يلجؤون إليها.. المبررات الكاذبة.. تهرّب من المسؤوليات.. وابتعاد عن الحقيقة.. وقبول اجتماعي بالواقع

ترتسم على وجه هدى ابتسامة خفيفة، تعبّر عن رضاها بعد ساعة من التبريرات المتواصلة التي يحاول زوجها كل حين تقديمها عند تأخره عن المنزل، وهي على يقين تام بأن جميع الحجج التي قدمها عبارة عن أكاذيب بيضاء، وربما سوداء يخفي خلفها الحقيقة والتي لربما كانت أكثر بساطة لو عبّر عنها بكل صراحة، لكن كما يقال الكذب ملح الرجال الذي يستلذون به كل يوم، في حين لا يمكن تبرير الكذب للمرأة تحت أي ذريعة كانت، فيقال: إن المرأة تكذب لإخفاء جوانب من شخصيتها، ومهما تعددت الأسباب، وتلون الكذب ليلبس اللون الأبيض، فهو في النهاية آفة اجتماعية مؤذية لكلا الطرفين، فليس للكذب جنس، ولكن يبقى السؤال هنا أيهما يكذب أكثر الرجل أم المرأة؟.

الرجال أولاً

أجمعت الدراسات على أن الرجال أكثر قدرة على تلفيق الأكاذيب على زوجاتهم، ويرتبط الكذب بعمر الرجل، فمع تقدّمه بالعمر تنخفض قدرته على الكذب، حتى لو بقيت رغبته في الكذب قائمة، وقد سجلت الدراسة قدرة الرجل العالية على ممارسة الكذب في أنه من بين كل 4 رجال يكذبون هناك رجل واحد فقط لا يتقن الكذب، ومن بين كل ستة رجال تتكشف كذبة رجل واحد في النهاية، وفي المقابل بينت دراسات أخرى أنه أثناء التواصل وجهاً لوجه بين المرأة والرجل، فإن المرأة تستطيع من خلال جهازها الحسي تحديد الأكاذيب، ولو على بعد ميل، وهذا ما يفسر الصعوبة التي يجدها الرجل في الكذب على المرأة وجهاً لوجه.

جذور الكذب

وإذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية مجتمعنا الشرقي، سنجد أن مجتمعنا قمعي بعض الشيء مع الأطفال، لذلك يتعلم الصبي الكذب ليبدو مميزاً، وليتفادى موقفاً يجعله يبدو ضعيفاً، فيربى الرجل على أنه البطل الذي يجب ألّا يسقط، فيتعلم الكذب خشية السقوط، ومن هنا جاءت مقولة الكذب ملح الرجال، أما الكذب الذي يصدر من الطفل ليس واحداً، وله تصنيفات عدة، ويمتاز أطفالنا بطرقهم الخاصة في معالجة مشاكلهم وردود أفعالهم، ويلجؤون، ويجربون كل الطرق المكشوفة وغير المكشوفة للحصول على مآربهم، وللهروب من مواجهة مآزقهم، وأولى هذه الوسائل والطرق “الكذب”، وهو الذي ينشأ صدفة، ويتدرج الأطفال في استعماله، ومن أشهر تصنيفات الكذب عند الأطفال: “الكذب الخيالي، والادعائي، والالتباسي، والغرضي، والوقائي، والانتقامي، وكذب التقليد، والكذب المرضي المدمن، ودلت أغلب الدراسات التي أجريت على كذب الأطفال على أن أكثر هذه الأسباب شيوعاً: الكذب الوقائي، ويمثّل 70%، و10% كذب التباسي، و20% يعود إلى الغش والخداع والكراهية، أما الكذب عند المرأة فيتمحور بالأخص حول شخصيتها التي لا تحب الإعلان عنها، كالعمر، أو الوزن، وهي تعتبر أن عمرها متى زاد سيقلل من قيمتها، وتكذب هنا، و”تسرد” في هذه الكذبة طويلاً.

تنشئة اجتماعية

الشخص الذي يكذب يعوض عن نقص أو شعور بالعدوانية، والكذب يؤمن له شعوراً بالرضى، وبرأي الدكتورة هنادي سلام، “علم اجتماع”، أن تربية الشخص على الصدق تبدأ من أطفالنا، فمعظم الأطفال يكذبون لسبب أو لآخر مثلاً للنجاة من العقاب، خاصة العقاب البدني، كما يمكن للطفل أن يكذب ليكتسب منفعة معينة، سواء كانت عينية مثل الألعاب، أو تعاطفاً معنوياً مثل التظاهر بالمرض، ولكن في حال استمرار الطفل بالكذب دون مبرر فإن ذلك يمثّل حالة خطيرة يمكن أن تؤثر على سلوكه لاحقاً، ولمواجهة هذه الحالة يجب على الأبوين أن يعليا من قيمة الصدق والأمانة، والإصرار على ضرورة قول الحقيقة، بغض النظر عن العواقب المترتبة، وفي حال قول الصدق يجب أن تثني الأم على شجاعة الطفل بقول الصدق وعدم الكذب، وفي المقابل وجدت سلام أنه من الصعب إلصاق صفة الكذب بالمرأة دون الرجل، أو العكس، فهذا السلوك مرتبط بظروف التنشئة والتربية، خصوصاً في مرحلة الطفولة، فالكذب يختلف من شخص إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، كذلك للمستوى الاجتماعي دور في هذا المجال، وقد يؤثر على سلوكيات المرء ويحضه على الكذب، مضيفة: “إن المرأة قد تكذب فعلاً، لكن هذا الكذب هو أحد أسلحتها لرفض القهر الذي يفرضه عليها المجتمع، أو إذا وجدت أن الرجل لا يصدقها، أو لتحقيق نوع من المكاسب، والتغلب على مشاكل تواجهها، وهنا لابد من الإشارة إلى أن تفوق الرجل على المرأة في الكذب يحدث كثيراً في العلاقات الزوجية، ومن المؤكد أن الرجل يساهم بشكل غير مباشر أيضاً في لجوء المرأة للكذب للحفاظ على حياتها الزوجية، ومع ذلك لا يمكننا القول في النهاية سوى أن الكذب هو ظاهرة سيئة، وسلوك إنساني قديم مارسه الإنسان في مختلف العصور، سواء كان رجلاً أو امرأة، وهو سلوك يتنافى مع القيم الدينية وعاداتنا العربية التي تربينا عليها!.


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018