الغرب يتحدى روسيا: الحرب الباردة لم تمُت

لم تمضِ سوى أيام قليلة على قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تغيير بعض أعضاء طاقمه للسياسة الخارجية والأمن القومي، وهو ما أدى إلى ترجيح كفة الصقور في عملية اتخاذ القرار، حتى بدا أنّ المواجهة مع روسيا هي إحدى إشارات هذا التغيير
 تستعيد إجراءات الطرد والطرد المضاد للدبلوماسيين الروس أميركياً وأوروبياً أجواء الحرب الباردة التي كانت سائدة في العالم قبل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وذلك في أعقاب مزاعم بريطانيا عن تورط روسيا في عملية تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في مدينة ساليسبري الإنكليزية في الرابع من آذار الجاري.
وأمس، أمر ترامب بطرد العشرات من الدبلوماسيين الروس الذين وصفتهم المتحدثة باسم البيت الأبيض، سارة ساندرز، في بيان، بأنهم «ضباط مخابرات»، وأمر كذلك بإغلاق القنصلية الروسية في سياتل، بدعوى قربها من إحدى قواعد الغواصات وشركة «بوينغ». وتمثل هذه العملية تصعيداً غير مسبوق من الرئيس الأميركي الذي سعى إلى إقامة علاقة شخصية وثيقة مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في وقت يفرض فيه عقوبات جديدة على الأشخاص والكيانات المرتبطة بالكرملين.
وقال بيان البيت الأبيض إن الطرد «اتخذ بالتعاون مع حلفائنا وشركائنا في حلف شمال الأطلسي وفي جميع أنحاء العالم رداً على استخدام روسيا لسلاح كيميائي من الدرجة العسكرية على أراضي المملكة المتحدة... (وهو) أحدث نمط في أنشطتها المستمرة لزعزعة الاستقرار في جميع أنحاء العالم».
وكان ترامب قد طلب من طاقمه للسياسة الخارجية والأمن القومي يوم الأربعاء الماضي تقديم توصياتهم للرد الأميركي، وهو ما قدموه يوم الجمعة، وناقش الأمر مع السفير الأميركي لدى موسكو، جون هانتسمان. وشارك في اجتماع الأربعاء نائب وزير الخارجية جون سوليفان، ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كريس وراي، ووزير المالية ستيفن منوشين، ونائب وزير العدل رود روزنشتاين، وأيضاً وزير الدفاع جيمس ماتيس، بجانب مدير المخابرات القومية دان كوتس، ومستشار الأمن القومي الذي أقاله ترامب، هربرت ماكماستر.
وحددت الإدارة الأميركية عدد المطرودين بستين شخصاً (12 من الدبلوماسيين في البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، و48 ملحقاً دبلوماسياً في السفارة الروسية لدى واشنطن)، فيما قال مسؤولون أميركيون إن هناك أكثر من 100 رجل مخابرات روسي يعملون تحت غطاء دبلوماسي في البلاد، واصفين هذا الرقم بأنه «غير مقبول»، رغم أن لكل الدول في سفاراتها ضباط مخابرات يعملون تحت غطاء دبلوماسي، وهو أمر يحدث بموافقة الدول المضيفة، علماً بأن المطرودين مُنحوا مهلة سبعة أيام للمغادرة.
رداً على الإجراءات الأميركية، ذكرت «وكالة الأنباء الروسية» أن الكرملين «سيردّ في الأيام المقبلة»، فيما قال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، للصحافيين أمس، إن بلاده ستردّ على أي عمليات طرد بـ«مبدأ المعاملة بالمثل». أيضاً، وصف السفير الروسي لدى واشنطن، أناتولي أنتونوف، قرار الطرد بأنه «جائر، ويدمر ما بقي من العلاقات الأميركية ــ الروسية»، قائلاً إن ردّ موسكو «سيكون متناسباً»، وإن «الولايات المتحدة لا تفهم سوى لغة القوة». ونقلت وكالة «إنترفاكس» عن نائب رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، فلاديمير دجاباروف، قوله إن موسكو «ستطرد 60 على الأقل من أفراد البعثة الدبلوماسية الأميركية رداً على قرار واشنطن».
