الولايات المتّحدة الأمريكيّة وحكام العرب "المعتدلون".. بقلم: محسن حسن

عَلَّمَهُمُ الاستعمارُ- قديمُه، وحديثُه- التّمَسُّكَ بمصالحِهِ، ومصالحِ إسرائيلَ، معاً، مُعتمِداً، على حُكُّامٍ عربٍ، مُدجَّنين، خاضعين، مُنقادين، مُطيعين،خاضعين، صامتين..... لايقولون: لا – حتىفي تشهُّدِهمْ–عاجزين عن اتخاذ أيِّ قرارٍ، إلا بتوجيهات أمريكيّة–إسرائيليةٍ، ولوعند التّنازلِ عن الحُكْمِ، لأبنائهم... أليس هما، الأدرى بمصالِحِهم، والأولى بهم، من أنفسِهمْ......؟!
نصَّبهم الاستعمارُحُكّاماً، سَجّانين، مُضطّهدين مُستبدّين، لا تثنيهم عن خنوعهم، وانقيادهم، وصَمْتِهِمْانتهاكاتُ كُلِّ الأعرافِ، والمبادئِ، والقيَم ....
لا يُثيرهم قَتْلُ البشرِ، ولاتجريفُ الشَّجرِ ...... يُعتَدى على مسجدِهُمُ الأقصى، وقبلتِهمُ الأولى، تُحْفَرُ الأرضُ تحته، تُدنَّسُ حُرمَتُه، يُحْرَقُ قرآنُهم، ويُشتَمُنبيُّهُم .... فلا يُندّدون،ولايتحرّكون، ولا يَثورون، ولا إلى الجهاد يَتَداعون، لأنَّهم بالصّمتِ والخنوعِ مأمورون... أمَّا، إذاقِيلَ عنهم: إنَّهم أشباهُ رجالٍ، وهم- في الواقعِ،كذلك وأقلُّ من ذلك بكثيرٍ، فتدب الحياةُ في أوصالِهم- أي يحسُّون ويشعرون، ويثورون، ويتحرّكون..... يُحرّكُهُمُ الاستعمارُ، بإيماءةٍ منه، وبأيّةِ إشارةٍ، أو بأقلِّ من الإيماءةِ أو الإشارةِ، بعد أن بُرمجوا مُسبقاً، على كلِّ الأوامرِ والأفعالِ، وردّاتِ الْفِعلِ.... يُجبرُهم على الانفعال والاحتجاج،والجهادِ، عندما يُريد، مع أنَّ الذين يجب أن يثوروا، وينفعلوا- احتجاجاً- هم أشباهُ الرجالِ، الذين ظُلِموا، عندما شُبِّه هؤلاء الحُكَّامُ بهم ..... عاش هؤلاء الحُكَّامُ الآليون عقوداً من الزَّمنِ مُحاطين بالتّوجيهات والرّعايات والحماياتِ الأمريكيّةِ.... داهَمتْهُمُ الشيخوخةُ وتجاوزَهُمُ الموتُ، وبلغوا أرذلَ العُمْر... عانى منهُمُ الشّعبُ خلالَ حُكْمِهِمْ اضطّهاداً، وقمعاً، وإذلالاً، وعبوديّة، وبطالةً، وفقراً... نسيَت الولاياتُ المُتَّحِدَةُ الأمريكيّةُخلالَه، حقوقَ الإنسانِ الّتي اعتادتْ دائماً التّشدُّقَ بالمُناداةِ بها، وتُحاربُ من أجلِهالنشرِ الحُرّيةِ والدّيمقراطيّةِ والعدالةِ ..... فالحقوقُ–كما تراها –ليست للنّاس جميعاً، بل لبعْضهمْ طِبقاً للرغبات والمصالِحِ الأمريكيّة- الإسرائيليّة... وُلِدَ خلالَ تلك العصور، في غفلةٍ من رقابةِ عيونِ هؤلاءِالحُكَّامِ وأسيادِهِم، أطفالٌ لم تُؤخذْ ولادتُهُمْبالحُسبانِ، فعاشوا، واضطُّهدوا، وعانوا، وشَهِدوا هزائمَ عربيّةً، فيما مضى، وعاشوا بَعضَ الانتصاراتِ الوطنيّةِ، القوميّة، العربيّة أيضاً.... شهدوا عَثَراتٍ، وخيباتٍ، وهزائمَ للسّيدِ الأمريكيِّ، في أفغانستانَ والعراقِ ولبنانَ وسوريّة... وتذكَّروا – من التاريخ–فيتنام، ومازالتْ انتصاراتُ المقاومةِ الأخيرةُ على إسرائيلَ ماثلةً أمامَأعينِهِم.... دخلوا واللغة العربيّة، صفحاتِ التّواصُلِ الاجتماعي .... اقتحموا، ما كُتِبَ عليه، في أقبيةِ الخارجية الأمريكيّة"سرّيٌّ للغاية"...... دخلوا عليه اخترقوه، هتكوا سِتْرَهُ، وفضحوا أسرارَهُ، وتسرّبت معلوماتُه السّريّةُ تلك، واقتُنِصَتِ المعلومات بشكلٍ عَفَويٍّ أم غيرَعَفَويٍّ... صُدفةً أم غيرَ صُدفَةٍ... بشكلٍ إفراديٍّ أم غيرِ إفراديٍّ.... وكيفما كان شكلُ هذا التّسرّبِ ووسيلةُ ذاك الوصول، فقد تسرّبَتْ ووصَلَتْ... كان ذاك التّسرّبُ، وذاك الوصولُ مُضادّاً للرّغباتِ والمصالحِ الأمريكيّة – والإسرائيليّة، وسببت لهما حرجاً وضيقاً، ودهشةً... فكيف دُخِلَ عليها، وكيف اختُرِقَتْ، وتسرَّبتْ، ووصَلَتْ تلك المعلوماتُ؟! 
عَرَفَ هؤلاء الشّبابُ أنَّ الحقَّ يؤخَذُ، وأن الاستعمار يُهْزَمُ، فعلّقوا آمالاً على الانتصاراتِ الوطنيّةِ وتفاؤلاً على الخيبات الأمريكيّة، والهزائمِ الإسرائيليةِ... 
ونتيجةً لتلك المعاناةِ والثقافاتِ والمعلوماتِ والتَّراكماتِ... وضَحتِ الرؤيا، وجاءتِ الصحوةُ، وانكسر حاجزُ الخوفِ... وهبّتْ رياحُ التّغيير في المنطقةِ الأكثرِ خطورةً في العالم..... انفجرَ هؤلاءُ الفتية، براكينَ غضبٍ مُفاجِئَةً، وزلازلَ مُدمِّرَةً، واجتاح التّسونامي "العربيُّ" الصاعقُ الكثيرَ مما يُسمّى بدولِ الاعتدالِ العربيِّ... واندلعتِ النيرانُ في الأرضِ المحروسةِ أمريكيّاً والمُراقبةِ إسرائيليّاً، وأتتْ عليها في طُرفةِ عين... جاءت الثورات مُتتالياتٌ... في تُونُس ... في ليبيا واليمن ومصر... نزل الثّوار بثوراتهم إلى الساحاتِ والميادين.. كأنها ثوراتٌ حقيقيّةٌ، فرضوها على الأرضِقوّةً جبّارةً... سبقوا الأحزابَ والنُّخبَ واليمينَ واليسارَ... حَصَلتْ هذه المُعجزاتُ كلُّها، في غفلة من العيونِ الأمريكيّةِ، والمُراقبةِ الإسرائيليّةِ، التي تحتضن الكثيرَ من مصالحِهما، وشرايين حياتِهما، أصدقاءَ وعملاءَ وقواعِدَ، ومراكِزَ تجسّسٍ، وأدواتِ تخريبٍ، ونفطٍ... 
