هل «سوتشي» الطريق إلى الحل السياسي؟.. بقلم: وفيق إبراهيم

انتصار الجيش العربي السوري وتحريره 70 في المئة من مساحة بلاده، ونجاح الروس في العودة إلى مواقع إنتاج القرار الدولي من خلال مؤتمر هلسنكي بين الرئيسين الروسي والأميركي، عاملان يزوّدان مؤتمر سوتشي زخماً قوياً لإنتاج حل سياسي كامل. فواشنطن أقرّت بمركزية الدور الروسي في سوريا على حساب تراجع دورها ومعها حلفاؤها في السعودية وقطر و«إسرائيل» والأردن والمجموعات المتورطة في الاتحاد الأوروبي وأوروبا الشرقية.

هذه التراجعات العربية الإقليمية والدولية المتواكبة مع هزيمة عصب الإرهاب في سوريا، داعش والنصرة ومثيلاتهما، يمنحان مؤتمر سوتشي بأعضائه الدولة السورية والمعارضة «السعودية» و«التركية» برعاية الدول الثلاث الضامنة روسيا، إيران وتركيا… يمنحانها فرصة تاريخية لإنتاج حل سياسي مرحلي يعيد لسوريا تضامنها الداخلي، معلناً هزيمة إرهاب عالمي مدعوم من أكثر من 60 دولة. يجب هنا الاعتراف بأن الدولة السورية بمداها الحالي، فعلت ما لم تفعله دولة قبلها.. دافعت عن كامل المشرق العربي ومنعت تفتيته وفقاً لخطة أميركية كانت وزيرة الخارجية السابقة كونداليسا رايس تسمّيها «الشرق الأوسط الجديد» أي تجزئة المنطقة كانتونات صغيرة على نحو يؤمن سيطرة واشنطن على العالم الإسلامي لقرن مقبل «بغازه» وما تبقى من نفطه وقدرته على الاستهلاك.

فهل لسوتشي القدرة على الحل؟

..الحسم في الميدان والصعود الروسي والحلف مع إيران وحزب الله والقوى العراقية واليمنية، لهي من العناصر الدافعة نحو الحل السياسي وفق شروط الدولة السورية المصرّة على إنهاء الإرهاب.

..سوتشي تطرح تسوية سياسية.. والدولة حاضرة وتدعو إلى تبادل المعتقلين والدولة حاضرة، لكن المعارضة لا تمسك بقرار داعش والنصرة.. وهي بالتالي عاجزة عن إطلاق سراح الأسرى المنتمين إلى الدولة.

سياسياً.. تمثل المعارضة ثلاثة أطرافها: تجسّد أولاً مصالح تركيا وللحديث صلة، والسعودية التي لا أحد يعرف شروطها، كما تمثل رغبة أعضاء المعارضة بتسويات تشمل أوضاعهم.. والبعض منهم يحلم بدور سياسي مقبل ومنهم الناطق باسم الهيئة العليا نصر الحريري.

هذا هو الجانب الظاهري من مؤتمر سوتشي، أما العميق فيعكس ثلاثة طموحات: الأول أميركي ويريد من الروس إنهاء الدور الإيراني في سوريا واستتباعاً في المشرق العربي.. مع إنشاء كانتون للكرد في شرق الفرات، والموافقة بعدم التعرض لقاعدة «تنف» جديدة تحاول واشنطن تأسيسها في الجهة العراقية المقابلة من الحدود، وذلك لمنع فتح الحدود العراقية ـ السورية.. يذكر أنّ قمة هلسنكي التي أفضت إلى ثنائية في إنتاج القرار الدولي لم تؤدِ إلى وعد روسي بإزاحة الدور الإيراني من سوريا.. ولم تفض أيضاً إلى التزام روسي بالتعرض للدور الإيراني في المشرق العربي. لذلك جاء الاعتراف الأميركي حصرياً بصعود الدور الروسي عالمياً، وفي سوريا بشكل محوري، أما الدولة الثانية التي تحاول عرقلة سوتشي فهي السعودية المصرّة ليس فقط على تعطيل النفوذ الإيراني بل على سحق إيران دولة وتاريخاً وشعباً وجمهورية إسلامية.. إلا أنّ الإمكانات السعودية متواضعة قياساً بطموحاتها، تكاد تحتجب عن الأزمة السورية، والعراق.. ووضعها في لبنان بات ضعيفاً، وما تبقى لها هو اعلام سعودي لا يزال يروّج بإن أزمات المنطقة لا تزال في بداياتها. ويدعو إلى ناتو عربي معادٍ لإيران قد يضم أيضاً «إسرائيل» برعاية أميركية متكاملة.

