فقه القرآن

كل يوم تشرق الشمس فيه، تحمل قادماً جديداً، إلا المقدس الراسخ الذي يشكل للمسلمين لؤلؤة الله الفريدة، كما هو الإنجيل الذي يعني نور العين للمسيحية، والتوراة لليهودية، والأهمية تدعونا للبحث عن المُنَزّل الراسخ بين دفتي عنواننا المكنون، بعد أن شهدنا ولأربعة عشر قرناً فقه السنة والسيرة والشرح التفسيري وأدبيات العقيدة ومثبتاتها، وفي الآونة الأخيرة ظهر علينا فقه الأزمة الذي اعتبره بعض الأئمة اجتهاداً، ولا ضير في تلك الاجتهادات، ولكن أليس الأجدى والأفضل والأقوى الاتجاه للبحث في فقه القرآن والاستناد إليه، لكونه يحمل قوة أم الكتاب ودقة الفرقان، وأنه يأخذ بنا للبحث والتقصي في قضايا طرحها بقوة الإيمان الرئيس، حيث وحده يدعو إلى التبصّر والتأمل والتفكر والتعقل وتدقيق السمع والاتجاه إلى العمل والفهم العلمي للحياة، وأن الإنسان يحمل في داخله كامل إبداعات الحياة المادية «وفي أنفسكم أفلا تبصرون». كيف بنا لا نناقش فقهه بغاية التفقه الدقيق منه، مثلاً قضايا أميّة الرسول العربي، وجاهلية ما قبل الإسلام، والاعتراف الإلهي بالتنوع والتعدد، والفصل بين الأديان، وأن الله الوحيد الذي يحاسب الجميع، وأن لا حق لأحد بمحاسبة أحد روحياً؛ أي نبذ التكفير وقضايا الحجاب، ولمن كانت في حينها، والفرق بين التحريم والاجتناب، وما معنى ملكة الأيمان وعدالة الزواج بواحدة، وأن جميع المحرم محلل، بعد أن أوجد له الاضطرار، وأن الحياة أغلى من الموت، ومن ثمَّ قدم التحليل، وقرنه بأهل الكتاب، «اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام أهل الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم»، وأن أخطر أنواع الكفر، يكون الكفر بالإيمان، والإيمان إيمان بإنسانية الإنسان والواجد والموجود والشاهد والشهود.
ألا تؤمنون معي بأن الاشتغال في فقه الكتاب المكنون سيذكي فهم المتعلقين بالإسلام إلى حد الإذهال بعيداً عن جميع التفاسير التي سكنت عقولهم، والتي كانت عبارة عن شروح لغوية؛ أي درست المعاني والقيم، ولم تدخل إلى علميتها، فالذي اعتبر أن الموجود كافٍ فهو ماضوي، لأن الكافي عند الانحصار لا يكفي، لأنه يحتاج إلى مضاف، وها نحن نعيش عصر الأزمات الإسلامية، فهل كفانا الموجود، نحن الآن بأمس الحاجة لتقديم الجديد وتجديد القديم جوهراً لا مظهراً، نحن الآن نحيا سرطان الفهم النمطي وتنظيرات من شأنها عرقلة المسيرة الإسلامية التي تسعى للنهوض من الانحطاط، بفضل وعي جديد تحمله أجيال قادمة للحياة بقوة تتملكها خبرات ثقافية متحركة، تتجاوز المعايير وأدبيات الأديان التقليدية، حيث وسائط التواصل الاجتماعي تبهر العقول بحكم وَسَاعَةِ الفضاء واتساعه بشكل مذهل، ربما الأئمة والمفسرون والقيِّمون على الشؤون الدينية لم يدركوا بعد مفهوم الحاجة الواقعية، أو أنهم لا يمتلكون جرأة الاعتراف بالحاصل المستمر حصوله، وأيضاً الخوف من مراجعة خبراتهم التي توارثوها، لذلك نجدهم مصرين على تسييج الأجيال بالماضي الفقهي والشرعي والعقائدي من دون السماح لهم بالخروج عنه، والذي يخرج يُكَفّر، أو يزندق، أو يتهم بالعلمنة أو الإلحاد.
