النظام الدولي.. حانت ساعة الرحيل.. بقلم: عبد المنعم علي عيسى

شكل اتفاق الرئيسين الأميركي رونالد ريغن والسوفييتي ميخائيل غورباتشوف في العام 1987 الذي أفضى إلى سحب موسكو لصواريخها النووية المتوسطة من أوروبا الشرقية، حالة اختلال عظمى في ميزان القوى القائم بين القوتين العظميين، الأمر الذي لم يلبث أن تكشفت تداعياته سريعاً فانفرط عقد حلف وارسو 1989، ومن ثم انفرط عقد الاتحاد السوفييتي نفسه في الأسبوع الأخير من العام 1991.
أتاحت هذه الحالة الأخيرة للولايات المتحدة استباحة العالم برمته، وما يلاحظ هو أن الغرب لم يكتف بما جرى للاتحاد السوفييتي وإنما أخذ يغذ خطاه سريعاً نحو تفكيك الاتحاد الروسي أيضاً، انطلاقاً من أن الرؤية الموضوعية التي تبناها تقول إن المصير الذي سيؤول إليه هذا الاتحاد سوف يؤدي به إلى تقلص حدوده لتعود كما كانت عليه في العام 1512 عندما لم تكن حدوده تتجاوز حدود موسكو فحسب، والرؤية السابقة هي لثاني أهم مركز غربي للدراسات والأبحاث الإستراتيجية في ستوكهولم، والمعروف أن ما يصدر عنه غالباً ما يمثل وجهة النظر الإستراتجية في التوجهات والقناعات التي تتبناها البلدان الغربية.
شكل صعود فلاديمير بوتين إلى سدة السلطة في الكرملين في أواخر العام 2000 حالة سياسية استثنائية لها موجباتها ودوافعها الداخلية، وإن كان هذا الأخير قد امتلك رؤية ثاقبة وقدرة مميزة على استشراف الإمكانات والأدوار التي يمكن لعبها في ظل الهوامش التي تتيحها، وعلى الرغم من أن بوتين سار في اتجاه كان من الواضح أنه يهدف إلى إنشاء تكتل اقتصادي وسياسي وعسكري جديد يمكن له أن يقف في مواجهة الهيمنة الأميركية على العالم، بدءاً من تأسيس منظمة شنغهاي ثم دول البريكس ووصولاً إلى الاندفاعة الكبرى التي أظهرها في سورية، وهي وحدها لها العديد من الدلالات والمؤشرات بالغة الأهمية، على الرغم من ذلك، فإن أكثر ما يقلق الغرب من التجربة «البوتينية» هو أنها لا تعتمد على «التغريب»، وسيلة أو بوصلة لبناء وتطور التجربة، مع أن روسيا وعلى امتداد خمسة قرون ماضية كانت قد سلكت طريق «التغريب» وسيلة لنهوضها أو بناء قوتها بما فيه تجربتها في الثورة البلشفية 1917، إنما الإطار العام الذي تستند التجربة «البوتينية» إليه يظهرها على أنها تجربة قومية سلافية تعتد بخصوصيتها، وبذا فإنها تعتبر موضوعياً ذات نفس مناهض للغرب وهي ترى وجوب الوقوف بوجه هيمنة هذا الأخير من موقع الند وليس من أي موقع آخر.
نجحت التجربة الروسية في تحقيق اختراقات كبرى في جدران نظيرتها الغربية، وكان أبرزها كسر احتكار الغرب للسلاح وهو ما ظهر بالتتالي منذ العام 2016 إلى أن وصل الاختراق إلى حارات الناتو، في تركيا، وإلى حارات لم يكن من المتوقع أن يصل إليها مثل السعودية، ولا أدل من أهمية هذا الموضوع من أن الكونغرس الأميركي كان قد هدد في 27 آذار الماضي بفرض عقوبات أكثر صرامة على روسيا إذا ما قامت هذي الأخيرة ببيع منظومة «إس إس 400» خارج أراضيها، ولا يمكن فهم حادثة الجاسوس سيرغي سكريبال والردود الغربية عليها إلا في سياق حملة غربية مدروسة على روسيا وهي ستشن عليها بهذي الذريعة أو بأخرى، وربما يشير حجم التضامن الغربي مع بريطانيا في تلك القضية إلى وجود نيّات أميركية قد تصل إلى حدود العمل على إخراج روسيا من عضوية مجلس الأمن وحرمانها من حق النقض أو الفيتو، وعلى الرغم من خطورة مسار كهذا فهو سيؤدي بالتأكيد إلى انقسام الأمم المتحدة إلى منظمتين إلا أنه يبدو خياراً واقعياً لواشنطن وحلفائها الغربيين.
كيفما سارت الأمور في هذه المسألة فإن من المؤكد أن روسيا اليوم باتت تعيش أوضاعاً شبيهة بتلك التي كانت تعيشها ألمانيا مطلع ومنتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، الأمر الذي أدى إلى وصول القومية الألمانية المتعصبة إلى سدة الرايخ الثالث في برلين العام 1933 وهو ما مهد الطريق لقيام الحرب العالمية الثانية التي استمرت ست سنوات، ومن المؤكد أيضاً أنها تخوض مواجهة كبرى مع الغرب لا بد لها من إنتاج نظام دولي جديد، فعوامل فراقها مع هذا الأخير هي أكبر بكثير من عوامل اللقاء معه واتفاقية هلسنكي 1975 لم تعد كافية كما يبدو، واليوم يمكن القول إن ذلك النظام هو في مرحلة استكمال شروطه التي قد تطول.
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018