الأردن… وحيداً.. بقلم: سميح صعب

أتت إضطرابات الأردن عند تقاطعات إقليمية حادة. من “صفقة القرن” التي تُعدها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى تفاهمات “خفض التصعيد” في الجنوب السوري ودخول إسرائيل القوي على خط الأزمة السورية تحت عنوان إستئصال النفوذ الإيراني من سوريا، إلى الأزمة الخليجية التي مضى عليها أكثر من عام وأفرزت تحالفات جديدة في المنطقة وزادت حدة الإستقطاب بين السعودية وتركيا على من يتزعم العالم السنّي.
وعندما يرزح بلد كالأردن بتوازنه الإجتماعي الدقيق تحت ثقل التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة من حوله، ينفجر الغليان الداخلي على خلفية الوضع الاقتصادي الصعب وتصير شروط صندوق النقد الدولي، وصفة لتفجير القلق الداخلي المعطوف على هواجس الخارج.
يشعر الأردن بأنه بلد متروك ليواجه مصيراً مجهولاً. فالعلاقات مع دول الخليج العربية ليست على ما يرام، لأنه مطلوب من عمان أن تنحاز إلى طرف من اطراف الأزمة الخليجية. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، تراجع الدور الذي كان يضطلع به الأردن على صعيد القضية الفلسطينية. وواشنطن تصوغ “صفقة القرن” بالتنسيق مع السعودية، ولا تعير كبير إكتراث لهواجس الأردن. وبالنسبة الى إسرائيل الطامحة إلى جبهة موحدة مع الولايات المتحدة ودول الخليج لمواجهة الهلال الإيراني، لم يعد دور الأردن بالأهمية التي كانت له يوم كان الدولة العربية الثانية بعد مصر توقّع معاهدة سلام مع اسرائيل.
هذا التراجع في الموقع والدور، كشف الوهن الاقتصادي الداخلي ودفع بشبان من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، لا تحركهم الأحزاب التقليدية، إسلامية أو يسارية، للنزول إلى الشارع بحثاً عن الأمان الإجتماعي، ورفضاً لشروط صندوق النقد الدولي التي من شأنها إطاحة ما تبقى من دعم توفّره الحكومة للمواطنين. ولن تزيد ضريبة الدخل الوضع إلّا تفاقماً في ظل قتامة الحال الاقتصادية عموماً بعد تضاؤل المساعدات الخارجية، سواء من الخليج أو من الولايات المتحدة.
ولم يكن تحذير الملك عبدالله الثاني للأردنيين من ضرورة إيجاد حل للأزمة أو “الدخول في المجهول”، سوى تعبير عن جسامة ما يمر به الأردن. وهذا ليس تحذيراً للداخل فحسب، وإنما للإقليم والقوى الدولية من الاخطار الداهمة.
ولا يمكن الأردن مواجهة القلق الآتي من الخارج، بوضع إجتماعي داخلي تشوبه القلاقل بدوافع معيشية لن تلبث أن تلبس لبوس السياسة وتقترب من الخط الأحمر للنظام. وفي الماضي كان التغيير الحكومي يهدئ غضب الشارع في الاردن. لكن هذه المرة تختلف طبيعة الاحتجاجات التي تتخذ المنحى المعيشي، عن احتجاجات سابقة. ومن الواضح أن السلطة لا تريد الإنجرار إلى صدام مع الناس، لئلا تستفحل الأزمة أكثر.
وقصارى القول إن الأردن أمام مرحلة صعبة تكشف للمرة الأولى تراجعاً في المكانة والدور لهذا البلد.

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018