افتتاحية الأزمنة

ازدواجية الانتماء

الإسلامي تشير إليه المعطيات مؤكدةً أن حاضره وليد ماضيه، وأنَّ هذه الأمة لم تقدر على فهم هذه العلاقة بينهما، ما أنشأ جدلية دائمة وضعتها في متاهة تأخير التطوّر، ما أثبت تراجعها، وأدى إلى توالد الأسئلة والبحث المستمر عن حلول لتطويرها، وهذا لا يتم إلا من خلال وعي جديد، يسقط على الحاضر، كي يستوعب الماضي ضمن حدود معينة والكيفية التي نذهب بها من خلال هذه الازدواجية إلى المستقبل، وأعباؤها الهائلة تحيطنا، بل أكثر من ذلك مركبة على كواهلنا، تخترق الهدأة والحركة والسكون، نتفكر، نجد أنَّ أمماً كثيرة قامت وتشكلت منها دول تضاءلت حتى الفناء، وكبرت فيها دول إلى أن سيطرت على بعضها، وكذلك كانت المعتقدات التي جسدت الأدوار الرئيسة في حركة التاريخ الدؤوبة، وأن من أعقد أغاليط الواقع المعيش أنه ممتلئ بالمتناقضات، ولذلك غدونا بحاجة ماسة للخروج من هذا الواقع الممتلئ بالاضطرابات وتشكيل محاولات للخروج من مخرجات الماضي والتخلص من سلبياته، فإنسان الحداثة تتملكه الحيرة الدائمة في مجريات أموره، فلا يمتلك برهاناً يشير بدقه إلى مواطن الخلل، ولم يقدر حتى اللحظة على تقديم البرهان النهائي الذي يأخذ به إلى الخلاص من حيث إن سواد البراهين أنجزت في الماضي، وأشباح المبرهنين الراحلين بالتتابع مازالت تهيمن على عقولنا، وتنبض في قلوبنا، وأكثر من ذلك أنها تسيطر بقوة على بصائرنا ومصائرنا، فحياة أصحاب البراهين السابقة أموات، وهم على الرغم من رحيلهم مازالوا أقوى وأبقى من حياتنا كأحياء، ومهما حاولنا الهروب إلى الأمام نجد أن الماضي أمامنا، يحكمنا إليه بقوة لماذا؟ لأن الماضي ينتقل بالوراثة الجينية والانتقالات الفكرية والولادية، واقتحامه في الأمام معقد ومركب لدرجة خطرة، وخطورته تتجسد في بوابات التكفير والإلحاد والزندقة، فالرغبة وحدها لا تكفي لحظة تقرير المسير إلى الأمام؛ هذا الأمام إما أن يعيدك إلى أبعد من الوراء، لينهيك أو ينقذك بمفردك، لأن الجمع يستصعب الإيمان فيه، وإن أخضعنا كل ذلك للتجربة، نجد أنها محفوفة جداً بالمخاطر، وحين نعود للتدقيق مما اعتور الدين الإسلامي منذ ظهوره وصولاً إلى انتشاره وتشكله من التنوع الهائل للثقافات التي دخل إليها ووحدها تحت رايته، مطلقاً العنان لظهور أمة جديدة أو عالم جديد يحمل مسمى الأمة الإسلامية، أو العالم الإسلامي، وما هو إلا عبارة عن مجموعة عوالم مختلفة المفاهيم والمبادئ، اعتنقت ديناً واحداً، ويدخل عليهم المفسرون باجتهادات وأفكار وآراء شكمتهم إليها، وأوقفتهم عند حَرْفيّتها، فارضة المحرم من دون السماح للاجتهاد فيه، وأكثر من ذلك الدخول ممنوع على المحلل، ليتحولوا نتاج ذلك من مؤمنين جادين وموثوقين إلى متدينين، ينفذون الفرائض بالغرائز، لا بركائز الإيمان، محولين بذلك الإيمان بالحياة وموجدها إلى عيش ولهاث، مبتعدين عن حركة التطور التي تسمح بتغير البُدَه وقبول التطور مع كل إبداع أو قادم جديد، وضمن هذا السياق، إذا نظرنا إلى الحضارات، وخضنا عناصر مكوناتها، نرى أن التحولات الهائلة حصلت بها من خلال تبادل الثقافات والتعرف على حركة الأمم ولغاتها وفنونها.
