فلسفة الطواف

حول كعبة تم اختيار اللون الأسود لها لماذا؟ والسعي ظهر في ذاك الزمن الموغل في القدم؛ أي قبل تقدم أبرام السومري موحد الآلهة، وإنجازه لنظام التوحيد الإلهي؛ أي إنها وجدت ضمن ثقافة البراهماتيين المؤمنين بالإله البراهما، هناك ولدت فكرة الطواف الأولى، وكانت دائرية تماماً، كما هو حال حج المسلمين الآن، ومازالت تتشابه الطقوس في جوهرها مع اختلافات بسيطة في مظهرها، نستعرض فكرتها بالحب العميق والإيمان المطلق بضرورة وصول الإنسان إلى مرحلة النقاء، ولو لمرة في عمره المعيش، تأملوا معي وتفكروا، فالغاية التي ننشدها في فهم الإيمان بحقائق الحياة تحتاج إلى وصوله للتصالح بعد النقاء، لذلك كانت فكرة الطواف دائرية، وعكس عقارب الساعة من فكرة دوران الكون حول بعضه، وهدفها استذكار الخطايا، وإجراء محاسبة للذات عما اقترفته منذ حضور الوعي والذاكرة التسجيلية وصولاً إلى سنِّ التكليف ضمن حالة دفع عكسية احتكاكية، تنشئ طاقة نتاجها، تغسل الروح بعد حضور الوعي حول ما فعله روحياً، فالطواف للروح غايته العودة إلى الوراء، فإن حصل واستذكر الخطايا، وقام بعملية العهد والميثاق بإصلاح ما ارتكبه فكرياً، عاد كما ولدته أمه، وكذلك السعي فهو للمادة؛ أي لما بناه الإنسان، وما جمعه من مال وتكوين، وأيضاً يكون بعكس عقارب الزمن، والغاية أيضاً استذكار ما جنته يداه من صح وخطأ، فإذا استطاع الوصول إلى معرفة كم الخطيئة وما اقتناه وجناه، وعاد لإصلاح ذلك، عاد كما ولدته أمه نقياً صافياً، حيث غاية الحج الأولى والأخيرة هي استذكار الخطيئة وإجراء العهد والميثاق بعدم ارتكابها مرة ثانية ومحاولة إصلاح ما فات، وهذا من المفترض أن يحدث حين الالتقاء على جبل التعارف، حيث الناس كافة لا فرق بينهم، فإذا أنجز طوافاً روحياً صادقاً وسعياً مخلصاً، واقتنع بأن الناس متماثلون، كان إنساناً مؤمناً حقاً.
وبالعودة إلى فكرة الطواف التاريخية، وتحدثنا أن المعابد كان حولها ثلاثة أقسام؛ ثلث بكامل أنواع الشراب من الماء والعصائر وجميع أنواع الخمور، وثلث لكل أنواع الأطعمة وكل ما يشتهيه الإنسان من نبات وحيوان طائر أو سابح أو داب، وثلث لجميع أنواع ممارسة الجنس، من الغلمان حتى النساء والحيوان، وكل ما يشتهيه جنسياً موجود، ويستطيع ممارسته بحرية، حتى إن الرسول العربي أجاز المتعة، ومنعها الخليفة عمر، لماذا هذه الفكرة التي سادت بقوة مجتمعات الشرق الروحية، وفكرتها العميقة فكرة منطقية، فبعد الطواف على هذه الأجزاء الثلاثة، كان الدخول إلى جوهر المعبد، وهو مظلم جداً، حيث في داخله يجب أن يرى الإنسان النور المسكون في جوهره، ويستمع إلى الصوت الذي يناديه، فلا يمكن للإنسان أن يدخل إلى حالة الصفاء، وهو في حالة جوع للجنس أو الطعام أو الشراب الذي يسيطر على فكره، وعليه كان يجب أن يشبع المادي أولاً، ثم يتجه إلى اللامادي، وهذه الفلسفة تنطبق تماماً على الصلاة، الصلة بين المظهر والجوهر، فإذا اتحدا، اتحدا بجوهر الكون المطلق، وهنا لا أريد إلا أن أكون معكم، أسألكم  كم من المصلين استطاع الوصول إلى هذه الصلة، وكم من حاج قدر على فعل ذلك، وفهم هذه الفلسفة، لقد كان الطواف قبل الإسلام يؤديه الإنسان عارياً، وحادثة الإلهين الصنمين إيساف ونايلة، اللذين