رؤوسنا في رأس السنة.. بقلم: نبيه البرجي

بحثاً عن رؤوسنا في رأس السنة...
عادة، تدخل السنة بالكعب العالي، وتخرج حافية القدمين أو على العكاز. عندنا تدخل، وتخرج، وهي ترتدي الدم، تتقيأ الدم. العرب، من زمان قطعوا رأس الزمن. ناعوم تشومسكي رأى أن الشرق الأوسط الجديد، مثل القديم، مقبرة.
كل عربي هو نسخة كاريكاتورية عن هولاكو الذي غزا بغداد منذ ثمانية قرون، وعن تيمورلنك الذي غزا دمشق منذ ستة قرون. الغازيان المغوليان دمرا قطعة من الحياة. نحن، وباسم النصوص المقدسة، وباسم «العلاقات الأخوية»، دمرنا كل الحياة.
تلك الغرنيكا العربية المريعة. الايرانيون يتحدثون، ويقيمون المهرجانات، حول «الوحدة الاسلامية». على من تضحكون أيها السادة. أين هو المسلم الذي يكتفي بأن يحفر حفرة، بل يحفر قبراً، لأخيه. قناعتنا أن العالم الاسلامي مصطلح فولكلوري مركب. متى تأويل (أوتقويل) النص الديني جمع المسلمين ولم يفرقهم أيدي سبأ؟
المقاربة الدينية مقاربة قبلية. المقاربة السياسية مقاربة قبلية. المقاربة الاستراتيجية مقاربة قبلية. من يقنع غالبية رجال الدين بأن الله، اله كل الأمكنة واله كل الأزمنة، ليس شيخ قبيلة؟ أكثر من مرة قلنا ان توماس هوبز حين قال «الانسان ذئب الانسان» فاته القول انه كان يعني «العربي ذئب العربي».
هكذا يستعين عمر حسن البشير برجب طيب أردوغان ضد مصر. وهكذا تنضوي مصر، بكل عظمتها، وبكل تراثها، تحت عباءة خادم الحرمين الشريفين لابادة البؤساء في اليمن. هل ثمة من جريمة أكثر فظاعة مما يحدث في هذا البلد الذي يمنع من دخول الحياة كي لا يزعزع العروش. «الحرمين الشريفين» هنا البيت الأبيض وهيكل سليمان.
وهكذا تتدفق الدبابات التركية على قطر كي تقطع الطريق على الدبابات السعودية. في حين أن أردوغان الذي يرقص على خيوط العنكبوت يلتقي مع البلاط السعودي حول سوريا.
بانوراما سريالية، ليبيا أدغال. من يعرف من ضد من؟ الحدود بين الجزائر والمغرب مقفلة الى الأبد. تنظيم «داعش» الذي أخفق في البقاء في المشرق بعدما أدى دوره على أفضل وجه في تسليم ما تبقى من المنطقة الى دونالد ترامب، قرر الانتقال الى المغرب. تغريبة بني هلال؟ لا، تغريبة المغول.
البشير يتواطأ مع اثيوبيا حول النيل، ويتهم مصر بوضع اليد على أراضيه. اعلان مبوب في الصحف. من يعثر على جثة أحمد أبو الغيط، يرجى تسليمها الى أقرب مركز للشرطة. لاحظتم لغته الببغائية حين ينطق باسم البلاط. اين أنت يا رجل في النزاع المصري ـ السوداني؟
لا داعي لكي يبعثرنا الأميركيون. نحن نضطلع بالمهمة على أفضل وجه. ذات يوم، وصفنا جامعة الدول العربية بملهى الباريزيانا. الآن نعتذر من راقصات الدرجة الثالثة، وحتى من راقصات الدرجة الثالثة عشرة.
هل من حائط في هذا الكوكب لا يذرف الدموع من أجل أطفال اليمن، الرجال الباكين في اليمن، النساء اللواتي فرض عليهن شيوخ القبائل البقاء وراء الزمن، وراء البرقع. حقاً، كيف تنتحب اليمنية على أطفالها؟
الذريعة أن الحوثيين، تلك الحفنة الصغيرة، يتخذون من المدنيين دروعاً. هل المسلحون موجودون في الأسواق، وفي حفلات الزفاف, وفي المستشفيات، أم أنهم في الجبهات على طول البلاد وعرضها؟
الريح في منطقتنا لا تحمل الغبار بل الدم. حتى الآن تحاول الرياض تسويق تلك المعارصة السورية التي يصفها حتى أحد أعضائها بـ «سندويتشات الفلافل». من يقول لهؤلاء ان دمشق لا يمكن أن تتحمل ثقافة القرون الوسطى، وعباءات القرون الوسطى؟ أيها المرتزقة الأفاضل، شيء من الخجل من أجل بردى. يا واعداً وعدا..
ليس قولنا، وانما قول عراقي، يسأل ما اذا كان هولاكو خلع حذاءه «حين قرر الاقامة في رؤوسنا «. بلاد الرافدين قصاصات بشرية. كل قصاصة لها مرجعيتها. ثمة لافتات في الشوارع بأن برج بابل أعاد فتح أبوابه للعموم.
غرنيكا بابلية. عشية رأس السنة. لا ندري ما اذا كنا نحمل على أكتافنا رأس النعامة لنطمره في الرمل أم رأس الذئب لنطمره في الدم. لا زمن في ديارنا كي نحتفل برأس السنة. نحن، أيها الرفاق, رعايا وحيد القرن.
كل العالم يحتفل على ضوء الشموع. العرب وحدهم يحتفلون على ضوء المقابر (وفي المقابر). تعالوا نبحث عن لحظة خلاص وسط تلك المتاهة. السنة، وهي تتقيأ الدم، ترتدي الدم، لا تتوقف عند راس السنة. انكسارات تلو انكسارات. منذ سنوات قال عبد الوهاب البياتي «لقد كسرنا ظهر القمر». تعلمون كيف؟ «بالصراخ لمولانا».
اليوم، رجاءً لا تقرأوا هذا المقال. حاولوا أن تضيئوا الشموع. على الأقل لترميم ظهر القمر.


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018