احتفظ بالشخص الذي يتصل بك في زمن الكتابة … ألكسندر غراهام بل استوحى الفكرة من الإيطالي أنطونيو ميوتشي!

ديالا غنطوس

احتفظ بالشخص الذي ما زال يتصل ليسمع صوتك في زمن الكتابة… تلك جملة قرأتها في أحد المواقع الإلكترونية التي تعنى بنقل كل ما هو جميل وجديد، وتذكرت كم أصبحنا أشخاصاً إلكترونيين، نستخدم التقنية الجافة، عديمة اللهفة والحفاوة، فنحادث بعضنا بأحرف مطبوعة وننقل مشاعرنا ببضع كلمات مختزلة في جمل خالية من أي عناق وتعبير، كم أصبحنا بعيدين عن أحبائنا، فنرسل لهم رسائل عبر الهاتف حتى لو كانوا يجلسون بقربنا، على المقعد المجاور أو على المقعد ذاته، لغة الكلام اختفت تقريبا، واختنق الصوت في حناجرنا لنحوله إلى رسائل نصية قليلة الدسم، خالية من حريرات العاطفة، لتتبع مشاعرنا نظام حمية صارماً وتفقد معها الكلمات والأصوات وزناً كبيراً مما يجول في خاطرنا.
المقدمة تلك كانت لأستذكر فيها ألكسندر غراهام بل، أول مخترع للهاتف في العالم، الذي ولد عام 1847، والذي يعتقد أنه استوحى فكرة الهاتف من المخترع الإيطالي أنطونيو ميوتشي، تركت طفولة جراهام بل ونشأته أثرها البالغ عليه ورسمت المسار الإبداعي الذي سلكه في حياته، والدته وزوجته الصمّاوتان كانتا جوهر تجاربه في مجال أجهزة السمع والكلام، في سنوات شبابه المبكرة اتجه بل إلى تعليم الصم والبكم ومساعدتهم، وصولاً لتأسيسه مدرسة متخصصة لهم في بوسطن، تحولت إلى جامعة بوسطن، وأصبح فيها بل أستاذا لفسيولوجيا الصوت وأساليب التخاطب.
بدأت فكرة اختراع الهاتف بمداعبة خيال غراهام بل مذ كان شاباً يافعاً، إلى أن اخترع فكرة إرسال خطاب ببلوغه سن الثامنة عشرة، التي أوصلته عام 1864م إلى عمل البرقية، وقد طبق فيها المبادئ الأساسية في صناعة الهاتف، بعدها بعشرة أعوام في عام 1874م بدأ غراهام بل تجاربه المبدئية على التلغراف الموسيقي «فونوتوغراف» الذي يبدو كالقلم ووظيفته تتبع الموجات الصوتية ورسم أشكالها على لوح زجاج، في العام ذاته ومع ازدياد الحاجة للرسائل التلغرافية حيث أصبحت أشبه بعصب التجارة، كان العمل قد بدأ على إرسال عدة رسائل من خلال التلغراف، وفي عام 1875م سعى بل إلى إيجاد طريقة تسمح بنقل صوت البشر عبر التلغراف، بالتعاون مع المصمم الكهربائي والميكانيكي «توماس واتسون» الذي أصبح مساعداً له وشرعا بإجراء التجارب معاً، بدءاً من تمكنهما من سماع النغمات التوافقية للقصبة المعدنية المتعددة التي يتم ضبطها لترددات عدة مثل القيثارة والتي وظيفتها تحويل التيارات المتموجة إلى صوت مرة أخرى، وهكذا تمكن ألكسندر غراهام بل عام 1875 من تطوير جهاز التلغراف الصوتي واختراع الهاتف، ونال على ذلك أول براءة اختراع أميركية عام 1876 ذُكر فيها أنه اخترع «طريقة وجهاز لنقل الصوت أو غيره من النغمات تلغرافيا»، ومع قدوم العام التالي أنشأ بل شركة هاتف خاصة به، مكّنت أكثر من 150 ألف أميركي من امتلاك هواتف عام 1886 أي بأقل من 10 أعوام من إنشاء الشركة، وطبعاً خلال تلك الفترة وبعدها قام مهندسو الشركة بتطوير الهاتف وإضافة العديد من التحسينات إليه.
