تحليل وآراء

إسقاط خطة ترامب بالضربة القاضية.. بقلم: خالد أبو حيط

وفى رئيس الولايات المتحدة الأميركية، دونالد ترامب، بوعده الانتخابي، وأعلن القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي. ليس مهماً في هذا الإطار الدوافع وراء الإعلان، بل ما يهمّ هو كيفية مواجهته وإسقاطه.
لم يخف ترامب، في خطابه، أن خطوة الاعتراف بالقدس، ومن ضمنها الأمر ببدء نقل سفارة الولايات المتحدة إليها فوراً، تأتي في إطار خطة تسعى إدارته، وعلى وجه الخصوص مستشاره وصهره جاريد كوشنر، إلى بلورتها، وهي الخطة التي باتت تعرف في وسائل الإعلام بـ«صفقة القرن».

وفي حين يسود اعتقاد بأن الخطة المنتظرة ورقة تطرح على الطرفين لقبولها، بعد نقاش وتفاوض أو دونهما، تثبت الأحداث أن الخطة ما هي إلا سلسلة إجراءات ووقائع، تسعى الإدارة الأميركية إلى ترسيخها، وفق سلسلة اتصالات سرية ومباشرة، بهدف ضمان عدم الاعتراض عليها، ولجم ردود الفعل المتوقعة. عشية إعلان قراره المتعلق بالقدس، أجرى ترامب شخصياً سلسلة اتصالات بزعماء في المنطقة ليبلغهم فيها القرار الذي هو بصدد إعلانه. ويمكن الاستنتاج بأن الاتصالات لم تكن بهدف التشاور، وإنما أشبه بتبليغ «أمر اليوم»، المعمول به في القوات العسكرية.
ومهما يكن من أمر، يدرك فريق ترامب أن الإدارات السابقة اصطدمت بعقبتين أفشلتا كل المحاولات للتوصل إلى تسوية نهائية، هما: القدس واللاجئون. ولئن كان الفريق الفلسطيني المفاوض، ومن ورائه المبادرة العربية، قد أبدى مراراً وتكراراً استعداده لتقديم تنازلات كبيرة في موضوع اللاجئين، فإن الأمر لم يكن بهذا الوضوح في ما يتعلق بمسألة القدس، رغم وجود مؤشرات على مثل ذلك الاستعداد أيضاً. فالقدس تكتنز رمزية مكثفة، دينية ووطنية وتاريخية وحضارية. ولئن استطاع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إعلان أنه لا يودّ العودة إلى صفد، فإنه لم يعلن لو لمرة أنه ليس على استعداد للصلاة في المسجد الأقصى، رغم أنه لم يفعل ذلك عملياً.

قرر ترامب إحداث الصدمة، وتحطيم قدسية القدس دفعة واحدة، في ما يشبه إعلان حرب شاملة ضد الأمة العربية والإسلامية في تاريخها وحضارتها ومقدساتها. وهو يبدو في ذلك تماماً مثلما يظهر في مقاطع الفيديو في حلبات المصارعة. ليس صحيحاً أن إدارة ترامب لم تقدّر العواقب المحتملة جراء الإعلان، والدليل على ذلك طلب الخارجية الأميركية تشديد الإجراءات الأمنية حول جميع سفاراتها في العالم، والتعميم على حاملي الجنسية الأميركية تجنب الدخول إلى الضفة المحتلة والقدس.