هل نحن محكمون كأمة بالاعتياد، ونهاب الرأي العام، ومتعلقون في الوقت ذاته بالمنفعة الشخصية، ونغطيها بالتدين، ونطالب الله بأن يحفظها لنا، حيث نتجه إلى الغيبي مرتكزين عليه ومكونين للأخلاق الفردية، ومنه نعلي مسألة الشرف الجنسي إلى أعلى مراتب الأخلاق، ولا نعلي شأن العمل الجماعي، وعندما نتأمل ذلك، نرى أننا نبتعد عن المنطق الاجتماعي، ونحارب الفلسفة المسؤولة الرئيسة عن بناء المعرفة العلمية، وفتح آفاق ما لا يمكن معرفته إلى أن تعرفه، وإن بقاء التمسك بالغيبي فقط يؤدي إلى الاتكال والتواكل وعدم الوصول إلى النتائج العقلانية المقنعة للإنسان الواقعي، وللآخر المتطلع علينا، ألم تلعب المعتقدات أدواراً تكوينية في حركة التاريخ، وجميعها تجاوزتها بعد أن هذَّبتها ووطنتها في داخل الإنسان منطلقةً لبناء الحياة والاشتغال لها باستثناء الأمة الإسلامية التي تراني لا أفصل بينها وبين الأمة العربية، لأنها المكون والمتعلق بالإسلام.
كيف بنا لا ننتبه لحدوث وتلاحق التطورات الاجتماعية وقيامة الدول وسقوطها، وعظمة الحضارات وانحطاطها، ومثلنا الأمة العربية والإسلامية، ألم يلعب معتقدنا الذي مازلنا نعتبره من الحقائق الراسخة غير القابلة للبحث أو التدقيق في تأخير عملية تطوير شعوبنا بكونها مسيطرة على فكر إنسانه الذي أيضاً لم يقبل تطويره حتى اللحظة، معتبراً إياها موروثه الذهبي، وهذا الموروث هو الذي يحييه، ويميته، وينقله إلى عالم الجنان، من خلال أنَّ لكل أمة أساطير في خلقها، بدأت من طوفانها، واستمرت بانتمائها لذاتها، إلا الأمة الإسلامية، فإننا نجدها تعاني ازدواجية الانتماء؛ أي لدينها في المظهر، وللانفلات منه في الجوهر.
متى ستتخلص هذه الأمة من ثنائية المظهر والجوهر؟ متى تبتعد عن مفاهيم العائلة والقبيلة والعرقية والمذهبية والطائفية؟ متى سيمتلك العربي الإرادة والحدس بأنه قوي علمياً، وأنه مؤمن وليس متديناً؟ وأنه قادر على أن يكون أمام الأمم الأخرى سيداً مهماً يدخل التاريخ، وإذا أردنا أن يكون لنا كيان في هذا العالم، يجب أن نؤمن بالعلم صاحب الاختراع والإبداع، وبالمنطق الجمالي للفلسفية التأملية، هذا الإيمان الذي وحده القادر على إيجادنا في المستقبل، وإلا فسنبقى الأمة الوحيدة التي تؤمن بالماضي، تعيشه في حاضرها، وتنتظر القفز إلى الآخرة من دون صناعة مستقبل لها، على الرغم من عدم إدراكها بأن قبل الآخرة هناك الثانوي، وبعده تكون الأخيرة، أي إن الأزمان المتعددة الأصداء التي تكافح فيها الأمم والشعوب من أجل إثبات وجودها تتجلى في الماضي الذاكرة الذي يقبل الحذف من أجل استيعاب الحاضر، والحاضر الخلاق والمبدع يُكوِّن الغد؛ أي المستقبل الذي يسعى الإنسان فيه للحياة بأمان.
لذلك أجد أن اصطراع العقل العربي المسلم، توقفه إشارة التعجب التي تشير إلى مناهضة العواطف الدينية للحكمة العقلية ومنطقها اللذين يدعواننا لدرس واقعنا والاتجاه إلى تحليله.
هي دعوة إلى كل المشتغلين في حقول الدين والعلم والفكر والثقافة، من أجل إنقاذ ما تبقى من فكر عربي إسلامي إيجابي، يحمله بقايا المؤمنين في وجودها.
د. نبيل طعمة

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018