رسائل ما بعد السقوط.. بقلم: سيلفا رزوق

لا يبدو أن مفاعيل حدث العاشر من شباط الإستراتيجي، ستتوقف عند حدود معروفة النهايات، وإسرائيل التي أسقط في يدها أحد أهم مجالات التفوق التي تباهت بها لعقود، وجدت نفسها أمام الخسارة المدوية الأكبر منذ سنوات.
محاولات التعمية الإسرائيلية المتواصلة على حجم المتغير الكبير، لم تستطع حتى اللحظة إخماد ذاكرة الإسرائيليين القصيرة، ويبدو أن مشاهد النيران المندلعة من الـ«إف16» سترسخ في العقل الإسرائيلي طويلا، كمحطة جديدة في مسار الانحدار المتواصل لنظرية التفوق، التي كانت حرب 2006 قد سجلت آخر الضربات الموجعة لها.
السوريون الذين أداروا حتى اللحظة كفة قيادة اللحظة الإستراتيجية الأهم ببراعة لافتة، نجحوا في توجيه المركب الإعلامي بما يرقى لحجم الإنجاز، والتصريحات المتتالية حول انتظار المزيد من المفاجآت، والاستعداد لحماية سماء البلاد من كل اعتداء، إضافة للتذكير بعشرات الصواريخ التي جرى إسقاطها ساعة قررت تل أبيب الثأر لطائراتها، أعطى لدمشق نقطة تفوق جديدة في الحرب النفسية التي طالما لعب عليها العدو سنوات.
حتى اللحظة لا تزال عنتريات الاجتماعات الوزارية الأمنية المصغرة، تطفو على المشهد الصهيوني، أما رفع مستويات التهديد، إلى حد «العض بدل النباح» على طريقة وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، فقد عكس بصورة جلية حجم القلق المتوغل عميقا في الحسابات القادمة.
في قراءة خيارات المشهد ثمة عناوين كثيرة، قد يذهب معظمها صوب التصعيد العسكري المحتمل، على أرضية أن إسرائيل المنكوبة لا يمكن أن تتحمل صفعة جديدة من عيار ما جرى في عام 2006، ولكن سنوات الحرب السبع التي وحدت ساحات المواجهة، لأطراف محور المقاومة وما يعنيه ذلك من انعدام القدرة على التفرد بأحد أعمدة المحور دون غيره، يجعل أمر إنجاز الإسرائيلي لأي نتائج معدوم الاحتمالات، ما سيدفع بالعقول العسكرية الجريحة لقراءة حساباتها ألف مرة قبل اتخاذ هذه الخطوة.
في الخيارات أيضاً ثمة من يستند إلى الدور الأميركي المنتظر لمساندة الحليف الأقرب، وهذا ما بدأ الإعلام الإسرائيلي الترويج له عملياً، عبر الاعتراف بمحدودية الخيارات من دون الإسناد الأميركي، هذا أيضاً دونه موانع كبرى ليس أقلها، القرار الأميركي بعدم التورط مجدداً بحروب الشرق الأوسط العبثية بالنسبة للناخب الأميركي، وعليه لا يبدو أن واشنطن ستتجاوز حدود التصريحات «الترامبية» الرنانة، دون الغوص عميقا في الخيارات الأخرى.
الباحث في تفاصيل المشهد الذي سبق مشهد إسقاط الطائرة الإسرائيلية، ربما سيجد ضالته في قراءة الخيارات المحتملة، وهنا علينا أن نتذكر مطالبات تل أبيب بعودة اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وعودة قوات «أندوف» لحراسة الشريط الحدودي، وهذا على ما يبدو سيكون الخيار الأكثر واقعية المنتظر للعقل الإسرائيلي التائه، والذي سينحو على الأغلب صوب استيعاب المتغير الكبير، والابتعاد عن خيارات التفجير، لتبقى ورقة الأذرع الإرهابية المحروقة أصلا، ورقة وحيدة سيكون الميدان كفيلاً بمواجهتها.
تدرك إسرائيل جيداً أن ما يحصل اليوم ليس عابرا، وقواعد الاشتباك القديمة قد تغيرت، ولم يعد لشروط تل أبيب مكاناً في المعادلات السورية المقبلة، وعليه لن يكون لأي تحشيد محتمل جنوباً أي تأثير جدي في تغيير وقلب المعادلات.
خلاصة المسألة ورسائل ما بعد السقوط، تقرأ اليوم جيداً على طاولات السياسة الدولية، والدور الوظيفي للكيان الإسرائيلي أصيب مجدداً في الصميم، ما سيدفع باللاعب الأميركي للخروج مرة أخرى إلى العلن، كاشفا عن وجهه دون مواربة، لتأخذ حرب الرسائل الدولية منحى جديداً، قد يكون أكثر خطورة مما مضى، غير أن أصحاب الأرض الذين خبروا أساليب وأدوات الرسائل الأميركية اثبتوا حتى اللحظة قدرتهم على التعاطي باقتدار مع كل الخيارات، وربما سيبدو التعايش مع المعادلات الجديدة للمنطقة الخيار الأكثر واقعية للمرحلة القادمة.
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018