دروس وعبر حرب تموز 2006 إسرائيلياً.. بقلم: شارل أبي نادر

قد تكون نتائج عدوان تموز عام 2006 أو الحرب التي شنّها العدو الاسرائيلي على لبنان، الأكثر تأثيراً في مسار ومنهجية تطّوّر مناورة هذا العدو واستراتيجيته في المواجهة المفتوحة معه، وحيث ركّز في إجراءآت ما بعد الحرب، من أخذ الدروس والعبر، ومن تحديد أسباب الإخفاق في تلك الحرب، وتحديد مستوى المسؤوليات لكلٍ من سياسييه أو من قادته العسكريين منهم، نلمس يوما بعد يوم ان استراتيجية هذا العدو قد تبدّلت وتتبدل بشكل لافت في مسار مختلف بالكامل، تحت عنوان هزيمته في تلك الحرب.
 
من هنا ، سنعرض لما اكتشفه العدو الاسرائيلي من دروس وعبر من حرب تموز 2006، على الصعيد العسكري التكتيكي في الميدان، و انطلاقا من ذلك، كيف أصبحت مناورته البعيدة والعميقة في بناء أسس استراتيجيتة في الحرب المفتوحة والواسعة.
 
في دروس وعبر حرب تموز ميدانياً
 
إكتشف العدو أن ميزة التفوق النوعي في الامكانيات، ستكون حتماً عاجزة عن مواجهة الالتزام والايمان والصبر والصدق في المواجهة، كما واكتشف أيضا أن ميزة الفارق في القدرات والتقنيات لم تعد موجودة أمام تكتيكات قتالية جديدة، ابتكرها حزب الله أثناء المعركة، من خلال التأقلم مع الخطر ومعايشته دون خوف، ومن خلال الاعتلاق بالارض المحروقة والثبات بين المواقع المستهدفة بالنار وبجحيم الصواريخ الموجهة.
 
إكتشف العدو أن مناورات الحرب التقليدية، والتي أثبتت نجاحها وجدواها خلال تاريخ طويل من الحروب والمعارك، مثل تفوّق المدرعات في الميدان أو ما يسمى بسلاح الصدم، لم تعد ذات قيمة أو جدوى عسكرية مع طريقة قتال حزب الله الغريبة او الصادمة، نتكلم هنا عن مجزرة الميركافا في وادي الحجير أو في سهل الخيام وامتداده نحو الطيبة، والتي نفذتها كوكبة من المقاومين لا تتجاوز بعددهها أصابع اليدين، وبسلاح نوعي متوسط ولا نقول عالي الدقة (الكورنت المضاد للدروع) .
 
إكتشف العدو أيضاً أن مناورة العمليات الخاصة، كالانزالات المجوقلة التي تسبق الهجوم البري على محور واسع لدعمه وتأمين تقدمه، فقدت جدواها مع مقاتلي حزب الله الذين اعتمدوا أسلوب القتال المتقارب والمتداخل مع الوحدات الخاصة، فأصبحت تلك الوحدات التي تم انزالها لدعم محور الهجوم الرئيس، نقطة ضعف لهذا المحور، حيث تبدل الهدف الاساس من التقدم والسيطرة على مداخل الليطاني الغربية، الى إنقاذ واخلاء مصابي وقتلى تلك الوحدات الخاصة. نتكلم هنا عن كارثة الانزال الفاشل على تلال الغندورية وفرون الواقعة على مداخل وادي الحجير الجنوبية الغربية، والذي كان حسب كافة المعطيات، اكبر عملية انزال ينفذها العدو خلال كافة معاركه .
 
إكتشف ايضا العدو ان جبهته الداخلية وبكامل عمقها، ليست بمأمن من صواريخ حزب الله، بل أصبحت في متناول تلك الصواريخ التي عجزت مئات القاذفات التكتيكية، وطائرات المراقبة دون طيار، عن رصد وضبط جميع قواعد إطلاق تلك الصواريخ، والتي توزعت في كل مكان، وأطلقت حممها الموجهة الى الداخل الفلسطيني المحتل على مدار الساعة دون توقف، وبكافة انواع ومديات تلك الصواريخ .
 
في التغيير الاستراتيجي لمسار العدو في المواجهة
 
بداية انتقل من استراتيجية الهجوم الدائم الى استراتيجية البحث عن مدافعة ناجحة وفعالة وآمنة لوحداته ولعمق مناطق احتلاله، وهذا ما نتج عنه تغيير كامل في مفاهيم بناء القوة والقدرات العسكرية لديه، وبشكل عام في مفاهيم وأسس عقيدته العسكرية.
 
أصبح يعطي الاهمية القصوى في الموازنة التسليحية وفي المناورات بشكل عام، للدفاع الجوي ضد الصواريخ والطائرات المسيرة، مركزا في مناوراته الخاصة لوحداته أو في مناوراته المشتركة مع حلفائه وخاصة الاميركيين، على مواجهة أكبر قدر ممكن من الصواريخ التي ستستهدف عمقه وجبهته الداخلية، القريبة والبعيدة، فانطلق للعمل الحثيث على توسيع منظومات الصواريخ المضادة، على حسب خططه التقليدية في تطوير سلاحي الجو والمدرعات.
 
أصبح يعطي الاهمية القصوى ايضا، ماليا وتنظيميا، لتحصين جبهته الداخلية، لناحية زيادة عديد نقاط الدفاع المدني والاخلاء الطبي، ولناحية توزيع ونشر الملاجىء بأكبر قدر ممكن بين المستوطنات وداخلها، وايضا لناحية تدريب مستوطنيه على التعامل بمواجهة عناصر (غريبة)، ستخترق حتما عند اية مواجهة واسعة، تلك المستوطنات في الجليل الاعلى، وامتداداً ربما الى عمق الاراضي المحتلة.
 
هذا في الداخل، إما دولياً واقليماً، فقد تحولت معركته الاستراتيجية الواسعة الى إبعاد نفوذ ايران وحزب الله عن الجولان المحتل والجنوب السوري وعن سوريا بالكامل بشكل خاص، وبشكل عام الى إبعاد هذا النفوذ عن كامل مواقعه في المحيط ، بين لبنان واليمن والعراق وسوريا وغزة ، فاضطر لمحاولة احتواء هذا النفوذ الذي اصبح يجده الخطر الاستراتيجي الاول في معركته ، الى الضغط على الاميركيين للدخول في لعبة نقض الاتفاقات الدولية – كالاتفاق النووي مع ايران – والتصويب على النفوذ الايراني الذي اعتبره اخطر عمليا من امتلاك ايران للسلاح النووي ، واقنع نفسه، كما أقنع الأميركيين، بان الصواريخ الباليستية التقليدية الايرانية أشد خطرا وتأثيراً عليه من السلاح النووي أو من أي سلاح دمار شامل آخر.
 
انه التبدل الذي فرضته تداعيات حرب تموز عام 2006 على مسار العدو الاستراتيجي في المواجهة، وهذا التبدل كما يبدو مرشح لان يتشعب اكثر نحو توسيع مروحة الضغوط الاقليمية والدولية على كافة من يتعامل بعلاقة عادية مع ايران، اقتصاديا واجتماعيا حتى، بدون ان يكون لهذه العلاقة اي تأثير عدائي تجاهه، و كأن المطلوب تأليب الجميع ضد ايران، بالاضافة طبعا للسير مع الاميركيين وبرعايتهم ، في استراتيجية الضغط الواسع على الداخل الايراني اقتصاديا وماليا واجتماعيا .
العهد

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018