مارسا الجنس على جدار الكعبة، وتشنجا لحظة أن تجمع عليهما الحجيج، حتى وصفا بالتحجر واستمرار تعبد الناس لهما مع اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى، إلى أن ظهر الإسلام ورمزاهما موجودان حتى اللحظة على صخرتي الصفا والمروة، حيث يتشابهان مع أساطير الحبِّ التاريخية، المهم لدينا فهم هذه الفلسفة وإدراك المعاني الإنسانية الراقية التي أسست عليها مبادئ فهم الحياة التي تؤدي إلى فهم الإيمان الحقيقي بعيداً عن أي تصور، وأقصد هنا أن الإنسان يحتاج إلى القيام بهذه الفلسفة، الله لا يحتاجها، نحن من نحتاجها، والغاية إحداث طاقة الصفاء والحساب الذاتي في جوهر الإنسان، لماذا نرجم الشيطان في سبع حصوات متكررة، ولماذا هي سبع؟ وأسماؤها الحصوة الأولى الصدق، والثانية الأمانة، والثالثة الإيمان، والرابعة القوة، والخامسة الثقة بالنفس، والسادسة العهد، والسابعة الحكمة أي الفلسفة، وجميعها تسكن جوهر الإنسان، فإن الإنسان فهمها، فهم فلسفة الإيمان، فهم فلسفة رجمنا للشيطان المسكون في داخلنا، تلك الحجارة الرمزية التي نرجمها، المتجسدة في التماثيل الحجرية الأكبر والأوسط والأصغر، هذه العملية أليست عملية وثنية، تنتهي وثنيتها بفهمنا أن الشيطان والشيطنة مسكونان فينا، والغاية دائماً وأبداً إصلاح الذات الإنسانية، ولماذا سبع طوفات، ومتوسط العمر الإنساني سبعون عاماً؛ أي إن كل طوفة بعشر سنوات عمرية، وكذلك السعي سبعة أشواط، فهل وعينا ذلك، والكون أنجز روحياً بسبعة أيام، وعلمياً بملايين السنين، أي صراع بين العلم والدين، فالدين يتحدث عن الفتق والرتق وفالق الحبّ والنوى، وفاطر السموات والأرض، والعلم تحدث عن الانفجار العظيم وحادثة البنغ بانغ واكتشاف الجزيء الإله (بوزون هيغز Higgs boson) ولماذا اتجه الرسول العربي لتشييد قبلة جديدة، «فلنولينك قبلة ترضاها»، بعد أن كانت القبلة بيت المقدس، هذه العملية السياسية التي اشتركت بها الأديان بغاية إنجاز وإكمال مثلث القداسة، ألا يجب على المفسر الإسلامي أن يقدم وعياً إنسانياً جديداً، يشرح فيه فلسفة الصلاة والحج والصوم والزكاة والتكافل الاجتماعي، ونحن على أبواب حج جديد، تتناهبنا من خلاله الأزمات، وتنقض علينا الأمم من كل حدب وصوب، أين نحن من فلسفة الإيمان وديانة الإسلام، فالآية الكريمة تقول في سورة الحجرات): (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلكن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)  هل نعي ما معنى الحجرات، وأن فلسفة الإيمان تمتلك من القوى ما لا تمتلكه الأديان، لأنها جوهره، ومنه أجدني مهتماً بدعوة الناس كافة، لفهم منظومة الحج والصلاة التي تسكنها فلسفة الإيمان التي لم ندركها، ليبقى تعلقنا تعلقاً فطرياً موروثاً، من دون فهم علمي وتوارث حمله الأجداد والآباء، ونحمله الآن، ولغة آن، تدعونا بقوة لفهم كامل الموروث الديني والثقافي والحضاري، فالمعرفة والفهم والعلم كلها تدعونا لاستنباط وعي جديد نادر، غايته فهم العلاقة بين الإيمان والإسلام، وماهية الحج في الأديان، والعلاقة بين الإنسان والله، وجدلية العلم والدين في الحياة، وحاجتنا إلى فكِّ رموزها
د. نبيل طعمة

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018