وقد سبق لإدارة باراك أوباما طرد 35 دبلوماسياً روسياً في كانون الأول 2016 وإغلاق مجمعين للسفارة الروسية بزعم استخدامهما «لأغراض متعلقة بالاستخبارات»، وذلك رداً على مزاعم تدخل موسكو في الانتخابات الرئاسية التي فاز بها ترامب. وقد امتنع بوتين عن الاستجابة الفورية لقرار طرد دبلوماسييه، وهو القرار الذي أشاد به ترامب، ثم تعهد تحسين العلاقات مع بوتين. لكن بعد أن أصدر المشرعون قانوناً في تموز الماضي يمنع ترامب من تخفيف العقوبات دون موافقة الكونغرس، أمر بوتين الولايات المتحدة بخفض عدد موظفي بعثاتها الدبلوماسية في روسيا بواقع 755 شخصاً، وذلك بحلول الأول من أيلول الماضي ليكون متكافئاً مع عدد أفراد سفارتها في واشنطن.
بيان البيت الأبيض قال أيضاً إنّ «إجراءات الطرد تجعل الولايات المتحدة أكثر أماناً عبر الحد من قدرة روسيا على التجسس على الأميركيين وتنفيذ عمليات سرية تهدد الأمن القومي»، مضيفاً: «الولايات المتحدة، بهذه الخطوات، توضح وحلفاؤنا وشركاؤنا، لروسيا، أن لأفعالها عواقب». لكن البيان ذكر أن واشنطن «تقف على استعداد للتعاون لبناء علاقة أفضل مع روسيا، ولكن هذا لا يمكن أن يحدث إلا بتغيير في سلوك الحكومة الروسية».
وفي خطوة مماثلة، أقدمت كل من كندا وأكرانيا وعدة دول أوروبية على طرد دبلوماسيين روس، ولكن بأعداد أقل، ليبلغ عدد الدبلوماسيين الروس المطرودين 107. وأعلن رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، أن 14 دولة في الاتحاد الأوروبي (النصف)، قررت طرد دبلوماسيين روس منها: ألمانيا وفرنسا وبولندا ولاتفيا وإستونيا والتشيك، مضيفاً أن «اتخاذ المزيد من الإجراءات بحق روسيا في الأيام والأسابيع المقبلة أمر غير مستبعد»، وموضحاً في الوقت نفسه أنّ «هذه الدول ستطرد ما بين واحد إلى أربعة دبلوماسيين». وتأتي هذه الخطوة بعد ثلاثة أيام من اتفاق قادة الاتحاد الأوروبي على أن روسيا مسؤولة «على الأرجح» عن «هجوم بريطانيا».
من جهتها، أكدت كندا أنها ستطرد 4 دبلوماسيين روس، بينما قالت أوكرانيا إنها ستطرد 13. وسيغادر الدبلوماسيون المطرودون الدول التي هم فيها خلال أيام أو أسابيع.
في غضون ذلك، رحبت لندن بقرار حلفائها، ووصفته بأنه «نصر أخلاقي ودبلوماسي». وكتب وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، في تغريدة على موقع «تويتر» أن «الرد الدولي الاستثنائي لحلفائنا سيسجل في التاريخ بأنه أكبر عملية طرد جماعي لمسؤولي استخبارات روس»، مضيفاً: «هذه الخطوة ستساعد في الدفاع عن الأمن المشترك». كما قال متحدث باسم رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، في بيانٍ: «نحن نشيد بتحرك حلفائنا الذي يُظهرنا جنباً إلى جنب لتوجيه رسالة لروسيا مفادها أنه لا يمكنها الاستمرار في تجاهل القانون الدولي». وفي وقت سابق، اعتبر وزير الدفاع البريطاني، جافين وليامسون، أنّ العالم «يقف متحداً وراء موقف بلاده في ما يتعلق بتسميم سكريبال، وأن الصبر على فلاديمير بوتين ينفد».
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018