أغلب الظن أن الإدارة قدّرت أن ردود الفعل ستأخذ شكل تظاهرات غاضبة، مصحوبة ببعض أعمال «الشغب»، هنا أو هناك، مضافاً إليها احتمال تعرض بعض السفارات أو الأشخاص لعمليات انتقامية. ويمكن الاستدلال من بعض التصريحات، الأميركية والعربية، بأن التقدير المعمول به هو أن موجة الغضب ستأخذ مداها، ثم ستنحسر خلال شهر واحد. وزراء خارجية الدول العربية قرروا، في اجتماعهم الأخير، تأجيل اتخاذ موقف ــ معدوم أصلاً ــ إزاء قرار ترامب لمدة شهر، وهي المدة التي لها دلالتها في هذا السياق. بعد انتهاء المدة، يسود اعتقاد بأن الاهتمام الشعبي سيتراجع، وسيعتاد الناس القرار، وسيملّون من النزول إلى الشارع وترداد الشعارات نفسها، ثم يستسلمون للأمر الواقع. هذا هو التقدير الاستخباري، ولا سيما إذا نجحت الأنظمة العربية المعنية والسلطة الفلسطينية في ضبط سلوكها وسلوك الشارع. وبالمناسبة، هناك آلية في علم النفس تحدد مراحل الحزن الخمس الناتجة من الصدمة، وهي: رفض تقبل الواقع (الإنكار)، الغضب، المساومة، الاكتئاب ثم التقبّل. وهو النموذج التقليدي المعروف باسم «نموذج كيوبلر روس».
ليس في الأفق ما يوحي بأن طرفاً ما سيعلن الحرب ضد الكيان الإسرائيلي أو الولايات المتحدة، ولا حتى بقطع العلاقات معها، رغم وجود مطالب من هذا القبيل. والإدارة الأميركية تدرك ذلك جيداً.
أما في فلسطين المحتلة، حيث لم تمض سوى بضعة أشهر على الانتصار الذي حققه أهل القدس لكسر قرار الحكومة الإسرائيلية بتركيب بوابات إلكترونية، فالتقدير الأمني يتراوح بين اندلاع انتفاضة جديدة، في أقصى الحالات، وهبّات غضب جماهيرية، في أدناها. وفي كلتا الحالتين، تبدو الحكومة الإسرائيلية مستعدة للمواجهة، إذ إن الثمن بالنسبة إليها مغرٍ جداً: تكريس القدس عاصمة للكيان. وما لم تتطور الأمور إلى ما هو أبعد من الانتفاضة، فإن الحكومة الإسرائيلية تقدم نفسها للعالم بأنها تمتلك خبرة طويلة في قمع الانتفاضات وإفشالها، وقد تعاطت من قبل مع انتفاضات طويلة ومرهقة، ولا سيما انتفاضتي الأقصى والقدس، وأجهضتهما دون الاضطرار إلى تقديم ثمن سياسي كبير. وهذا التقدير الشوفاني هو الذي ستنقله الحكومة الإسرائيلية إلى الإدارة الأميركية لطمأنتها الى أن كل شيء تحت السيطرة، وأنه لا داعي لإبداء أي إشارة تدل على إمكانية التراجع عن القرار. وأغلب الظن أن القوات الإسرائيلية ستحرص على تجنب إيقاع عدد كبير من الإصابات القاتلة، في الأيام الأولى على الأقل، كي لا يشكل ذلك استفزازاً يزيد من إصرار المتظاهرين وغضبهم، وتالياً زيادة أيام الغضب، مع تشييع كل شهيد.
أما بخصوص السلطة الفلسطينية، فهي ليست في وضع يمكنها أصلاً من اتخاذ أي موقف من قرار ترامب، على فرض أنها تودّ ذلك، بل لم يصدر عنها ــ حتى الآن على الأقل ــ ما يفيد بأنها بصدد الانسحاب مما هو أقل من التسوية، أي التنسيق الأمني.
وفي جبهة غزة، يظهر العدو الإسرائيلي نفسه أكثر ارتياحاً؛ هو يدرك أن الذهاب إلى حرب مفتوحة في هذه المرحلة من شأنه حرف الأنظار عن القدس، وهو ما لا يرغب فيه أي طرف فلسطيني؛ كما أن الرهان على استكمال المصالحة بين حركتي «فتح» و«حماس»، والآمال التي يعلقها كل طرف عليها، تكبح أي دعوة نحو التصعيد.
