تحليل وآراء

أمريكا في المستنقع العربي.. كوابيس ترامب

ليس صحيحاً الرأي الذي شاع خلال حقبة طويلة ماضية حول تقاسم وظيفي أمريكي- أوروبي يضع سواحل المتوسط الشرقية والجنوبية بين يدي أوروبا، والعمق العربي بيد واشنطن، ليس صحيحاً أن تركيا و«إسرائيل» ومصر والمغرب أوروبية الهوى، وإن كان صحيحاً أن العمق العربي بنفطه وماله محل طمع أمريكي، وأن أمريكا تقاتل اليوم وستقاتل غداً في سبيل الانفرادية، مثلما تفعل اليوم في العراق وسورية وقد تفعل غداً في غيرها.
ليس صحيحاً أن أوروبا ستدافع عن (حصتها) من الوطن العربي، قبل استكمال عدة الصراع ومستلزماته التي تمكنها من الوقوف على قدميها، إذا ما تحول الصراع من بيئة وجود إلى معارك، فالعرب ليسوا في وضع يشجع مؤيديهم على خوض صراعات جدية دفاعاً عنهم، خاصة إن كانت من النوع الخطير، كالصراع مع أمريكا في الوقت الحاضر، ثم إن أحداً في أوروبا لا يضمن أن يبقى الوضع العربي إلى جانبه، إن هو خاض صراعاً ما في سبيله، وإلا يذهب العرب إلى مساومات لها أول وليس لها آخر مع واشنطن، التي ينبع جزء كبير من الأزمة العربية الراهنة من موقفها تجاه النظام العربي، وإستراتيجيتها التي يبدو أنها أخذت تتخطاه خلال السنوات القليلة الماضية إلى وضع بديل يعتبره عدد كبير من النظم العربية مصدر التهديد الوحيد له.
ينضوي الصراع الدولي حول وطننا العربي وصراع أمريكا معه في أطر واسعة جداً هي جزء ما يسمونه (الصراع علي المجال الأوروبي- الآسيوي) الذي تقاتل واشنطن منذ خمسة عشر عاماً في سبيل إحكام قبضتها عليه باحتلال أجزاء حاكمة ومفتاحية فيهن وإخراج القوى المنافسة منه، أقله استراتيجياً وأمنياً، وفي سبيل إقامة ظروف داخلية تفصل روسيا عن أوروبا الغربية (احتلال البلقان، إدخال بولونيا وتشيكيا والمجر وبلغاريا ورومانيا أو ما يسميه ترامب أوروبا الجديدة، إلى حلف الأطلسي)، وروسيا عن الصين (احتلال أفغانستان، أخذ قواعد عسكرية في بلدان آسيا الوسطى، التحالف مع باكستان والهند في آن معاً.. الخ)، وتضع حوضي نفط وغاز الخليج العربي وآسيا الوسطى في يدها عبر  العراق الذي كان يشكل عازلاً معادياً بينهما يمتلك هو نفسه احتياطياً هائلاً من النفط والغاز، فكان احتلاله عام 2003 جائزة القرن الحادي والعشرين، على حد قول صحفي جريدة (النيويورك تايمز) خبير في الفعل الرسمي الأمريكي هو توماس فريدمان، إذا ما تأملنا الصراع بمنظور أوراسي، كان من الضروري ملاحظة أن الحاجز الفاصل يضم إيران وسورية أيضاً، وإن سقوط إيران يزيل أي تشويش من الطريق بين أوروبا الجديدة وأفغانستان، بينما يعني سقوط سورية فتح المجال العربي على اتساعه أمام «إسرائيل» وتحول من لاعب  إقليمي إلى دولي، من مهامه الأمريكية الرئيسية مراقبة سواحل المتوسط والخليج العربي، وممارسة سياسات تتخطى الصراع العربي الإسرائيلي المباشر إلى صراعات كونية ستطبع القرن القادم بطابعها، ستخوضها الإمبراطورية الأمريكية ضد أي تشكل إمبراطوري بديل أو منافس في عصر تنمو فيه مثل هذه التشكيلات بقوة تطور الاقتصاد والتقنية وحركة الرساميل والبشر.. فلا سبيل إلى منعه بغير صراعات أكبر وأكثر حدة وتنوعاً من أي صراعات سبق لعالمنا أن شهدها في الماضي، بما في ذلك خلال الحربين العالميتين أو بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي.
