ادفع لتبقى

يظهر علينا كلغة عالمية تتحرك من فلسفة جديدة، تقودها أمريكا بعد أن اعتلى قمة هرمها رئيسٌ مختلفٌ عن سابقيه، عملت عليه سياستها العميقة والقديمة، يطرح ما يريد جهاراً ونهاراً، من دون مواربة، يقدمها تحت مسمى واقعية الأقوى، تقترب في كثير من الأحيان من حركات العنجهية وإفراطه فيها، هذه التي لم تعرفها أدبيات السياسة وكياسة فنياتها، كاشفاً بحضوره عن وجه إرادة السيطرة الكلية على دول العالم برمته أو كوكبنا الحي أرضاً وسماءً، ماءً وهواءً، بشراً وحيواناً، شجراً وحجراً.

المنطق يقتضي أن نخوض كل جديد يخص عنواننا الذي يقاومه الأضعف أمام الأقوى، ومؤكد أن مجموع الخلق البشري بما وجد له من نواظم أخلاقية ودينية قانونية واجتماعية وحتى سياسية، ترفض هذا المذهب الاشتراعي الذي تحاول السياسة الأمريكية تعميمه من أجل إبقاء هيمنتها على الجميع، وعلى جميع سكان الأرض ألا يستغربوا هذه الفلسفة القادمة من الاستعلاء والاستكبار والاستدعاء، لأنها ليست غريبة عن طبع لغة أريد كل شيء، فحينما قدم للبشري نصف الأرض سأل عن النصف الآخر، ولحظة أن منح العقل أخذه وفرَّ به، لأن الانفلات الحاصل في العقل المنفلت ضمن هذه الحقبة المعيشة عالمياً يظهر لنا هذه الحالة القديمة الجديدة المتجددة بشخص الأمريكي.

توقفت متأملاً، وأجزم أن الكثيرين تابعوا معي ما طرحه الرئيس الأمريكي ترامب حول قانون الحماية الذي لن يتم نشره إلا بعد الدفع، وهذا يذكرني بقانون مهنة الدعارة المنظمة في عوالم الغرب العلنية وعوالم الجنوب السرية، الدفع قبل الرفع، بحكم أنها أقدم مهنة عرفها التاريخ، دافع عنها المتدينون عبر تنظيم الرؤى الدينية، حيث منحوها غطاءً شرعياً بسبب غياب تعريف البدء علمياً، حتى إن الباحثين اخترعوا بداية لجهلهم بالوصول إليها، وأيدها الرأسماليون لكونها تحتاج إلى تأمين ضمن الصفقات الكبرى حتى الصغرى، لذلك أرى الحاصل في العالم اليوم يحمل مسمى الدعارة السياسية، والذي يتابع المجرى العالمي للأحداث يجد أن عنواننا ممارس في هذه الحقبة الزمنية بأبشع أشكاله بين جميع المجتمعات، وعلى مختلف صنوف الحياة، ويجسد أيضاً لغة من يملك يتحكم بالذي لا يملك، ادفع تحصل على العلم والدين والعمل والمنصب والمهنة والصحة ورغيف الخبز والماء والهواء، لغة ادفع كي تحصل على أقل أو أكثر مما تريد، لأنها لغة العالم الجديد، أي إن لغة الحق تحولت إلى قيمة تباع وتشرى ممن يملك المال.

حقبة جديدة تعني أنك إن لم تدفع وتضحِ بأعز ما لديك؛ شرف، مال، جاه، فعليك أن تستسلم، وأن تركع وتنبطح وتزحف، وإذا كنت قوياً، وكان هناك أقوى، ولكي تحافظ على قواك، فعليك أن تدفع للأقوى.

أيها الناس هل يعقل هذا؟ أين موقف العلم وإبداعاته وعلمائه الذين وصلوا إلى القمر مبكراً؟ وقريباً سوف يصلون إلى المريخ بمركبة تحمل شاباً وشابة يحملان معهما الكثير من جينات الأرض وبذورها النباتية والحيوانية، ولحظة هبوطهما سيشكلان آدم وحواء (إيفا) لأن آدم اسم كوني لا يتبدل، من الممكن أن نختلف على مفهوم الشيء واللا شيء وكل شيء، وليس كمثله شيء، بطبيعة واحدة أو بطبيعتين، لكننا لن نختلف على وجود آدم، هذا الهبوط يعني أن كوكبنا الحي آيل إلى النهاية، إذا استمر على هذه الشاكلة البشرية، وأصر جاهداً للتخلص من إنسانيته التي ظهر نقيضها مع ولادة قايين وهايين (قابيل وهابيل) اللذين حدث معهما التحول الكبير من الإنسانية اللا مادية إلى البشرية المادية التي تشتهي كل شيء، ومع قابيل (القاتل) الذي اشتهى أخته من البطن الثاني، ونتاج أخيه ونجاحه في عمله الدؤوب وقربانه المنتقى من أجود ما عنده من منتجات تقرباً للمكون الكلي الذي جسد بذلك الحماية الإلهية أو الكونية، فقتله على ذلك، بإرادة أن يحصل على كل شيء.

