تحليل وآراء

ترامب ليس قادراً على اتخاذ قرار منفرد وتركيا خارج الحرب؟

ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم بالنظر لتطورات المنطقة السريعة بناء على إشكالية احتمال وقوع حرب إقليمية هو الآتي: يزور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الدول الغربية الكبرى ويقدم لهم المال والصفقات ويشتري السلاح ويعقد اتفاقات تجارية كبرى ويقدّم ما طاب من العلاقات المتينة مع بلاده للدول الغربية، لكن كل هذا لقاء ماذا؟
ما هو المقابل أو المردود المادي او المعنوي الذي يرغب إبن سلمان الحصول عليه لقاء هذا السعي والجولات المكثفة لدول هي اساس في صناعة القرار؟
طرح ثانٍ بالمقابل مفاده، الى أي مدى يمكن للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من الذين يمتّن إبن سلمان العلاقة بهم قادرة على تجاهل هذه التقديمات؟ والى أي مدى ممكن ان تذهب بعيداً بمطالب إبن سلمان من دون أن تتأثر أجندتها الاستراتيجية، خصوصاً في ما يتعلق بالشرق الأوسط؟
المثال التالي ربما يوضح أكثر:
يخوض إبن سلمان حرباً كبرى على اليمن منذ أكثر من 3 سنوات من دون جدوى، وبدخوله السنة الرابعة كان من المفترض أن تتراجع القوة الحوثية بشكل كبير، أو بالحد الأدنى إذا كانت إيران وراء تسليحها. فإن ثلاث سنوات كفيلة بقطع طرق الإمداد بالسلاح عن القوى المقاتلة، وبما أن هذا لم يحصل فإن فشل السعودية وحلفائها تجاه إيران باليمن صار كبيراً، وقد تم التأكد من الخرق الإيراني للمدى الحيوي اليمني ومن تمكنها من تأمين معابر إمداد للسلاح قد تطيل عمر الأزمة أكثر.
بهذا الوقت، أي الوقت الذي تستضيف فيه المملكة العربية السعودية القمة العربية بعد أن اعتذرت الرياض، يبرز خطر الصواريخ الحوثية بشكل غير مسبوق، بعد حديث عن قصف طال وزارة الدفاع من دون أن تعترف بها الجهات المعنية السعودية التي اعترفت بقصف على الرياض استوجب البحث بإمكانية نقل الوفود من الرياض إلى الدمام. وهذا وحده ابتزاز كبير للسعودية، وقلق لن يمكنها من الاستمرار بهذا الوضع.
التحرك الأميركي تجاه إيران أو حلفائها هو أحد أهم مطالب محمد بن سلمان. وعلى الأقل هو ثمن مطلوب لقاء كل التقديمات السعودية، أي إزعاج لإيران قادر على كسرها هو طلب سعودي ومصلحة إسرائيلية. وبالتالي فإن الحشد لضربة لسورية هو أحد أهم ما يطال الغاية السعودية التي أعلنت أنه إذا اقتضى الأمر فستشارك بهذه الضربة بالتأكيد.
تردّد ترامب تجاه ضرب سورية الذي يعود لحساب دولي يضع نداً لندّ روسيا مقابل الولايات المتحدة بعيداً عن الحساب الإقليمي الذي يضع السعودية بوجه إيران، يغيّر كل الحسابات. فمن جهة هناك رغبة أميركية بتلبية مطالب إبن سلمان لتثبيت حكمه المقبل ومساعدته على إعلانه ملكاً قوياً في المنطقة، لكن من جهة أخرى التحدي الأميركي يتمثل بإمكانية مواجهة روسيا، وعن جدوى هذه الحرب بوجود قواعد أميركية في سورية العراق وبوجود «اسرائيل» في هذه المنطقة الحساسة، فكيف ترضي إبن سلمان من جهة، وكيف تحافظ على حضور قوي في طاولة مفاوضات تجلس عليها روسيا متمترسة بالمنطقة ومتمكنة من نفوذها أكثر من أي وقت مضى؟
من دون شك، تعتبر التهديدات الأميركية العالية النبرة التي تصل حدّ بث الذعر في صفوف شعوب المنطقة من حرب إقليمية كبرى، بداية إعلان نيات للسعودية بأنها هي فعلاً تريد هذه المواجهة في سورية وأنها فعلاً تريد قصف النظام السوري ومقدراته ما يتكفل بكسر شوكة إيران في المنطقة فيرتاح الجميع، لكنها بالوقت نفسه غير قادرة على اتخاذ هذا القرار بالرغم من الحشد، لكن ومن لحظة إعلان هذه النية، بدأت الاتصالات الدولية والإقليمية تتواتر على البيت الأبيض للاستيضاح عن الأمر. وبدأت التصريحات الإقليمية الأكثر ميلاً للتخلص من الأسد تحكي العكس، بينها تصريحات لرئيس وزراء تركيا الذي دعا ترامب وبوتين لترك «كلام الشوارع» جانباً والتفكير في استقرار المنطقة وفي المرحلة المقبلة. تركيا التي تدرك تماماً أن من وراء هذا التصعيد رغبة سعودية بإعلان محور جديد يخرج تركيا منه تدرك ايضاً أنها بهذا الكلام ترسل كلاماً سياسياً واضحاً وهو بعدم استعدادها المشاركة عبر الناتو بهذه الحرب. ومن المعروف أن الناتو يحوي أعلى نسبة من الجنود الاتراك وهم عصب هذا الجيش. وبالتالي فإن الأزمة أكبر من أن تلبي رغبات أو تسترضي حلفاء بالرغم من عطاءاتهم.
صار أكيداً مع تقدم الساعات أن ترامب غير قادر على اتخاذ قرار ضرب سورية بشكل منفرد. وما هذا الانتظار إلا دليل على المشاورات التي تجري على قدم وساق بين الكونغرس الذي يحتاج ترامب لتصويته وبين البنتاغون الذي يدرك مدى مخاطر تعرض قواعد الولايات المتحدة للخطر. وبالتالي فإن التريث سيبقى سيد المشهد إلا إذا استعيض عن المواجهة بضربات «محدودة». بكل الأحوال لن تصل حد الحرب. وعلى الأغلب لن يتجرأ ترامب على الشروع فيها. مع العلم أنه هو نفسه سخر من أوباما الذي تردد بضرب سورية بالحجة نفسها «الكيميائي».
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018