بانتظار ما ستؤول إليه الأمور، لم يوفر العدو الصهيوني فرصة لالتقاط اللحظة، وبدأ بالتواصل مع عدد من الدول الأفريقية واللاتينية ومع الاتحاد الأوروبي لإقناع أكبر عدد ممكن من الدول بالانضمام إلى القرار الأميركي. وإذا ما سارت الأمور وفق التقدير الأميركي ــ الإسرائيلي، فمن المحتمل جداً أن تعلن دول أخرى الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان.
هل يعني ذلك أن ترامب انتصر في معركته؟ يبدو الرهان معقوداً حالياً على استدامة التظاهرات في الشارع أكبر وقت ممكن؛ وهذا الرهان يحتاج إلى وقود دائم ومستمر، كي لا يخبو. عادة، كانت العمليات الاستشهادية، أو المجازر الوحشية التي يرتكبها العدو، توفران المحفز المطلوب. لكن، ماذا لو يحدث أي منهما؟
عوداً على بدء، خطة ترامب تقضي بتصفية القضية الفلسطينية عبر تفجير مسيطر عليه للّغمين الكبيرين اللذين أحبطا كل مساعي تصفيتها سابقاً. حرص ترامب في خطابه على تجنب ذكر «فلسطين»، أو «دولة فلسطين»، أو «السلطة الفلسطينية»، أو حتى «الطرف الفلسطيني»... أصر على استخدام المفردة نفسها مراراً وتكراراً: «الفلسطينيين»، حتى حديثه عن إمكانية إعادة المفاوضات، أو التوصل إلى اتفاق حول حدود القدس ووضعها النهائي، فقد رهنه بموافقة الجانبين.
هذا الأمر يعني أن تفكير ترامب ــ وكاتب خطابات البيت الأبيض ــ لا ينصب على الدولة الفلسطينية، وإنما على إيجاد حل لمشكلة «الفلسطينيين». هذا يعني أيضاً أن الخطوة التالية، ما لو لم يتم إجهاض قرار ترامب، هي التعامل مع قرار مماثل يتعلق باللاجئين.
أكبر المتضررين من خطة ترامب، إضافة إلى الشعب الفلسطيني وقضيته، دولتان: الأردن ولبنان. فالحكم الهاشمي في الأردن يستمد قدراً كبيراً من شرعيته جراء الوصاية المعترف له بها على الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس الشريف، وفي مقدمتها الحرم القدسي. يمكن القول إن إعلان ترامب سحب هذه الورقة من يد الأردن، وبات الحكم الهاشمي مكشوفاً تماماً، وهذا وضع خطير يضع الحكم الأردني في حالة انعدام استقرار داخلي، وخطر فقدان شرعيته أمام العشائر الأردنية التي تدين له بالولاء، مقابل حماية المقدسات، ووصايته عليها.
لبنان، بدوره، يخشى مخاطر التوطين التي تهدد الاستقرار الديموغرافي والتوازن السياسي الطائفي في البلد، الذي يعاني أصلاً من أزمات في هذا المجال. وإذا مضى ترامب في قراره، وانتقل إلى قرار آخر يتعلق باللاجئين، فإن ثمة خطراً حقيقياً من انفجار الأوضاع في هذين البلدين.
الردّ على خطة ترامب يكمن في توظيف هذه النقطة بالذات، لإجهاض قراره حول القدس، ومشروعه بتصفية القضية الفلسطينية وقضية اللاجئين.