حقيقة ما يجري الآن تتجسد في فعل الصراع على التملك، لا على تملك قوة عظمى مهيمنة، يحكمها فرد رأسمالي على شاكلتها، خطاباته ممتلئة بصلف لم يشهد له العالم مثيلاً، تقاومه قوى تبحث من خلالها عن كرامتها وعنفوانها وكبريائها الذي لا يسمح لها أن تنحني لغير الذي تثق به فعلاً لا قولاً؛ أي إنها تثق بالله حقيقة واقعة، لأنه يثق بدفعها عنه، على العكس تماماً من ذاك النفاق الذي نسج على الدولار من لحظة قيامة العالم الجديد.

عالم جديد قام من أمريكا على الخداع والمكر والنفاق والقوة التي يراد بها الهيمنة على العالم، يهدف إلى عولمة العالم، أي تحويله إلى قرية وسوق واحدة، يلهث الناس فيه من دون معنى، يسهل اصطياد كل من يتحرك بتلك القذائف الذكية الموجهة من قبلهم التي يتشدقون بامتلاكها، يجمعه فيها، ويخضعه لمشيئته، واشتغاله كان لا شك ناجحاً، والنجاح لا يعني الفوز النهائي بسبب أحقية وجود منافسين مؤمنين بحق النجاح ذاته، لكن وصوله إليه مركبٌ معقدٌ، فالذين يصرخون في النور يكشفون الظلمة التي تعمل أمريكا جاهدة للمسير ضمن عتمتها، كي لا تكشف.

«ادفع لتبقى» شعار ظلامي، لأن لا أحد يستطيع أن يدفع في النور وعلى الملأ، إلا إذا كان خانعاً خاضعاً، كسير الجناح، فاقد الكرامة، لا مهابه ولا حضور له.

أصارحكم على ما أشهد وأرى، وأجزم أن سوادنا ينشد الحماية في زمن مركب ومعقد، حتى القادر على الدفع ينشد الحماية، والندرة غير القادرة تقاوم المشهد أمامنا، العالم الجديد الذي رسمته أمريكا يرينا الواقع، ورئيسه يخاطب الدول الثرية بأن عليها أن تدفع، وإلا فسيسقطها إذا رفع يده عنها، أو كشف غطاءه، حتى الدول السائرة في فلكه من أوروبا تزحف نحوه مستسلمة كئيبة، ناهيك عن الخليج ودول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ومن بقي من العالم.

هايين قُتل، لكن إنسانيته لم تمت، ولن تنتهي، وقايين البشري مستمر، الراسخون في الأرض المدافعون بكل ما يملكون عن الحقيقة لن يستسلموا حتى اللا نهاية، لماذا وجد الخير والشر، السالب والموجب، الصح والخطأ؟ وماذا تعني القوة أمام الضعف؟ هل قوى الحق ضعيفة أمام قوى الاستعلاء والاستكبار؟ ماذا يفعل المال من دون عقل، والعقل من دون فكر، والفكر من دون ثقافة، والثقافة بلا إنسانية، والقانون أمام شريعة الغاب؟

(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، قالها المقدس للحفاظ على الهيبة والمكانة، ادفع لتبقى في مكانك، وادفع من أجل أمانك، وادفع لتنتقل نحو الأعلى درجة، وربما سنصل بالدفع لإنهاء بقائنا، لكيلا نشهد على المشهد الحاصل الآن بيننا، الخوف يولد الخوف، والحق ينجب أصحابه وحامليه والمدافعين عنه الذين لا ينتهون أبداً ورعاته يستحضرون المؤمنين، حتى وإن كانوا قلة أو ندرة، فمن دونهم لا حياة، لأن فلسفة الخير هي فلسفة المقاومة والكفاح من أجل الحياة، وهذا الظلم العالمي تسيطر فيه البشرية على الإنسانية رغم أنه صراع أزلي، لكن الحقائق أساطير كانت أم وثائق، تبرهن دائماً أن الخير لا محال منتصر، فلا جريمة كاملةٌ، ولا نجاح دائمٌ، صراع مستمر نرى فيه صورة الحياة الفيزيائية وصيغها الكيميائية وتجارة المتلاعبين في معادلاتها.

ادفع لتبقى، شعار ساقط يحاول العالم الجديد تعميمه أمام الانتصارات الإنسانية للشعوب التي تقتضي مواجهتها، لكونها فعلاً لا أخلاقياً. 

د. نبيل طعمة


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018