سأحدثكم بحادثة جرت في ستينيات القرن الماضي، حيث زار مفتي دمشق الشيخ أبو اليسر عابدين أبرز علماء بلاد الشام مع وفد ديني رسمي الاتحاد السوفييتي للاطلاع على منجزاته، ومن المواقع التي زارها الوفد محطة (مير) الفضائية، وأثناء تجواله فيها لفت نظر الوفد غرفة زجاجية يتوسطها رجل مهيب ذو لحية وصلت إلى صدره يقرأ القرآن، تقدم وسأل المترجم هل يجيد العربية؟ فأجابه وعليك السلام، أعاد عليه السؤال: هل تقرأ القرآن؟ فأجابه وماذا تراني أفعل؟ من هذا القرآن صعدنا إلى الفضاء، أين أنتم منه؟! ألا تتحدث الآية: (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) والسلطان طبعاً هو العلم المسكون في فقه القرآن، فإذا كان التلمود الأورشليمي والبابلي فقه التوراة، واللاهوت فقه الإنجيل، فأين فقه القرآن؟ والأئمة والمفسرون وكلما حدث اكتشاف يقولون إنه في قرآننا منذ نزوله ولم يكتشف المسلمون حتى شعرة صناعية.
هل فهم المسلم بناءه المادي، الإنسان حالة ميكانيكية هيكل عظمي مكسو باللحم والأعصاب والجلد، هل تفكر المفسر وقدم لنا الكيفية التي نتحرك بها، لم يقدر بعد لأنه ينسب كل ذلك إلى القدرة الإلهية التي لا ننكرها، ولكن هل فهم أن بداخل كل إنسان فرناً ذرياً يحول الصلب والسائل إلى طاقة، وأننا نسير بفضل هذه الانشطارات الذرية، وأن كل قطعة في داخل الإنسان تمثل اختراعاً مادياً يفيد الإنسانية والبشرية معاً، هل يستطيع أي مفسر شرح معنى الحج- الطواف- السعي- الشيطان، هل الله بحاجة إلى هذه الأعمال، أم إنها من أجل نقاء الإنسان وصفائه وتفاعله مع أخيه الإنسان، وأن الحج موجود من يوم كانت الحياة، والصلاة كذلك، وإني لأؤكد أن انكشاف كل الأفكار القديمة بات قريباً جداً، والخطوة إن لم نبادر إلى البحث الدقيق في تقديم الجديد، والجديد موجود في القرآن، فهل نبادر سريعاً للاشتغال عليه، وإنجازه فقهاً علمياً منطقياً وواقعياً، يستخرج الفكر الإنساني، فكر الحياة لا فكر الموت في سبيل الله، لأن الله لا يحتاج إلى موتنا، لأن الموت ثقافة، فهل تعلمنا ثقافة الرحيل؟ وهل تعلمنا ثقافة القدوم إلى الحياة وفهم أسباب الولادة ونظم التربية الأخلاقية قبل التربية الدينية؟
الفكر العربي الإسلامي يحتاج الآن إلى جهود كبيرة وجبارة من أجل مواكبة الحياة السريعة جداً وجسر الهوة الكبيرة بينه وبين الأديان المرافقة له، كيف بنا نفعل ذلك؟ الحلول متوافرة، يكفي أن يكون هناك إصرار على التقدم من دون تكفير المجتهدين، من دون زندقة الباحثين، كيف بالقيِّمين على الديانة الإسلامية يستمرون في تكفير الآخر، والآية الكريمة تقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي إن الله يفصل بينهم يوم القيامة لا نحن، كيف بنا لا نشتغل على هذا الفقه العظيم بعد أن ندعو علماء النفس والتربية والفلسفة والرياضيات والفيزياء، وأن نشكل دائرة بحث جدي تدرس الفكر العلمي والإنساني في القرآن الكريم، وتقدم رؤى مستخلصة من فقه، تُري العالم قدرتنا على البعث والتجديد، ودمشق عاصمة الأديان وصاحبة أعمدة الإيمان المسيحي والإسلامي قادرة على فعل ذلك، فهل نفعل؟
د. نبيل طعمة

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018