وكيف للنّفطِ والنّارِ أن يجتمعا معاً في نقطةٍ واحدةٍ...؟ لم تكتشفها المخابراتُ ولم ترصدها مراكزُ الزلازلِ والهزّات، لم تلحظْها تلك التّقنيّاتُ... تهاوى ذلك الظّلمُ وتداعتِ القصورُ، وبدأ الحُكَّام العربُ، المعتدلون العملاءُ يسقطون، عثَرَ عليهم الموتُ أخيراً... سقطوا بعد أن عجزوا عن قمعِ شعوبِهم، والحفاظ على المصالحِ الأمريكيةِ والأهدافِ الإسرائيليّةِ... أُصيْبَتْ إسرائيلُ بالصّدمَة، والولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ بالدّهشة... كانتِ المفاجأةُصاعِقَةً، وأصبحتِ المصالحُ الأمريكيّةُ مُهدّدةً، فتخلّت الولايات المتحدة الأمريكيّةُ عن عملائِها "الحُكَّامِ العربِ المعتدلينَ" الأصدقاء التّاريخيين – مُجبَرَةً– لم تتألَّم كالعادة لنهاياتِهم، تركتهم لمصائرهم، ناسيةً خدماتِهم، لم تتقبّلهم في حياتهم لديها لاجئين، ولم تتقبّلهم بعد موتهم لديها مدفونين... أضافتهم إلى شاه إيران، وصدّام حُسين، باحثة – سريعاً – عن البدائلِ ممن لا يقرؤون التاريخ، ولا يتّعظون بالنهايات... سارعت وزيرةُ خارجيّة الولايات المتحدة الأمريكيّة، ووزيرُ دفاعها – آنذاك – لزيارة مِصرَ بعد الثورة، على وجه السّرعة وإن قابلتها الثورةُ في مِصر بالتظاهر، والاحتجاج والاستنكار... وبدأت الوِلاياتُ المتحدةُ الامريكيّةُ تتقرّب من الثورةِ ساعيّةً لكسب ثقتها، عارضةً خدماتِها، وخبراتها، ونصائحها ودعمها... أليست هي دائماً راعيةَ الحرّياتِ وموزّعة الديمقراطيّات على الشعوب وحاميّة حقوق الإنسان أينما كان، وحلَّورحل...؟! ووضعت كُلُّ الخُبُراتِ والتّقنيّات لحرفِ تلك الثوراتِ عن مساراتها بسريّةٍ وخبرة وحذرٍ وهدوءٍ، وسخّرت كُلَّ ما تملك من مؤسسات علمية متخصِّصَةٍ بعلم النّفس والاجتماع والاقتصاد، لدراسة تلك الشعوبِ والثوراتِ بعلْمٍ وإعلامٍ ودرايةٍ، وخداعٍ واقتدارٍ وسوء نيّة، لاكتشاف الثّغرات التي تُمكِّنُها من العبور منها لخرقها واختراقِها بالاتجاه المعاكس للمصالح والأهداف التي قامت من أجلها والتي تودُّ وتحلُمُ بالوصول إليها، مع أن تلك الأهداف كانت غامضةً وغيرَ واضحةٍ... هناك مؤسساتٌ تضع سلفاً النتائجَ والأهدافَالتي تتوخّاها الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيّةُ وتبحث بعد ذلك بهدوءٍ ورويّة عن الوسائلِ والخطواتِ التي تُحقّقُ لها تلك الأهداف، وتوصلها إلى تلك النتائج... وتَحفِرُ حُفراً وتدفعها دفعاً للوصول إلى تلك الحُفَر والوقوع فيها بشكلٍ طبيعيٍّ، ويبدو الوقوعُ فيها كأنّه قضاءٌ وقدرٌ، فتستسلمُ الشعوبُ العَفَويَّةُ البريئةُ لقضائِها وقدرِها اللذين لا مهربَ لها منهما... ويُصبِحَ من الصعب عليها بل من المُستحيل، الخروجُ من تلك الحُفَرْ... هذا إن لم تَكُنِ الولاياتُ المُتّحدةُ الأمريكيّة هي من خَطَّطَ لتلك الثوراتِ والشعوبِ بشكلٍ مُباشَرٍ عَمْداً، خِطَطاً، خاطئة، ناقصة توصلها لما آلتْ إليه.... ذهبتْ رياحُها، وهدأتْ عواصفُها وضاعَ فيضُها، وخبا ألقُها على مفارقِ الاتّجاهات والجهات... ضاعتِ الْبُوصِلَةُ، وتلاشتِ الآمالُ، في صحارى الْعَجْزِ والظّلامِ، والتّيهِ، والضّياعِ... لتبدأَ الولاياتُ المُتّحدةُ الأمريكيّةُ من جديدٍ، تحارِبُهُم بهدوءٍ، وحنكةٍ، ودِرايةٍ، واقتدارٍ... بالإسلامِ المُسيّس... بالإرهاب، بالوهّابيّةِ والمُرتَزَقَةِ، والأحقادِ، والحاقدين، والنّفط.... تسير بُكلِّ هؤلاءِ... تلهو بهمْ، وتُحاربْ.... تدفعهم إلى الهاوية...
تُدمِّرُهمْ... بِهِمْ تُحقِّقُ أهدافَها... وتحمي مصالِحَها... لا تخسر من رجالِها رَجُلاً واحداً، ولا تدفع من خزائنِها دولاراً واحداً... تُحاربُ بالغيرِ وأموالِ الغيرِ، وتنتصِرُ... وتلك أسهلُ أنواعِ الحروبِ وأقلُّها خسائِرَ، ذاك ما تفتَّقَ العقلُ الأمريكيُّ عنه، وما وصَلَ إليه.... 
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018