تحليل وآراء

على ماذا يراهِن ترامب؟

 فرنسا- فراس عزيز ديب

قبل أسبوعين تقريباً، أطلقَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصريحاتٍ قالَ فيها إنهُ جاهزٌ للتفاوضِ مع الإيرانيين في أي مكانٍ ومن دون شروطٍ مسبقة، يومها جرى التعاطي مع هذا التصريح كما يتعاطى البعض مع الآية القرآنية «لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى»، فالنهي عن الصلاة مرتبط بحال الثَّمالة، لكن يبدو أن هناك من ثملَ من هذا التصريح وأطلقَ العنان لتحليلاتٍ سياسية تُظهر ترامب بموقع المتراجِع عن تهديداتِه ووعدهِ ووعيده لعدوه الأول إيران، وتناسوا أن ترامب يريد الوصول لمرحلة التفاوض تلك ولو كان مسرحها طهران لأنها حكماً ستعني اعترافاً إيرانياً بأن اتفاق العام 2015 المعروف باتفاق دول 5+1 سقط، والهدف هو الوصول إلى اتفاقٍ نووي جديد يلغي الاتفاق الحالي كلياً، بل يكمل الحصار المفروض على إيران بالملفات التي تسبب كابوساً للكيان الصهيوني أقلّها برنامج الصواريخ الباليستية.
لكن بواقعيةٍ تامة فإن البناء الإيجابي على تصريحات ترامب يومها كان له ما يسوغها، فهي تلت قمة ترامب مع الزعيم الكوري الديمقراطي كيم جونغ أون، وقمة هيلسنكي منتصف الشهر الماضي والتي جمعته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وما رشحَ عنها من أجواءٍ إيجابية وإن كانت هذه الأجواء لم تنعكس حتى الآن على أي من الملفات، لكن الأهم أن كلام ترامب تلا تصريحاتٍ وتهديداتٍ إيرانية عالية اللهجة متعلقة باستخدامِ القوة للرد على تهديداتٍ خارجية، وصولاً لإغلاقِ مضيق هرمز في حال تأثرت صادرات النفط الإيرانية بعد أن رفعت الإدارة الأميركية من جديد سلاح الحرب بالاقتصاد، ما أوحى وكأن ترامب تراجع من على حافةِ الهاوية، لكن يبدو أن حسابات حقل التصريحات الأميركية، لم يطابق حسابات بيدر التحليلات السياسية إذ أعلن ترامب قبل أمس إعادةَ فرض العقوبات الأميركية على إيران بمرحلتين دخلت الأولى رسمياً حيز التنفيذ أما الثانية وهي الأقسى فستكون في شهر تشرين الثاني المقبل وستشمل عمود الاقتصاد الإيراني أي صادرات النفط والغاز، ليخلط قرار ترامب من جديد الأوراق ليس في المنطقة فحسب وباتجاهين، الأول وهو ما يمكننا تسميته (صديق /حليف) لإيران ويتمتل بدول لها ثقلها كروسيا والصين اللتين رفضتا هذه العقوبات، أما الاتجاه الثاني فهو المتمثل بتحالف المصالح الاقتصادية مع إيران أي الاتحاد الأوروبي الذي لا يبدو حتى الآن أنه سيرضخ لقرار ترامب ولو كان يشعر بأن هذه العقوبات ستنال منه وهو ما عبر عنه الرئيس الإيراني حسن روحاني بالقول: هذه العقوبات لا تستهدف إيران فحسب لكنها تستهدف الدول الأوروبية.
ربما التوصيف الأدق لقرار العقوبات الأميركية على إيران أنه وحد الأعداء والأصدقاء على رفضه ليبقى معه «إسرائيل» ومن يلتحق بها من «إسرائيليات» المال النفطي في خليج الخيانة العربي، عقوبات بدت وكأنها تستهدف العالم بأسره لا إيران لأنها بالأساس تمرد على القرار رقم 2231 الصادر عن مجلس الأمن الذي صدق على الاتفاق الدولي بين إيران ومجموعة الدول 5+1، كما أنه سيصيب حلفاء ترامب «الناتويين» قبل غيرهم بالارتباك الدبلوماسي فما السيناريوهات المتاحة على الساحةِ الدولية بعد هذا القرار الأميركي؟
ربما أن السيناريوهات المطروحة تقودنا نحو فرضية السواد الذي يلف هذا المنعطف الخطير، إذ لا يمكننا مثلاً التفكير بإيجابيةٍ بأن تكون هذه العقوبات نوعاً من سعي الأميركي لحفظِ ماء الوجه لا أكثر ولا أقل، أو بصيغةٍ تنفيذيةٍ غير حازمةٍ من وزارةِ الخزانة الأميركية يستفيد منها ترامب بأن يُكملَ ولايتهُ بهدوءٍ لكون الترجيحات جميعها تشير إلى أن احتمال إعادة انتخابه بعيد المنال، لكن هذا الكلام يبدو نوعاً ما عاطفياً، فالدولة العميقة التي تحكم الولايات المتحدة لم تسامحه حتى الآن على ظهورهِ الهزيل بوجهِ فلاديمير بوتين، فكيفَ لها أن تفوتَ فرصةَ التخلص من أعباءِ الاتفاق النووي مع إيران، وبمعنى آخر يبدو أن الإدارة الأميركية جادة حكماً بتطبيق العقوبات وتحمل تبعات الخروج من الاتفاق النووي مع إيران، ولو أدى ذلك للوصول إلى المواجهة الكبرى التي يريدها رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، لكن بغطاء أميركي افتقده خلال فترة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ويراه ممكناً مع رئيسٍ مهزوزٍ مثل ترامب، والأهم كيف لعاقلٍ أن يستسلم لفرضية أن هذه الولاية الرئاسية هي الأولى والأخيرة لترامب، فمن كانَ يتوقّع نجاحهُ أساساً؟!
