تحليل وآراء

المنطقة وسياسة الأحلاف الغربية المتهاوية .. بقلم: تحسين الحلبي

في الخمسينيات والستينيات تزايد الصراع بين كتلة الدول الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي، وكتلة الدول الغربية الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة، فقرر معسكر الولايات المتحدة إنشاء أحلاف إقليمية في مناطق كثيرة في آسيا وفي الشرق الأوسط بحجة محاربة انتشار الشيوعية ومنع توسيع علاقاتها مع هذه الدول الصغيرة حديثة الاستقلال، وبدأت آلة الإعلام الغربية السياسية تتهم كل دولة مناهضة للاستعمار الغربي في ذلك الوقت بأنها دولة تدعم الشيوعية.
أنشأت بريطانيا والولايات المتحدة في عام 1955 «حلف بغداد» لمنطقة الشرق الأوسط بحجة محاربة الشيوعية وضمت إليه دولاً إسلامية هي إيران وتركيا وباكستان، وأخرى عربية هي العراق الملكية، وجعلت عاصمتها بغداد مقرا وقاعدة له بهدف إضافة دول عربية أخرى إليه.
بدأ هذا الحلف يستهدف مصر عبد الناصر وسورية، الدولتين اللتين كانتا تناهضان الاستعمار وتدعمان حركات التحرر العربية في الجزائر واليمن والمغرب العربي لمقاومة الاستعمار، وتصدت حركة التحرر العربية بقيادة عبد الناصر وسورية وحلفائهما لهذا الحلف الاستعماري، فقامت ثورة عام 1958 في العراق وأعلنت انسحابها منه بعد عام، إلى أن أجهزت عليه ثورة الخميني في إيران عام 1979 فأجبرت بريطانيا على حله بعد هزيمته.
يبدو أن هذه القوى الاستعمارية الكبرى، تعلمت من هزائمها في سياسة الأحلاف الغربية فقررت في هذه الأوقات إنشاء الأحلاف التي تخدم مصالحها بطريقة لا تظهر فيها بصفة القائد، بل تعين دولة تابعة لها لقيادة هذا الحلف على حين تشرف هي على كل ما سوف يقوم به من مهام، وهي التي تختار له مسوغ تأسيسه على غرار ما كانت تفعله في الماضي وهكذا ولد تحالف الدول الإسلامية لمحاربة الإرهاب قبل أيام في الرياض، واستثنى من عضويته أهم الدول التي كانت وما زالت تتصدى لكل أشكال الإرهاب الصهيوني والتكفيري وهي: سورية والعراق وإيران، وهذا ما يدل تماما على أن الولايات المتحدة أصدرته حلفا غربيا يخدم مصالحها بقيادة عربية إسلامية لمجابهة الدول التي حاربت الإرهاب بكل معنى الكلمة والتي لم يستهدف الإرهاب منذ ظهوره بالشكل التكفيري سواها إضافة إلى مصر ولبنان.
هذا الحلف قاعدته الرياض التي أكدت التقارير الأميركية والغربية قبل العربية والإسلامية، أنها العاصمة التي قامت بتمويل وتسليح جميع المجموعات الإسلامية في العالم، لشن العمليات الإرهابية حتى في الولايات المتحدة نفسها وخصوصاً تفجيرات 11 أيلول عام 2001 التي وظفها الرئيس جورج دبليو بوش للسيطرة على المنطقة باسم محاربة الإرهاب والتي ما زالت الإدارات الأميركية المتعاقبة تعدها المرتكز الأساسي في إستراتيجية الهيمنة على المنطقة والعالم كله.
لم يكن من المصادفة أن يكون قرار معظم دول الجامعة العربية بوصف حزب اللـه بالإرهاب قد سبق الإعلان عن هذا الحلف الإسلامي الجديد، فالخطة الأميركية المعدة لقيادة هذا الحلف أرادت أن توجه هذا الحلف نحو محاربة كل سلاح قاوم ويقاوم الإرهاب بشكليه الصهيوني والتكفيري بدءاً بحزب اللـه ومعه المقاومة الفلسطينية وكل قوة ومنظمة تقوم بالتصدي لداعش وأمثاله وللاحتلال الصهيوني.
الكل يرى منذ ظهور الإرهاب التكفيري أن جميع المنظمات والمجموعات التي تفسر الإسلام على هواها وتؤسس مجموعات مسلحة، لم تحارب إسرائيل البتة ولم تضع حتى في شعاراتها إلا الحرب المذهبية والطائفية على كل المسلمين، وكذلك الحرب الدينية على المسيحيين، وهي التي شنت عملياتها الإرهابية على حزب اللـه وفصائل المقاومة الفلسطينية في سورية ولبنان، وهما الساحتان الرئيستان لمسرح إرهابها إضافة إلى العراق ومصر.
مع ذلك، هل يستطيع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان استخدام هذا التحالف الذي يضم 34 دولة تقريبا، لتعديل هزيمته في اليمن؟ وهو الذي أنشأ تحالفا من عشر دول منذ عام 2015 لشن هذه الحرب!
لم يثن على اجتماع الرياض قبل يومين، سوى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإسرائيل، ثم ألم يطلب ترامب من دول الأطلسي أن تزيد من ميزانياتها العسكرية وتخفض اعتمادها على الدور العسكري الأميركي المباشر في أوروبا؟ يبدو أنه نجح في السعودية حين وكلها أن تنفق من أموال النفط على كل الحروب الأميركية في المنطقة بعد أن سلب الشعب السعودي 500 مليار دولار من دون مقابل وهو في النهاية يحصل على ما يريد لحماية إسرائيل وتوسيع هيمنتها. ومثلما هزمت المنطقة حلف بغداد من قبل، ستهزم القوى العربية والإسلامية المناهضة للهيمنة الأميركية كل حلف يستهدف هذه المنطقة مهما كان شكله.
الوطن


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018