دور الإعلام

نستمع، نتابع بصرياً، نتجول جسدياً، ندوِّن في فكرنا، نناقش بعضنا بالتفاصيل اليومية، بمعرفة أو من دونها، وجميعنا يستمع إلى ما يصله من أخبار، فمجتمعاتنا مسيَّسة من نعومة أظفارها، حتى إنها تتدخل فيما يعنيها، ولا يعنيها، وتنقل، وتضيف، وتجعل من الحبّة قبّة، وتصنع من الزبيبة خمارة، ومن خطيئة النظر إلى الجمال زنى، طبعاً الجميع يحادث الكل، والكل يفهم بالسياسة والاقتصاد والاجتماع، بالدين وبالله، بالطهارة والنجاسة، وبحكِّ الحاجب، وطنين الأذن، ورفة العين، بأنواع الطائرات القادمة والمغادرة، والصواريخ والقذائف والطلقات العادية والمتفجرة، والكل لديه هموم الوطن والدين والطائفة، والحلال والحرام، والكل غدا إعلامياً وصحفياً وكاتباً ومحللاً سياسياً مخضرماً، ومراكز دراسات بلا دراسات، تحلل أيضاً مما تجمع من دون وجود إستراتيجية علمية وواقعية،  شعب يخوض كل الحروب في جلسة واحدة، وهو على استعداد دائم للاستمرار في خوضها من دون توقف، الحروب تتوقف وهو مستمر، لأن حروب الإعلام مستمرة بين الناس والإعلام الذي يغرد عكس ما يريدون، الناس يريدون إعلاماً يحارب الفقر والجهل والأمية الدينية والاجتماعية والسياسية، يريدون من إعلامهم أن يحارب اختباء العارفين والمديرين لشؤونه ومدعي العلم والعلمية خلف أصابعهم، يريدون أن يتقدم أولاً وأخيراً في مجتمعهم، ويحارب التخلف والتطرف وتكفير الناس لبعضهم بعيداً من إرهابهم فكرياً، ليعود إلى ثقافة الاستقرار ومحاربة المفسدين في الأرض والشجر والحجر والبشر، يريدون إعلاماً يقاوم فعلاً جوهراً وظاهراً الرشوة والابتزاز والتعدي على الحقوق، وأن يشجع العلم لا أن يكسره، إعلاماً لا عسس في فكره، ولا مصالح شخصية وآنية ضيِّقة، إعلاماً يدفع بالكلمة الجامعة، ويقول لا للكلمة المفرِّقة في تفاصيل تحمل غايات خبيثة، لذلك نقول بعد أن تداخل المطبوع مع المرئي مع المسموع، ولم نعد نعرف الفكر من الثقافة أو الصحافة: الكل أصبح يفهم بالسياسة، والسياسة في خدمة الاقتصاد أولاً وأخيراً، أي لم يعد أحد يخدم الفكر والثقافة أو الأدب؛ مثلث الأخلاق الوطنية والإنسانية الاجتماعية والإبداعية، أين دوره في ضخ التسامح والجمع بدل الفرقة، وتأجيج الروح الوطنية وتعزيز الجماعية، ونبذ الفردية، العالم يعمل بروح الفريق، ونحن نعمل بلغة الأنا وظلمها وظلامها.
