الحالي ضمن المحاور نفسها مع تعديل محور المشاركة ليصبح محور الحماية الاجتماعية للشباب، وبعد جلسات عمل ومناقشة وعرض ما توصلنا إليه على الخبراء، فإننا نقوم اليوم بالعمل على الصياغة النهائية للإطار الوطني لتمكين الشباب، الذي يأتي ضمن برنامج تنموي متكامل تتجاوب مراحله الزمنية مع خطة التنمية المستدامة لسورية.
ويضيف: الآليات التي نعمل عليها في ملف الشباب هي من النوع الإبداعي وليست تقليدية، فلقد أخذنا بالحسبان وجهة نظر الشباب ومقترحاتهم لكيفية تحسين واقعهم، لأنهم الأقدر على تحديد مواطن الخلل وكيفية حل أمورهم ومشكلاتهم، فكانت هناك مقترحات طموحة جداً وغير قابلة للتنفيذ وهناك مقترحات قابلة للتنفيذ وهذا ما نعمل عليه، فنحن ننطلق من المنظومة الحالية وبالاستناد إلى الإمكانات الحالية وإلى قدرات الشباب لتحسين الواقع والاستفادة من الفرص الموجودة لنصل تدريجياً إلى مرحلة التفكير خارج الصندوق التي تمكننا من القيام بأنشطة وبرامج إبداعية من نوع آخر.
الحاجات الجديدة
وعن الحاجات الجديدة قال د. القش: قبل الحرب كان توجهنا التنموي مغايراً لما نفكر فيه اليوم، فسابقاً كنا نعمل على تحسين الجودة في كل المجالات والخدمات، أما اليوم وفي ظل ظهور مشكلات جديدة فإننا لم نهمل التحسين ولكن أضيف إليه مهام مستعجلة وضعناها تحت عنوان عريض يدور حول استعادة المؤشرات التنموية التي وصلنا إليها.. ردم الفجوة التي خلفتها الحرب ومعاودة العمل على السياسة الشبابية التي كنا نعمل عليها لتحسين النوعية والجودة.
الهجرة
ورداً على قضية الهجرة التي تشغل بال الجميع أفاد الدكتور القش: هذه القضية موجودة في كل المجتمعات ، وهذا أمر طبيعي، ولكن من غير الطبيعي أن يكون التفكير الوحيد أمام الشباب هو الهجرة، ما ناقشناه هو ألا يكون هذا هو الخيار الوحيد وهو ما يتطلب منا العمل على إيجاد بيئة محفزة للشباب وتمكينها، حيث تتعدد البدائل أمامهم وتتوسع خياراتهم للعمل والبقاء ضمن بيئتهم ومجتمعاتهم.
ليختتم حديثه بالقول: لملف الشباب جوانب متعددة، منها الجانب المؤسساتي وهناك ما يتعلق بالتشجيع والتحفيز والقوانين، وهناك جانب إجرائي له علاقة بالقضايا الخدمية والتعليم والصحة وحاضنات الأعمال وريادة الأعمال وغيرها، والنجاح في جميع تلك الجوانب، وتالياً النجاح في ملف الشباب لا يأتي إلا من خلال المشاركة والتنسيق بين الهيئة والجهات والوزارات المعنية وكل المنظمات والجمعيات للعمل كفريق واحد حكومي وأهلي، فالشباب شريحة واسعة ومتنوعة والإطار الوطني يراعي كل هذا التنوع من أجل تكامل الجهود وتأدية الغرض المطلوب منها.
تشرين

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018