التقاعد.. استسلام لحالة الفراغ والملل أم بداية جديدة لتحقيق حلم قديم؟!

خمس سنوات مضت على تقاعده، لم يمل فيها كريم من الذهاب إلى مكان عمله في كل صباح ليلقي التحية على زملاء عمله، وعلى مكتبه الذي أكل من جسده سنوات من العطاء، تلك المؤسسة، وزملاء العمل، ومكتبه الخاص لم يغيبوا لحظة عن بال هذا الموظف الذي تشهد له سمعته الطيبة بإخلاصه وتفانيه خلال سنوات عمله الطوال، ليختار كريم الحلّ الذي يبرد قلبه بعد إحالته للتقاعد بالذهاب إلى مكان عمله القديم، وإلقاء التحية على مؤسسته علّ وعسى يقضي بذلك على شعور اليأس في داخله الذي تولّد بعد أن أحيل للتقاعد، ووقع كالكثيرين فريسة الملل، والإحباط، والشعور بعدم الحاجة لهم في الحياة المهنية والاجتماعية!.
دراسة
كثيرة هي الدراسات التي تناولت موضوع التقاعد، وتأثيره على الأشخاص، فخلصت أغلب الدراسات إلى التأثير السلبي للتقاعد على الأشخاص، ولعل أحدث تلك الدراسات كانت الدراسة البريطانية التي أكدت أن قدرة الدماغ على أداء مهامه تتراجع بسرعة كبيرة عندما يتوقف الأشخاص عن العمل، وأوضح الباحثون أنهم تابعوا حالات 3400 متقاعد، فوجدوا أن الذاكرة الأولية انخفضت بنسبة 40 في المئة بمجرد أن أصبح الموظفون متقاعدين، وقال الباحثون: إنه حتى كبار الموظفين الذين عملوا في مهام تحتاج جهداً عقلياً كبيراً، تنخفض قدرات أدمغتهم بعد تقاعدهم، ليتضح أن قلة التحفيز المنظم تؤدي إلى نتائج وخيمة على الوظائف الإدراكية، بالتالي فإن التقاعد يبكر في الإصابة بمرض الخرف.
هاجس
يشغل موضوع التقاعد بال الكثيرين، ويرون فيه هاجساً يؤرقهم خلال السنوات الأخيرة من عملهم، ما يجعلهم يفكرون بطرق وخطط للقضاء على الفراغ الكبير بعد التقاعد، إذ إن التقاعد بالنسبة للبعض هو بداية طريق جديد من المعاناة، ففكرة التوقف عن ممارسة الوظيفة التي لازمها المرء لأكثر من ثلاثين عاماً تحمل في طياتها الكثير من الضيق والتعب النفسي للكثيرين، ناهيك عن الراتب التقاعدي الذي يضمحل حين وصول الفرد لسن التقاعد، والذي لا يكاد يكفي الأيام الأولى من الشهر، لذا نجد الكثيرين يحاولون تمديد سنوات خدمتهم الوظيفية حفاظاً على راتبهم الأساسي، في حين نجد القلّة من الأشخاص ينتظرون سن التقاعد بفارغ الصبر، ويجدون فيه راحة جسدية ونفسية، ومتسعاً من الوقت لملء وقتهم بنشاطات يحبونها، حيث يلجأ الكثير من المتقاعدين إلى المقاهي، أو الحدائق، أو ممارسة الرياضة، إضافة إلى المشاركة في الأعمال التطوعية والاجتماعية، ومحاولة إيجاد مكان لهم في شتى الأنشطة الاجتماعية التي يسمعون بها.
عزل عن المجتمع
ترتبط فكرة التقاعد في أذهان كثير من الناس بأنه لم تعد لهم أهمية في الحياة، ولا شيء ينتظرهم لينجزوه، وأنه تم الاستغناء عنهم على المستوى المهني، وعلى المستوى العائلي، برأي الدكتورة رشا شعبان، “علم اجتماع”، لذا اتجهت الدول المتقدمة إلى تقديم فرص عمل للمتقاعدين تتناسب مع قدراتهم العملية وصحتهم، وبذلك تستفيد من خبراتهم التي صقلوها خلال سنوات عملهم الطويلة، وتوفر لهم في الوقت نفسه فرصة عمل للقضاء على وقت الفراغ، والروتين الممل الذي يؤدي بهم إلى الموت السريري، فالعمل يعتبر من الأشياء الإيجابية التي تخلص الإنسان من روتين الحياة اليومي، وتكسر الملل، وتشعره أنه مستقر، وأن لديه مصدر رزق يوفر له المال لتوفير جميع احتياجاته اليومية، ولعل أبرز المنعكسات السلبية للتقاعد يتمثّل أولاً بحالة الملل التي تلازمه نتيجة ترك العمل، ومن ثم انخفاض الراتب بشكل كبير لا يتناسب مع غلاء المعيشة، ما يجعله يشعر أنه أصبح خارج نطاق الحياة الفاعلة في المجتمع، وبالتالي ينعزل الفرد المتقاعد عن المجتمع، ولا يشارك في أي نشاط اجتماعي، لذا يجب على جميع الأفراد العاملين أن يقوموا بالتخطيط لهذه المرحلة قبل أن يدخلوا في نفقها المظلم، وأن يرسموا حياة جديدة مختلفة كلياً عن الحياة الوظيفية بشكل تجلب لهم الراحة الجسدية والنفسية، وأن تكون هذه الحياة خالية من أوقات الفراغ الكبيرة التي تقضي على حياة المتقاعدين، وحمّلت شعبان أعباء هذه المرحلة الصعبة من حياة المتقاعد على الفرد وعلى الدولة أيضاً التي يجب عليها أن تضع استراتيجيات عديدة للتخفيف من وطأة التقاعد، كما يجب أن تلعب أسر المتقاعدين دوراً فعالاً في تشجيعهم على القيام بالأمور التي تسرهم، وتملأ وقت فراغهم، بحيث يكون التقاعد بالنسبة للجميع عبارة عن مغامرة جديدة، وبداية جديدة لتحقيق حلم قديم.
ميس بركات
 
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018