هل ما زلنا نبحث ونجرب، نمحو ونعيد، ننتظر توليد رؤى وطنية من عقم الواقع، فنقول هذه الرؤية أفضل من تلك، لذلك نجد أننا غير ذلك، يأخذ بنا إلى غير الوطنية، كيف بنا نوحد الرؤى، ونعتاد على أعدادها، ومع التحضير الدؤوب نتابع النتائج، ليكون الحكم كيف بنا نحكم وندين، من دون أن نرى ونسمع ونقرأ، نرفض ونشطب ونمسح ونفهم بأنه أصبح كلانا يغرد خارج السرب، علينا أن ندرك أننا في عصر الواقعية، لم يعد للخيال وجود إلا في عقول المبدعين القادرين على تحويل الخيال إلى واقع لحظة أن تتوافر الظروف المادية والمعنوية لهم، وهذا غير محقق للسواد الباقي، فنعلم هنا أن دور الإعلام ينبغي أن يحمل في طياته فنون  التمثيل البياني، وعلوم الإخراج والإلقاء وجمال الحضور، كي يتوافر الحد الأدنى من الإقناع، وهذا يتطلب التفكير والتخطيط وتوفير روابط المعلومات والضخ بشكل علمي مع الاجتهادات الشخصية، ما يطور خيال المتلقي الذي يستدعي تصور مدى أهمية الفكرة المطروحة، وأثرها في استقراره واستفزاز تَعَجّبه واستفهامه، لا يمكن للإعلام أن يكون جيداً إلا إذا عرف كيف يمزج بين الخاص والعام، بين الفكرة المطلوب تسويقها وآليات التسويق في حدِّ ذاتها، وأن يلتقط ما هو عميق من بين ركام التفاصيل والفواصل والنقاط، يقدمها بالقيمة التي تستحقها، فيكون لها معنى وقيمة، أو يطرحها كقضية فاعلة متحركة، تتدحرج على سبل المتابعين، فالضرورة غدت اليوم جداً مهمة، حيث تدعونا الأحداث للتفاعل والتواصل معها، لأن العدمية الفكرية ما زال مطلوباً نشرها في منظومة العالم صاحب الخمول الدائم والمناعة الضعيفة، وعدم قدرته على استيعاب التحديات، أو حتى الاستجابة لها، كيف بنا نطور أفكار حماية الوطن وأمنه والذود عنه، وبذل العطاء له، أليس هذا هو عين التحدي الأكبر أمام مساحات الرمال المتحركة التي تحيط بنا، كيف بنا نُجير أساطير الشرق وأخباره المتوارثة المسكونة بقوة في عقول أجيالنا، كي تصبح دافعةً ورافعةً، تأخذ بأيادي الجميع لإحداث التطور، كيف بنا نوقف التمادي في الأنا المتعجرفة، ونحولها إلى لغة تعاون وإيمان جماعي؟ كيف نراهن على صناعة تاريخ إيجابي في الحاضر؟ هل نلعب على المكشوف، وهل يجوز في الإعلام لعب ذلك؟ هي هكذا، قراءات أولية في دور الإعلام الذي نراهن على تطويره، كي يغدو بياناً للناس كافة صباح مساء، يحول الرؤية المتشائمة إلى متفائلة عبر كلمات موجزة، وبرامج تحمل البعد الزمني، تعتبر العمل الوطني من أولى أولويات حياة المواطن أينما وجد، من باب أن للإعلام أبعاداً إنسانية، إضافة للأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى الرغم من أنه منفذ أمين لسياسات دولته، فهو يثير النقاشات المؤثرة، كي يكشف قدرة المجتمع على التطور.
هل أدرك إعلامنا صراعات النفوذ على سورية بشكل عام، وما يجري بين جنباتها وخصوصية حضورها؟ لأن باقي الدول تابعة تاريخياً ومنضوية في الأساس تحت أجنحته، أو منفذة لسياسات الآخر، وهل أدرك ما حدث من شروخ في طائفته ومذهبه وديانته في المنطقة، وتتعمق هذه الشروخ بسبب ما يرتكبه الإعلام من أخطاء أمام إعلام الآخر المحيط، وما الدور الذي يجب علينا القيام به إزاء هذه الهجمة الشرسة التي لا تحمل إلا غاية واحدة، ألا وهي فرط هذا العقد الاجتماعي النوعي في كامل المنطقة، أجل غزو فضائي هائل يحتاج إلى تضاد، وما زلنا نعمل يوماً بيوم، ومن دون إستراتيجية علمية وفلسفية وبعيداً من المناهج الفكرية.
هي مصارحات نحتاج إليها جميعاً، ونحن نمرُّ من الأزمة العاصفة، لا غاية لنا منها إلا الوصول بجميعنا إلى شواطئ الأمان المنظورة أمامنا.
د. نبيل طعمة



Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018