لقد أعلن كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق خلال زيارته الأولى إلى دمشق بعد احتلال العراق عام 2003، مباشرة مطالب قال إنها تعبّر عن وضع استراتيجي جديد ترتب على وجود جيش أمريكي بين دجلة والفرات وقرب الحدود السورية، وعلى ما يحدثه انتشاره شرقها من تبدل في المعطيات والواقع، ويفرضه عليها في إعادة النظر بعيدة المدى في حساباتها، وإذا ما شاء المراقب تصنيف هذه المطالب وجدها تنصب تحديداً على تغيير دور سورية الإقليمي الذي لعبته خلال السنوات الأربعين الماضية والمنصرمة سواء في فلسطين أم في لبنان أم في العراق أم في علاقتها مع إيران، مما يترتب عليه من تحالفات رئيسية وفرعية، ومن تقاليد وممارسات سياسية وتكتيكات إجرائية، وإمساك أوراق قابلة للاستعمال في المستويين المباشر والمتوسط تتخطى أبعادها مكاناً بعينه، أو منطقة جزئية محددة، وهو ما يجري الآن من سيناريوهات أمريكية في شمال شرق سورية إذا احتلت أمريكا أراضٍ سورية ما بين دجلة والفرات.
وكان منتظراً أن ترد سورية على مقترحات كولن باول، بإعلان رغبتها في الحوار حول المستجدات وتراهن على تقديم أقل قدر ممكن من التنازلات لأمريكا، إلا أن سورية رفضت هذه المقترحات الأمريكية جملة وتفصيلاً ولم تساوم سورية على مصير الأمة العربية، ولم تعترف باحتلال العراق، إلا أنه بعد أربعة أشهر من تقديم الطلبات الأمريكية وانتقاد مطالب سورية على حد قول كولن باول، شنّت الطائرات الإسرائيلية غارة على موقع (عين الصاحب) شمال دمشق، فكانت رسالة أمريكية أساساً تعلن أن زمن الكلام مضى وحلّ زمن الأفعال من نمط عنيف، وأن الاستمرار في تجاهل المطالب الأمريكية يعني طريقة مختلفة في الحوار تضع سورية أمام احتمالين، الرد على القوة بالقوة، أو تلبية ما طلبه باول منها، لكن وجود أمريكا في العراق لم يضعها في مواجهة سورية وحدها، بل تسبب في أزمة دولية كبيرة مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وكثرة من الدول العربية والإسلامية ودول عدم الانحياز، كما تسبب ببعض سوء التفاهم مع الحكومات العربية، غير أن أكثر الأزمات حدة كانت تلك التي تواجهها أمريكا في العراق.
هل وقعت أمريكا في المصيدة العربية بعد أن احتلت العراق ودربت الإرهاب و«داعش» وأدخلته إلى سورية لقتل أبنائها وحرق حضارتها ونهب ثرواتها، وتدمير اليمن وليبيا والسودان والصومال، حيث ينظر كثير من قادتها عن كثب بطريقة سلبية إلى كوابيس ترامب وانفعالاته السياسية والتدخل المباشر في الدول العربية لسلب الشخصية العربية وطمس هويتها وتجزئة الوطن العربي في سايكس بيكو جديدة، هذه المرة ستكون هزيمة أمريكا في العراق وسورية والدول العربية الأخرى هزيمة السقوط الحضاري وضربة لقدرة هذه الدولة العظمى على ضبط العالم وإخضاعه، بل تعني كذلك نهاية مشروعهم الدولي منذ بدايته، ونهاية الإمبراطورية الأمريكية التي سيتمرد العالم عليها في أربع جهات الأرض.
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018