جنون ترامب: و»صرصار كافكا»!.. بقلم: نظام مارديني

لم تكن مفارقة غريبة تلك التي استدعتها ذاكرة متابعي المسلسل الكرتوني الكوميدي «عائلة سيمبسون»، إذ تنبأت قبل 17 عاماً إحدى حلقات المسلسل الشهير أن يصبح قطب الأعمال المثير للجدل دونالد ترامب، رئيساً للولايات المتحدة في المستقبل، وقد حذّر المسلسل المذكور من حالة الجنون التي ستنتاب أميركا في وجود ترامب الذي حصل على رقم قياسي في تاريخ السياسة الأميركية، بالنسبة لعدد مَن يكرهونه.

الآن وضع جنون ترامب العالم على شفير هاوية بإعلانه الانسحاب الاحادي من الاتفاق النووي مع إيران.. إذ عمق هذا الانسحاب من الاتفاق، جراح العالم الاقتصادية، وزاد المخاوف من اتساع رقعة الهوة في المنطقة، لاسيما أن السعودية والإمارات أيدتا جنون ترامب بالانسحاب من الاتفاق، وقد تماهى مع هذا التأييد الابتهاج الإسرائيلي الصاخب، حيث رأى رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو أن ترامب اتخذ القرار الصحيح.

ولعل ما قاله المرشد الإيراني السيد علي خامنئي من أن كلام الرئيس الأميركي الأخير «سخيف ومتدني المستوى وكذب لأكثر من 10 مرات في كلمته»، ما يعبر عن حالة الاشمئزاز الإيراني من السلوك الاميركي المتكرّر. وقد أشار خامنئي، إلى ذلك بالقول إن «السلوك القبيح لترامب لم يفاجئ إيران فقد مارسه الرؤساء السابقون في كل مرحلة وبطرق مختلفة».

إذا حقق ترامب ما يريد من انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني، فإن الكثير من الدول ستنضمّ إليه.. وستضع الأحزمة وتحلق معه، والسؤال هو: إلى أين؟

من الطبيعي القول إن اعلان ترامب سيزيد من خطورة احتدام التوتر بين إيران وكل من «إسرائيل» والولايات المتحدة والسعودية. الأولى على خلفية الخشية من ردة فعل إيرانية انتقامية على الغارة الإسرائيلية على مطار «التيفور» والتي أودت بحياة عدد من الخبراء والعسكريين الإيرانيين.. والثانية محاولة احتواء دور إيران الإقليمي المتصاعد والداعم لحركات المقاومة. أما الثالثة، أي السعودية، فأزمتها الوهابية عميقة في المنطقة، وذلك من خلال دعمها للجماعات الإرهابية، كداعش والنصرة وجيش الإسلام.

والشيء بالشيء يذكر، هو أن سعي أميركا من خلال احتلالها المنطقة الشرقية من سورية، يأتي في سياق غلق الحدود المفتوحة التي تربط إيران بالعراق وسورية ولبنان، ومن المتوقع أن تكون هذه الحدود الفاصلة بين العراق وسورية، قريباً، مرشحة لمواجهات ومعارك واسعة بين قوات الحالف العدواني الأميركي السعودي الإسرائيلي من جهة، ومحور المقاومة المدعوم من روسيا من جهة ثاني، والمثير هنا أن التحالف الأميركي سيستخدم التنظيمات الانفصالية الكردية في تحقيق مصالح التحالف في تفكيك الدولة السورية، وللتعويض عن «القفزة» الكبيرة التي حققها الجيش السوري في الغوطة، والتي سيستكملها بعد تنظيف دمشق ومحيطها، سواء في الريف الغربي لدرعا وعلى امتداد جبهة الجنوب، أو صوب «إدلب» التي تتحول يوماً إثر آخر، إلى منطقة مرشحة لأشد وأعنف المعارك في الحرب الدائرة في سورية وعليها، ما لم تنجح الدبلوماسية في اجتراح الحلول السياسية لهذه المنطقة، وهو أمرٌ تبدو فرصه محدودة للغاية، إن لم نقل معدومة حتى الآن.

لا شك في أن العلاقة بين ترامب والآخرين تشبه «الصرصار غريغور» في رواية فرانز كافكا «المسخ»، حيث يلعب كافكا في هذه الرواية على المفارقة التي تنشأ بين رؤية «الصرصار غريغور» لنفسه ورؤية الآخرين له، فبينما يتجاهل هو أو يكاد ذلك التحوّل المريع الذي طرأ عليه وينشغل بالتفكير بعمله وحياته الشخصية يُصاب الآخرون منه بالرعب ولا يطيقون شكله المقزز.


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018