إذاً تمكن ألكسندر غراهام بل من إيجاد الحلقة الأولى من سلسلة وسائل الاتصال الآلية، التي لم تكف حلقاتها عن التكاثر والتطور إلى يومنا هذا، شيئاً فشيئاً مروراً بمراحل عدة، بدءاً من الهاتف الثابت ثم الهاتف اللاسلكي ذي موجات محدودة المسافة، بعد ذلك وُجدت الهواتف النقالة الخلوية التي حررت المتكلم من قيد الثبات بمكان وجود الهاتف، وصولاً إلى اختراع الحواسب المكتبية والمتنقلة، ثم ظهر الإنترنت الذي أحدث ثورة تقنية وفرت إمكانية التواصل بين الناس بأي وقت عن طريق المحادثات النصية والصوتية وبعدها المحادثات المرئية، ولاحقاً ظهرت أجهزة الهاتف النقال الذكية والحواسيب اللوحية حيث بات بمقدورنا استخدامها للتواصل مع الآخرين بكل الوسائل أينما كنا وبجودة عالية، وخصوصاً مع توفر ما يسمى «الإنترنت الفضائي» المربوط بقمر صناعي متاح في العالم كله بما في ذلك السفن في البحر أو الطائرات أو المركبات المتنقلة.
لكن هل توقف الأمر عند هذا الحد فيما يخص وسائل التواصل؟ حاول الإجابة عن هذا السؤال «سبايك جونز» مؤلف ومخرج فيلم الخيال العلمي Her» عام 2013»، يناقش من خلال الفيلم أزمة العلاقة بين الإنسان الحديث والتكنولوجيا وتأثيرها عليه ككائن اجتماعي، ويقدم رؤيته حول إمكانيات التواصل وأساليبه التي قد تتوافر لنا بالمستقبل المنظور، وهي رؤية قد يعتبرها بعضنا مأساوية وبعضنا الآخر ربما يرى فيها حلاً وتحوُّلاً عظيماً، باختصار، يتكلم الفيلم عن كاتب «ثيودور» ينشىء علاقة مع نظام تشغيل رقمي ذكي قام بشرائه، له صوت وشخصية أنثى اسمها «سامانثا»، يجد ثيودور (الإنسان) نفسه منجذباً لـ«سامانثا» (نظام التشغيل)، ومع قضاء أوقات أكثر مع بعضهما البعض تنشأ علاقة وثيقة تتكلل بوقوع كل منهما بحب الآخر، يستفيد ثيودور من ذكاء سامانثا العالي بطرق عديدة لا يتمكن منها أي إنسان، على كل الصعد نفسياً واجتماعياً وخدمياً، حيث يتيح لها الدخول إلى كامل ملفاته الخاصة الموجودة على جهازه ومراسلات البريد الالكتروني وأرقام الهواتف، لتتمكن من جمع معلومات مفصلة عنه وتوظيفها لاحقاً في خدمته بعد تكوين صورة شاملة لشخصيته، ومع مرور الوقت وازدياد كمية المعلومات المخزنة تتطور شخصية سامانثا لتتلاءم مع جميع متطلبات ثيودور، فيزداد اعتماده عليها بالتواصل مع أصدقائه، وتحل معه ضيفة مرافقة له أثناء لقاءاته بهم، كما تتولى مهمة الإجابة عن المراسلات في بريده الالكتروني بدلاً منه عند انشغاله، حتى إنها باتت تطالع الأخبار وتستشعر ما يفضله ويثير اهتمامه منها فتقدمها له، وامتلكت القدرة على تأليف الألحان والأغاني التي توائم ذائقته السمعية فتهديه إياها، تستطيع إنجاز كل ذلك بثوان معدودة، هذا كله كان مسوغاً كافياً لسامانثا «نظام التشغيل» لتحل مكان العنصر البشري في حياته، وأن تزيد من عمق عزلته والهوة بينه وبين البشر، كما حدَّت من قدرته على الاعتماد على نفسه لكونها أصبحت بديلاً من عقله البشري عبر نجاحها بتنفيذ كل أدواره، فتؤدي به إلى الكسل وإدمان الاتكال عليها والاستسلام لها.
يظهر في نهاية الفيلم أنه حتى التكنولوجيا المتجسدة بنظام التشغيل «سامانثا» تتطور وتصبح لها شخصية مستقلة غير مطوَّعة ومتطلبات يجب تلبيتها من المستخدم، تتغير سامانثا وتسعى للانسلاخ عن مشغلها، بعد أن تمكنت من تغيير حياته والاستحواذ عليه، ومن هنا يطلق صانع الفيلم تحذيره من خلق أساليب تبدل من طبيعتنا البشرية وتحدُّ من تواصلنا مع باقي أفراد جنسنا البشري، وهنا أستحضر صرخة العالم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ بقوله: «إن تطوير ذكاء اصطناعي شامل قد يمهد لنهاية الجنس البشري بالكامل».

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018