عفرين.. هل تكون ساحة للصفقات.. بقلم: محمد نادر العمري

أن يخرج وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قبل بدء العدوان العسكري التركي على منطقة عفرين، ليقول: «إن بلاده أرسلت رسالة خطية لدمشق تعلمها بالعملية» هو تحول وإشارة من قبل أنقرة تجاه دمشق، إن صحة تصريحات جاويش أوغلو في إرسال هذه الرسالة، رغم أنها ليست الإشارة الأولى من رموز النظام التركي وفي مقدمتهم رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته، الذي أعلن نهاية عام 2017 أن بلاده «لم تعد ترى خطراً» في الحكومة السورية.
الأهمية في هذه المرة تحمل مروحة من المضامين، أولها أنها تحمل طابعاً «دبلوماسياً» سواء وجهت بشكل مباشر أو عبر أحد الجانبين الروسي أو الإيراني، أو بشكل مزدوج، وثانيا «هو إقرار بشرعية الحكومة السورية ومؤسساتها التي سعى أردوغان منذ بداية الأزمة لنزع الشرعية عنها عسكرياً» عبر احتلال مناطق في الشمال ودعم المسلحين، وسياسياً عبر استضافة ما سمي بـ«المجلس الوطني» و«الائتلاف المعارض».
من الواضح أن معالم الميدان والاشتباك الحاصل في عفرين قد توجد نقطة التقاء بين تحالف الخصوم قبيل سوتشي، إن لم تكن هذه النقاط قد فرضت نفسها ومعالمها.
فعملية «غصن الزيتون» التركية لم تكن لتنطلق لولا موافقة على الأقل ضمنية من قبل موسكو، التي سارعت إلى سحب مستشاريها وخبرائها وجنودها من عفرين ونقلهم باتجاه تل رفعت قبل ساعات من بدء العدوان التركي، وهذه الموافقة لا تنطلق من الإيمان الروسي بالمطلب التركي، بل انزعاجاً من السلوك الكردي الرافض لمخرجات المطلب الروسي في «حميميم» والمتضمن: السماح للجيش السوري في الدخول إلى عفرين وانضمام المقاتلين هناك إليه ورفع العلم السوري، فكان الرد الكردي الموافقة على تنسيق خدمي للمؤسسات ورفضاً للتنسيق الأمني والعسكري.
بالمقابل فإن الصمت الإيراني يحمل مدلولين، الأول هو رغبة طهران في تقليم أظافر النفوذ الكردي في المنطقة عموماً، على غرار ما حصل في إقليم كردستان العراق، باعتبار أن القوى الكردية الفاعلة موجهة في أحد توظيفاتها تجاه إيران وفق اتفاق الأمن القومي الصهيوأميركي نهاية عام 2017، وفي ذات الوقت هي في حالة ترقب للعمليات التي تجري في الشمال وتنسق بشكل عالي المستوى مع دمشق، وهذا ظهر في زيارة رئيس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية في إيران كمال خرازي لدمشق بهذا التوقيت ولقائه مع الرئيس بشار الأسد.
بينما واشنطن التي سعت لإيقاع جميع خصومها ضمن المصيدة «العفرينية» إن صح التوصيف، سارعت بعد إخفاقها بدق أسفين الخلاف بين «المثلث الأستاني ودمشق» إلى اتباع تكتيك جديد ضمن إستراتيجيتها الرامية بالبقاء في الشمال السوري، وأرسلت وفدين بتوقيت واحد لزيارة غير معلنة إلى مناطق سيطرة ميليشيات «قسد» يترأس الأول قائد القيادة المركزية الأميركية لعمليات المنطقة الوسطى جوزيف فوتيل بصحبة المبعوث الأميركي لدى التحالف الدولي بريت ماكغورك، ووفد آخر مشترك يضم ممثلين عن الدفاع والخارجية يتقدمهم مساعد وزير الخارجية الأميركي جوناثان كوهين لأنقرة، بهدف إقامة منطقة أمنية على طول الحدود المشتركة بين تركيا وميليشيات «قسد»، بمعنى آخر إقامة منطقة خفض توتر في غربي وشرقي الفرات، رفضتها موسكو سابقاً، بعيدة عن أستانا وباتفاق أميركي تركي كردي، الأمر الذي يحرج طهران وموسكو ويخرجهما من الجغرافية المتفق عليها وبذات الوقت يكرس الوجود الأجنبي الخارجي في الشمال السوري، ويوتر الأجواء بين أنقرة وطهران وموسكو ويعقد المشهد السياسي أو يفرض عليه الرؤية والأجندة الأميركية ويكرسها أمراً واقعاً.
الواضح من ضبابية المشهد في المواقف والسلوكيات التي ظهرت خلال الآونة الأخيرة، أن هناك مصلحة سورية إيرانية روسية تركية في مواجهة المخطط الأميركي الذي يريد إقامة دولة كردية في الشمال السوري، وهناك مصلحة سورية إيرانية روسية بتوتير الأجواء والعلاقات بين الحليفين الأطلسيين التركي والأميركي، وهناك مصلحة سورية إيرانية في إفشال الإستراتيجية الأميركية القائمة على نشر الفوضى في المنطقة بعد سقوط فزاعة داعش خدمة للكيان الصهيوني، وهناك مصلحة سورية في إضعاف خصمين لدودين، الأول تركيا وميليشياتها المسلحة، والثاني الميليشيات الكردية التي فضلت المظلة الأميركية وتراهن عليها لتحقيق انفصالها على العرض السوري بإقامة لامركزية إدارية، فضلاً عن استغلال الظروف في استمرار الزحف العسكري لاستعادة إدلب والتخلص من جبهة النصرة الإرهابية بعد إنجاز المرحلة الأولى المتمثلة بتحرير مطار أبو الظهور.
ويبقى السؤال هل تتنبه تركيا من نقل المعركة إلى أراضيها عبر دعم أميركي؟ وهل تصحح معركة عفرين ما خربه أردوغان عبر سنوات؟
 


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018