أما البلد الثالث فهو «إسرائيل» التي تعتقد أنّ فرصتها أصبحت ملائمة لإخراج إيران وحزب الله من سوريا، وذلك بإطلاق ذرائع لا تمرُّ على اللبيب، فإيران قادرة على إصابة تل أبيب بالصواريخ من طهران، وليس فقط من مسافة مئة كيلومتر من حدود الجولان السوري المحتل.

لذلك فذرائعها مكشوفة وتتعلق بمحاولات جر الدولة السورية إلى توقيع صلح معها وتفخيخ علاقة حزب الله بواشنطن وحلفائها في المنطقة العربية عموماً ولبنان خصوصاً.

هذا عن القوى المعرقلة الموجودة خارج مؤتمر سوتشي. فماذا عن القوى التي تضمنهُ؟

لجهة إيران، فالجميع يعرف أنها لا تريد غازاً أو نفطاً ولا تطمح إلى أدوار اقتصادية في سوريا بقدر اهتمامها بالناحية الايديولوجية، وهي متوفرة، بجبهة الممانعة التي لا تنفك تصعد في أفق العلاقات الجهادية والسياسية في الشرق الأوسط. فعندما نراقب مدى الاهتمام الأوروبي والأميركي والإسرائيلي بحزب الله، ندرك مدى الخطورة التي أصبح هذا الحزب يشكلها على النفوذ الأميركي والكيان اليهودي الغاصب، وبعض الأنظمة الخليجية المستعدّة لبذل ما تيسّر لديها من قدرات اقتصادية للقضاء على حزب الله. والأسباب واضحة.. النفوذ الأميركي ـ الكياني الإسرائيلي، القضية الفلسطينية والأنظمة القرون أوسطية تصاب بها، من نموذج إيران حزب الله، فتحاول شراء مجلس الأمن وما تيسّر من دول لتعزيز دفاعاتها في وجه حركات التغيير.

لجهة روسيا، فهي ضامن قوي يمتلك التأييد الأميركي الأوروبي على مركزية دوره السوري ولا يجابه بعدائية ـ تركية ـ خليجية إسرائيلية.. فالجميع يرى في روسيا دولة متمكنة أسهمت بالانتصار في سوريا إلى جانب الدولة السورية وإيران وحزب الله، وهي الوحيدة في هذا المحور، الجهة التي تريد واشنطن اتقاء شرورها، لما تمتلكه من إمكانات دولة وازنة ومقدرة تمتلك نحو 60 من ثروات العالم المعدنية والغازية في باطن أراضيها مع قوة مسلحة تضاهي مثيلتها الأميركية وقد تتفوّق عليها.

لموسكو إذاً طموح بأن تكون سوريا المنصة التي تنطلق منها نحو مناطق النفوذ السوفياتي السابق.. لكن ليس بأسلوب ماركسي لم يكن يأبه للطموح الاقتصادي ويعمل على التقارب الأيديولوجي. لذلك تضع روسيا ثقلها في مؤتمر سوتشي لإنتاج معادلة سياسية تعيد بناء سوريا وتؤمن لها الانطلاق نحو الشرق الأوسط.

أما العقدة الحقيقية فموجودة في الدور التركي الداعم لمعارضات الهيئة العليا.. والضامن للمؤتمر في آن.. وهما نقيضان كاملان. كما أنّ أنقرة هي التي أعادت تجميع الإرهاب في إدلب بعشرات الآلاف، وتحاول منع الجيش السوري من اجتياح هذه المنطقة لأنها تعرف أنّ دور المناطق التي تسيطر عليها في شمال سوريا لا بد أنّ يلي عملية تحرير إدلب.

سوتشي إلى أين؟

الكلام الأصلي مرجأ إلى ما بعد تحرير إدلب. وعندها يباشر سوتشي إعطاء نتائج فعلية لن تستطيع تركيا والسعودية وواشنطن وقفها في مسيرة إعادة بناء سوريا وحماية المشرق العربي.


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018