افاق..تـاريخ الحـروب..بقلم: فاتح كلثوم

ليس من شكّ في أن الجيوش عبر التاريخ البشري لم تمارس مهامها إلّا كنتيجة لدوافع اقتصادية، فالغازي طامع بخيرات من هو خارج حدوده، والمدافع لا بدّ من أن يحمي ثرواته الوطنية لأنّها أساس استقراره، واستمراره، وهويته، وهيبته السياسيّة في صنع القرار..
الغازي يحاول دائماً إخفاء أطماعه الاقتصادية تحت شعارات أخرى أكثر إثارة، مثل هداية المعتدي عليه إلى الصواب سواءً بمعناها السياسي أو الديني أو الإثني، وهو السلاح الأخطر لكونه قادراً على تضليل البعض ممن يقع عليهم الاعتداء، ولكونه أيضاً وسيلة لاستمرار الصراع بين الطرفين المتحاربين لمسّه روح الإنسان وإرثه الوجداني، وهو من سيحدد هزيمة إحدى الجبهات وانتصار الأخرى..
في العصر الحديث بات ما يجهر به المعتدي من شعارات واضحة الهدف للبعض، والبعض الآخر ما زال مُضللاً ببهرجتها الإعلامية، وهم الّذين يراهن عليهم الغازي في تحقيق أهدافه البعيدة منها والقريبة، فعلى أيّ شيء يراهن المدافع عن حقوقه وثرواته الوطنية لتحقيق النصر وهو الأضعف من حيث التقنيات العسكرية الحديثة، بالتأكيد المراهنة على وضوح ثعلبة شعارات العدو لا تكفي بمفردها لمتابعة الدفاع وتحقيق النصر، المحفز الأكبر هو العمل على ما يمسّ روح الإنسان ووجدانه ألا وهو الإرث الروحي والمادي، وهو السلاح ذاته الّذي يلجأ إليه العدو لزرع الفرقة في صفوف من يطمع باحتلال ثرواتهم، بفارق أن الغازي سيلجأ، ومن داخل هذا الإرث، إلى تغييب الحاضر والمستقبل لصالح تأصيل الأصل في النفوس، بينما المدافع مطالب باللجوء إلى الإرث الوجداني ليكون دليلاً للوصول إلى الحاضر والمستقبل، وهذا في حد ذاته مالم يحسن استخدامه قادر على خلق ثغرة يستغلها العدو، ثغرة تأتي من الصراع بين التاريخ والحاضر، بين الثابت والمتحول، بين النقل والعقل، هذا العقل الّذي يأبى أن يؤطر بتاريخ محدد، وهو الّذي يجعل من الأصل -التاريخ حواراً مع الحاضر عبر التراث الّذي يمتلكه الوجدان والواقع المادي معاً، حواراً ذا مبادرات يمتلك زمامها الحاضر، فالأصل ورؤيته يجب أن ينطلق من رؤى الحاضر ودلالته في تحديد الهوية الوطنية، وليس العكس وهذا ما يخشاه الغازي دائماً، لأنّ هذا الوعي قادر على دحر جيوشه، لهذا نراه مع كلّ حقبة يعود إلى ابتكار أساليب جديدة ضمن السياق ذاته لخداع المستهدف بالهيمنة على ثرواته الوطنية.


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018