رمضان بالمايونيز !..بقلم: رشاد أبو داود

في زمن الماء بالزير وبيوت الطين كان رمضان أجمل. عطش يروي إيمان الصائمين، نهار ملوّن من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود.
الأمهات يرتقن ثياب الفقر بالصبر وبكثير من بهجة الأمل، غداً يكبر الأولاد، يصبحون معلمين ومهندسين ومديرين وكتاباً وصحافيين وأطباء وعسكريين. كان الابن رأسمال أبيه الذي يلقي رأسه على الوسادة كطير هدّه التحليق في فضاءات التعب ليلتقط حبات قمح تناثرت من فائض الموسرين. الرغيف أولاً وتاسعاً وإن بقي في عاشر متسعاً لطبخة ينقصها اللحم لكن لا تنقصها البركة وشهية الأطفال القنوعين.
علمونا أن «القناعة كنز لا يفنى» وأن «من سار على الدرب وصل». كان الدرب إلى المدرسة طويلاً لكن أقدامنا الصغيرة لم تكن تعرف التعب. قريبة من الأرض، تلمس التراب الذي خلقت منه وإليه تعود. لا فاصل بينهما إلا ما يقي الجلد من مسمار سقط على الرصيف أو قطعة من زجاج تكسر من يد طفل.
أحذية من بقايا أغنياء العالم بنصف دينار أو بوط أسود أبو إصبع، أول الأقدام الصينية التي وطئت البلد بدينار ونصف الدينار، ومن لا يملك المبلغ فحذاء الكتان الأبيض، أبيض لأيام معدودات ثم يصبح رمادياً لا هو أسود ولا أبيض. وويل لمن يهترئ حذاؤه خلال السنة الدراسية.
كان الكل فقيراً لكنه لا يشكو الفقر، بائساً لا يعاني البؤس. لا وقت للشكوى ولا طريق للوصول إلا مواصلة المشي نحو الشمس. لم يكن ثمة وقت للكره. المحبة بين الناس سيدة الموقف و«الحال من بعضه».
الفرح ممكن والضحكة حقيقية. الإحساس بالجار أساس وإزالة الأحجار من الطريق عادة الصغار والكبار. كان ثمة وقت للفرح في كل وقت. ومتسع للشبع في امتلاء الجوف. وكان رمضان طقس العبادة والريادة والاكتمال الروحي.
مائدة الإفطار على الحصيرة الموشاة بألوان القناعة أو على «طبلية» ترتفع سنتيمترات عن الأرض تمتلئ بطبخات الحارة لكأنها مائدة موحدة. قبل الإفطار كانت الأم تملأ صحن الألمنيوم أو الفخار وتنادي «خذ يا ولد هذا للجيران» والجيران يرسلون من طبختهم للجيران. الجار كان أخاً للجار يشعر بوجعه ويفرح لفرحه ويعرف ماذا طبخ لإفطار رمضان.
وبعد الإفطار القطايف بالجوز، لم تكن الجبنة تكفي إلا للسحور والقشطة لم تكن في قاموس الناس. الآباء يتقنون عمل القطايف أكثر من الأمهات، هكذا كانوا يفتخرون ليثبتوا أنهم القوامون على النساء كما الحال مع عمل السَلَطة التي كانت من حشائش الأرض وحبتي بندورة تلك المدللة التي كان سعرها يرتفع في رمضان.
كان رمضان كريماً بالفعل وليس كما الآن بالقول وبرسائل الواتس أب والبطاقات المعدّة سلفاً. لكأنها فرح مصنّع، جاهز للاستخدام بكبسة زر لا بنبضة قلب..
عمود الكهرباء كان اختراعاً جديداً وصل إلى الشارع قبل البيوت. بعد الإفطار كنّا نحتفي بنوره. نلعب الغميضة والزقوطة. بل أن نعود الى الضَوْ نمرة أربعة، نفس الضَوْ الذي أضاء لنا الكون هو الذي أوصلك من ذاك البيت العتيق إلى قصور لندن الأنغلوساكسونية ووقفت.
حيث كان يقف شكسبير ينجب روميو وجولييت وهاملت و.. شايلوك الذي احتل أحفاده أرضك وبحرك و.. أقصاك؟ أي طريق سلكت من ذاك الطريق الموحل إلى بلد جان جاك روسو وموليير وديغول؟ وأي قطار أقلّك إلى ضفاف السين وزرقة الراين، وغيرك من أترابك إلى ضفاف الفولغا وبلد دوستويفسكي وحمزاتوف وحديد البلاشفة وأرستقراطية القياصرة؟ يااااه ما أصغر القرية والمخيم والمدينة التي ظلت تحت شمس الغياب!
عشرات الرمضانات مرت منذ تلك السنين. الصحون على مائدة الإفطار زادت بدون بركة، أغلبها فاست فود، سلطات غيروا طعمها بالجبنة والمعكرونة، المخلل بأنواعه وألوانه الشهية حل محله الكتشاب والمايونيز.
يا الله كم تغيرت النفوس والأحوال وموائد رمضان. كم صرنا غرباء في وعن رمضاننا!
على الإفطار غاب غوار الطوشة وحسني البورزان وفطوم حيص بيص وأبو كلبشة. أصبحت حياتنا «سلطة» أجنبية. ولا ما يضحك سوى هذا الحال العربي البائس!
 
 
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018