الطرح المطلوب ببساطة هو أن يعلن الأردن ولبنان، كل من موقعه، فتح المجال أمام اللاجئين الفلسطينيين على أراضيهما للتوجه نحو وطنهم فلسطين عبر الحدود معها. يملك كلا البلدين غطاء سياسياً وشرعية قانونية لفعل ذلك؛ فترامب الذي تنكر لكل القوانين الدولية حول وضع القدس، والذي نسف كل عملية التسوية، وأراد فرض واقع جديد، على الأرض، ويهدد بتفجير استقرار الأردن ولبنان، لا يمكن الردّ عليه بما هو أقل من ذلك. والخطوة المطلوبة هي استباق ما يمكن أن يعلنه ترامب لاحقاً بخصوص القضية الفلسطينية؛ ومن حق البلدين، بل من واجبهما، اتخاذ الاحتياطات كافة، التي تحمي استقرارهما الداخلي.
من جهة ثانية، يمكن لكلا الطرفين المحاججة، قانوناً، بالقرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي ينص على ضرورة السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وبلداتهم ذاتها التي أخرجوا منها. وفي الحالة اللبنانية، يجب الطلب من قوات الأمم المتحدة الموجودة على الحدود مع فلسطين المحتلة تولي مهمة تنفيذ القرارات الدولية، ومن مهمتها تأمين عودة اللاجئين.
نظرياً، من المفترض بكلا الحكومتين اللبنانية والأردنية، الموافقة على مثل هذا الاقتراح لما فيه مصلحة مباشرة لكليهما، إضافة إلى أنه ينسجم تمام الانسجام مع سياساتهما المعلنة. أما إذا تم رفضه، فثمة واقع جديد سينشأ عندها؛ وفي كلتا الحالتين ثمة مصلحة فلسطينية أكيدة في ذلك.
المطلوب من القوى الفلسطينية كافة طرح هذا التوجه والدفع نحو تبنيه، ما من شأنه أن يغير قواعد الاشتباك مع العدو الصهيوني، من دون تقديم أي تنازل سياسي أو معنوي مادي للعدو من أي طرف فلسطيني؛ المسألة ببساطة هي أن اللاجئين والدول المضيفة قرروا تسهيل عودة اللاجئين إلى أرضهم. وعودة اللاجئين إلى أرضهم على نحو جماعي أو فردي من دون اتفاق سياسي ليس تنازلاً، بل هو انتصار.
القرار الذي اتخذه ترامب هو إعلان حرب، ولا يمكن الرد عليه دون تحديد هدف واضح ومحدد وقابل للتحقيق، بأقل وأبسط جهد ممكن. فإذا لم تكن ثمة إمكانية لحرب تحرير شاملة، ولا لخوض مواجهات مستمرة، وفي ظل حقيقة أن التظاهرات تحتاج إلى وقود لاستمرارها، فلتكن إذاً مسألة اللاجئين هي الوقود المطلوب.
من يدركْ تعقيدات القضية الفلسطينية، يدرك أن العدو لن يتحمل مطلقاً مجرد طرح إمكانية عودة لاجئ فلسطيني واحد. ومعركة اللاجئين معركة حقيقية مثلها في ذلك مثل معركة تحرير فلسطين أو معركة كسر قرار ترامب، لا تقلّ عن إحداهما واقعية... ويكفي أنها ستجعل العدو الإسرائيلي يعيش مأزقاً خارجياً ويفاقم تآكل صورته، وخاصة ما لو فقد ضبط أعصابه وأطلق النار على جموع اللاجئين الزاحفين ــ سلمياً ــ للعودة إلى أرضهم. بل إن مجرد وجود خيم على الجانب الآخر من الحدود، يمثل كابوساً للعدو الإسرائيلي لا يمكنه تحمل صداعه طويلاً.
المعارك السياسية تدار وفق قواعد، منها السعي لعكس اندفاعة الخصم، وإفقاده المبادرة بمبادرة مضادة، وهو ما يوفره طرح موضوع اللاجئين بالصورة التي سبق تقديمها، لا للمساومة، ولا للابتزاز، بل لحسم معركة تصفية قضية فلسطين كلها.
وعلى ترامب تدور الدوائر!
* كاتب فلسطيني
 


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018