كذلك الأمر لا يمكن التعاطي مع هذا التحول الخطير من دون إغفال وجهة نظر ترامب بحلفائِه الأوروبيين، فهو وصل معهم لمرحلةِ إذلالهم بالتصريحات المهينة ومعاقبتهم اقتصادياً، وبمعنى آخر:
إن كان ترامب يرى بإيران «عدو» عليها أن تسلم حتى سكاكين المطبخ، فإن نظرتهُ للاتحاد الأوروبي لا تفرق كثيراً تحديداً أن الخلاف مع الاتحاد الأوروبي يتعدى السياسي ليصل لنقطةِ ضعف ترامب أي التجاري، وقد يكون هدفه من هذا التصعيد تحجيم الاتحاد الأوروبي الذي يبدو أنه بين خيارين، إما أن يسير خلف ما يريده ترامب أو الاستعداد لمواجهةٍ اقتصادية مع الحليف الأميركي، وإذا كانت الدول المؤثرة في الاتحاد الأوروبي واضحة لجهةِ عدم الالتزام بالعقوبات، إلا أن حالة من الغموض تلف سعيها لحماية الشركات الأوروبية العاملة في إيران، إذ يبدو هذا الكلام نوعاً من بيع الوهم، فالاتحاد الأوروبي لا يمتلك هذه القدرة تحديداً أن الأميركيين ما زالوا يسيطرون على مفاتيح التجارة العالمية بما فيها حركة التحويلات المالية بين المصارف الكبرى والتي تخضع لرقابة أميركية ستعوق عمل المصارف الأوروبية التي هي بالنهاية عصب الحياة لكبريات الشركات الأوروبية العاملة في طهران.
كذلك الأمر لابد من التأكيد أن هذا التصعيد الترامبي في شقه الأوروبي سلاح ذو حدين، هو لا يسهم فقط بزيادة العزلة الأميركية لكنه سيدفع الأوروبيين حكماً نحو الحضن الروسي الذي لا يزال قادراً على أن يقدم نفسهُ كشريكٍ تجاري يحترم العهودَ والمواثيق، كما أن استنساخ التصعيد في وجه الحليف التركي وتطبيقه في الشق الأوروبي لا يبدو مجدياً فالنظام التركي يعاني أساساً من اقتصادٍ شبهَ منهار سيدفعه لتقديم التنازلات هنا وهناك فماذا ينتظرنا؟
على مدى ما يقارب العقد خاضت إيران حرباً ضروساً في الشق الدبلوماسي حتى الوصول إلى الاتفاق الحالي، حرباً لم تكن دقيقة فقط حتى باختيار العبارات لكنها استدعت وجود رئيسٍ محسوب على ما يسمونه «التيار الإصلاحي»، ومع ذلك خرجت باتفاقٍ أشاد بأهميته العدو قبل الصديق، لذلك فإن مجرد قبول الإيرانيين مستقبلاً الجلوس على مائدة المفاوضات سيعني حكماً هروب العديد من المكتسبات التي حصلت عليها من بين أيديها، ربما يعي الإيرانيون قبل غيرهم خطورةَ هذا الأمر ولا يبدو أنهم بوارد هكذا هزيمة مجانية، لكن بواقعيةٍ أيضاً فإن قدرة الاتفاق على الصمود لا تتعلق بإيران فحسب، هي عملية معقدة تنتظر التزام باقي الدول التي وقعت الاتفاق وعدم اللحاق بركب ترامب.
اليوم يبدو الوضع مختلفاً إذ إن ما يريده ترامب يختلف تماماً عما كان يريده دول 5 +1 مجتمعة، بل إن ترامب يرى نفسه اليوم يمتلك أوراقاً أكثر قوة بما فيها ما يسمونه «الاحتجاجات الشعبية في إيران»، أو تدهور العملة الرسمية الإيرانية، وبمعنى آخر يريد ترامب أن يلعب مع إيران على حبلي العسكري والاقتصادي، على أمل أن يستيقظ حلفاؤه الأوروبيون ويتنصلون من الاتفاق، فهل إن هذا سيعني حرباً اقتصادية تستنزف إيران ببطء بانتظار ما ستؤول إليه «الاحتجاجات» أم حرباً مباشرة؟
كل الاحتمالات لا تزال قائمة فالإسرائيلي المستعجل هلاكَ إيران لا يريد لهذه الفرصة أن تموت مهما كلف الثمن، والحديث عن ناتو «عربي إسرائيلي» لهذا الهدف لم يعد ضرباً من الخيال، وبمعنى آخر، قبل سنوات كتب مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي، المتطرف جون بولتون مقالاً قال فيه: الطريقة الوحيدة لمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية هي أن نقصف إيران.
فتشوا عن الذي جلب بولتون وأعاده للحياة السياسية بعد أن كان منسياً، لتعرفوا أن الأمر ليس مجرد عقوبات بل إن ترامب يريد أن يعاقبَ العالم أجمع، لكن عليهِ أن يتذكر أن الحروب العابرة للحدود تستطيع بساديَّتك أن تبدأها، لكنك حكماً لن تمتلك خيار إنهائها.


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018