تحليل وآراء

إستراتيجية طهران لمواجهة ترامب مطعمة بحوار مع السعوديين

أنس وهيب الكردي
عرض الرئيس الإيراني حسن روحاني مبادرة حوار على السعوديين تقوم على وقف قصف التحالف العربي على اليمن، وفك عرا التحالف الناشئ بين الرياض وتل أبيب برعاية أميركية، لكنه يدرك أن هذه الشروط لن تلاقي أي استجابة سعودية.
جاء العرض الإيراني بعد أن ارتدت خطط السعوديين للانقضاض على الإيرانيين عبر كماشة من شعبتين الأولى لبنان والثانية اليمن.
في الأولى عمل السعوديون على سحب غطاء الشرعية المتمثل بحكومة سعد الحريري، عن حزب الله، ضمن مسعى الرياض لمحاصرة الحزب في عقر داره لعله يراجع حساباته ويتوقف عن ممارسة أنشطته المناوئة للمصالح السعودية، إلا أن استقالة الحريري استجابةً للضغط السعودي، لم تفلح في تحقيق أي مكسب فعلي للسياسة السعودية، بل إن الرياض منيت بهزيمة أمام منافستها إيران وحزب الله، وتعرضت علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية بالأخص ألمانيا، بريطانيا وفرنسا إلى هزة عنيفة.
أما في اليمن فما بدأ كخطوة لمصلحة السعودية، أي إعلان الرئيس اليمني السابق علي عبد اللـه صالح فك تحالفه مع جماعة «أنصار الله» وإطلاقه عملية لطردهم من العاصمة اليمنية صنعاء تحول إلى معضلة للرياض بعد مقتل صالح وهزيمة الموالين له، من شأنها أن تطيل أمد الحرب اليمنية.
وجهت هاتان الحادثتان لطمتين للرياض وأضعفتا مواقعها عبر المنطقة وموقفها الإقليمي، الذي تدهور كثيراً على مدار العقدين الماضيين، كما أن هاتين الحادثتين ضاعفتا شكوك المسؤولين في عواصم الدول الغربية بـ«حصافة» ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، و«قدرته على التفكير بعواقب خطواته الإقليمية».
أسوأ ما في الأمر بالنسبة للسعودية، التي تقدمت الصفوف في الإعراب عن تأييدها لإستراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعادية لإيران، أن خطوتيها في اليمن ولبنان هددتا الاستعدادات الأميركية لتنفيذ هذه الإستراتيجية في حين لا تزال هي في المهد.
وتضمنت إستراتيجية إدارة ترامب، زعزعة النفوذ الإيراني في العراق عبر تقوية رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي وتمكينه من الفوز بالانتخابات البرلمانية المقبلة في مواجهة القوى المتحالفة مع طهران، وإحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين تسمح بالتدشين العلني لتنسيق سعودي إسرائيلي في مواجهة الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، أما الاحتفاظ بشرق سورية كرهينة تضمن حسن انخراط الحكومة السورية في عملية جنيف، وأخيراً، اتخاذ خطوات لتحديد قدرات حزب اللـه وحركة «أنصار الله».
وفي المقابل، تمكنت إيران خلال الفترة الماضية، من تحقيق مكاسب ضاعفت من قدرتها على المناورة الإقليمية، فالشرخ بين الحريري والرياض صب في مصلحة القوى اللبنانية الملتفة حول حزب الله، أما نهاية صالح فقد عززت قبضة «أنصار الله» على صنعاء وشمال اليمن، وزادت قدرة الحركة على إطلاق هجوم لكسر جمود الجبهات مع القوى المتحالفة مع الرياض، قد لا يكون موعده بعيداً.
وبالترافق مع تمكن الجيش السوري وحلفائه من الربط بين سورية والعراق عبر مدينة البوكمال، تستعد المجموعات المنضوية تحت لواء «الحشد الشعبي» العراقي والقريبة من طهران، لخوض رحى الانتخابات البرلمانية المقبلة في الربيع المقبل، وأبعد من اليمن، أحدث ما جرى في صنعاء ارتدادات في أرجاء المنطقة، وقد لا يكون أكثر من إشارة لواشنطن لما قد تشهده بلاد الرافدين، إن مضت الولايات المتحدة وحليفتها في السعودية، بعيداً في جهودهما الرامية إلى تغيير التوازنات السياسية والعسكرية القائمة هناك.
ومع اطمئنان طهران إلى وضع الحكومة اللبنانية بعد تراجع الحريري عن استقالته، التفت إلى الرد على التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية على الجيش السوري وحزب الله، وذلك عبر جهود متعددة الاتجاهات مع الجيش السوري وحزب اللـه في محيط دمشق وجنوب سورية، وضمن هذه الرد الإيراني على ما يبدو ظهر زعيم «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي في جنوب لبنان على الحدود مع فلسطين المحتلة.
بهذا استكملت طهران صوغ إستراتيجيتها للرد على إستراتيجية إدارة ترامب التي تشكل السعودية رأس حربتها، وطعمتها بطرح مبادرة حوار على الرياض، لكن الإيرانيين ليسوا غافلين عن تعلق السعوديين بترامب، وأنهم لن يلتفتوا للعروض الإيرانية، معولين على عام 2018 ليكون عام تقليص النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
 


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018